رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 12 تشرين الثاني( نوفمبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2076

آنا بيرنز: يجب أن أنأى بنفسي عن الاضطرابات

أوين ماكنامي*
يوجد منعطف في فن القصة والرواية في شمال البلاد.  غنى في الأحاسيس، وانسجام الخيال مع البوصلة الأخلاقية وتحديد لاتجاهها. وبالإضافة لبحث دؤوب عن التجارب الجيدة التي تستحق المتابعة. فأدباء مثل  (ويندي إرسكين ومايكل هيوز) يقومون بدور هام قلما عرفناه سابقا في شرح وتفسير الموضوعات. ويمكن أن نذكر هنا تجربة  الرسام ديرموت سيمور، وأسلوبه الطليعي الذي سبق به غيره ورؤيته للمضحك والمبكي  والعلاقة بينهما بما يزيد من جماليات ألغاز الحياة. وتعتبر آنا بيرنز واحدة من حلقة محدودة العدد، وذات رؤيا وثقافة عالية . فهي كاتبة حازت على المان بوكر بروايتها (بائع الحليب). والتحقت فورا بالنخبة. وحينما سئلت بيرنز عن سنواتها الأولى في بلفاست ولماذا هي غير معروفة، فكرت بالسؤال وردت بطريقة مبتكرة.
وبدأت من العودة الى البيت ليلا على طول شارع بيرويك في أردويان، وتتصور أن هذا كان يحصل في منتصف السبعينات، وهي تحت تأثير الكحول ومخدرة ومعها رواية الجيب التي تقرأ فيها. وكما هو الراوي في (بائع الحليب)، كانت بيرنز تقرأ وهي تمشي.  تقول: "معظم الأنوار كانت مكسورة والطريق مظلم ولكن الكتاب جيد. في مكان ما قرأت شيئا وجمدت من الدهشة والتحير. وأتذكر أنني قلت لنفسي: كيف فعل الكاتب هذا؟ كيف؟".
كان تقرأ في أيام بلفاست لكن لا تكتب. وتكلمت عن محاولة في أيام الطفولة لكتابة "أنيد بلايتون يقابل أجاثا كريستي وهي تقابل حكاية خرافية روسية". إنها ما يشبه كتاب. كأن طفلا يضبط الإيقاع لمرحلة البلوغ، والتورط بالمهنة عن مقربة. ثم سافرت بيرنز إلى لندن عام 1987 لتدرس في الجامعة. وفي منتصف عقدها الثالث "بدأت بالكتابة فجأة، وبسرعة... كنت أشعر بشيء يحل على رأسي قبل أن يتضح، وسيتحول لشيء مبهج أستمتع بالعمل عليه، أو الحياة معه، أو امتلاكه".
الفورة العصبية
يأتي الشعور بالكتابة بشكل فورة عصبية، تندلع نار الفكرة، وتتشكل المفاصل بسرعة البرق، وتبدأ تعرجات فاتنة بالظهور في مجال رؤية الكاتب. بلفاست بالنسبة لبيرنز ليست مثل أي مكان آخر. إنها مسروقة منها وتعيد ابتكارها، ويحل محلها شيء آخر. ثم تشتعل أسباب المشكلة، أو الطائفية، في المخيلة. "حان الوقت للتكر وللإحساس بحياتي العملية...يجب أن أحتفظ بمسافة عن الاضطرابات... ولا أعتقد أنه غير عادي للأفراد أن يعيشوا تفاصيل المأساة. حينما تكون متورطا،لا يمكنك رؤية المآسي، وليس بوسعك أن تراها لأنك لا تريد ذلك".
نجح الكتابان السابقان- (بلا عظام)، و(منشآت جديدة). (بلا عظام) وصل للقائمة القصيرة في جائزة أورانج. إنه لم يكن خارج مجال الرادار. ربما حين تتكلم عن الكتابة من بلفاست، تكون في الرادر، داخل اهتمام الباحث عن أشياء غريبة وبعيدة، إنها الصياد الذي يلتقط كل ما يتحرك ويستتر في الظلام. لكن في (بائع الحليب) الأشخاص دون أسماء. ويحملون ألقابا تحدد العلاقات بين بعضهم بعضا. (مثلا: ربما صديق حميم)، أو تحدد موقع الشخص ومساره في المجتمع. (مثلا، الرجل الذي لا يحب أحدا، أو بنات خدمة الطاولة). وإتقان هذا الأسلوب يتطلب فهما أخلاقيا، وكان لديها إلمام بذلك. فالعقل نشيط وقلق، ولا يرتاح للأشياء السهلة. والتفكير بأي صوت يعود بشكل تأمل في طبيعة الشخصية."شخصياتي تأتي لي وتخبرني بذاتها عما تريد أن تقول وكيف يقال، ويبدو أنني لا أمتلك سيطرة كاملة على الموضوع باستثناء أنني إما أسجل ما يقولونه أو أغض النظر عنه. (إن لم أكتب شخصياتي، لا تنتظرني تلك الشخصيات وأضطر للانصراف بعدها)".
الترميز
قال النقاد عن كتابها الأول (بلا عظام)، إنها وظفت مشاكل العائلة كرمز للحالة السياسية في شمال إيرلندا:"في ذهني كان ولا يزال الموضوع مقلوبا. ولا يوجد شيء لا يمكن أن أستبعده من شمال ايرلندا. من الجنون أن تترك أي شيء دون دراسة أو أن تفكر أن أي شيء ليس له عواقب. وفي نفس الوقت بالنسبة لي، لم يكن ذلك هو الهدف الأساسي. لكن العائلة هي هدفي. العائلة ليست موضوعا عابرا. تأثير العنف على العقل يمكن أن يحصل في أي مكان. وهذه الظروف يمكن أن يكون لها أيضا تداعيات نفسية وعقلية بعد اندلاع أي نوع من أنواع العنف".
ونفس الكلام يصدق على كتابها الثاني، (منشآت صغيرة). " وهو برأيي ليس عما يعصف بأي مؤسسة عسكرية في شمال إيرلندا، أو عن أي مشكلة، أو أي إدارة حكومية في أي منطقة... إنه برأيي عن الجنون الأهلي وتضارب أفراد العائلة وما يبدر عن القائد الأحمق لعصابات الإجرام. ويمكن أن تكون أي عصابة إجرامية. وماذا يمكن لضميرهم أن يفعل تجاه ما يحصل جهارا مع أنه عليهم التظاهر أنهم لا يلاحظون ذلك؟".
وبنفس الطريقة التي تتحول بها الاضطرابات، تبدو أقل مما نعزو لها من أهمية، وتأخذ شكل خريطة للمهووسين. إنها تتكلم عن "محمية صغيرة للمراقبة". وكما تقول بيرنز: "إذا فكرنا بالطريقة التي نمثل بها أنفسنا سنقتنع أن الصحوة الواعية واللاوعية (بمعنى المراقبة والحراسة) – أو سواها من طرق اليقظة غير التقليدية – كما هو حال الأقمار الصناعية وأجهزة الإنذار المبكر وكاميرات المراقبة وسواها – طرق طبيعية للحياة. حسنا، ربما أصبحت معروفة لكنها قطعا ليست شيئا طبيعيا. وهنا تبدأ الضرورة كي تعلم – وربما كي تشعر".
* ترجمة "العالم" بتصرف عن جريدة آيريش تايمز.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي