رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 12 تشرين الثاني( نوفمبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2076

كتاب النص وسؤال الحقيقة لماجد الغرباوي

د. رائد جبار كاظم
صدر عن مؤسسة المثقف في استراليا ودار امل الجديدة في سوريا هذا العام 2018 كتاب بعنوان (النص وسؤال الحقيقة، نقد مرجعيات التفكير الديني) للمفكر والمثقف والباحث ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف العربي في استراليا، هذه المؤسسة التي ساعدت من خلال كُتّابها على نشر ثقافة التنوير والحوار والفكر الحر.  
يعمل الاستاذ ماجد الغرباوي، على تقديم سلسلة من الكتابات والحوارات الفكرية الواعية في مجال الفكر الاسلامي التجديدي، وبأسلوب نقدي مميز، وواضح جداً في هذه الكتابات والطروحات التجديدية أثر المفكرين العرب المعاصرين ومناهج النقد والثقافة الحديثة، فهو يقترب في مسألة نقد الكثير من قضايا التفكير الديني الى دائرة النقد الثقافي من جهة ونقد الثقافة من جهة أخرى، وخاصة في مجال الفكر الديني، وهذا ما أشتغل عليه جمع من المفكرين العرب أمثال محمد عابد الجابري ومحمد أركون ونصر حامد أبو زيد وجورج طرابيشي وعلي حرب وعبد الكريم سروش وعبد الجبار الرفاعي، في قراءة التراث وبيان تهافت الكثير من قضاياه وأحداثه، وجاء الغرباوي ليواصل هذا المشوار في طروحاته الفكرية.
لقد عمل الغرباوي في العقود الأخيرة من فكره على زيادة مستوى النقد والثورة على الخطاب الديني والسياسي المهيمن على الساحة الاسلامية، وذلك من خلال مؤلفاته االمتنوعة في هذا المجال، ونذكر منها على سبيل المثال : (اخفاقات الوعي الديني) و (الضد النوعي للاستبداد) و (جدلية السياسة والوعي) و(مدارات عقائدية ساخنة) وفي كتابه الأخير (النص وسؤال الحقيقة، نقد مرجعيات التفكير الديني)، وغيرها من الكتابات، وفي هذه الكتب والحوارات نجد الحضور الكبير للمشروع النقدي للغرباوي، والذي يفكك فيه الكثير من قضايا التاريخ والتراث والدين والسياسة والأيديولوجيا والمعرفة، ويكشف عن مستوى التحريف والتزييف في مستوى الوعي الديني للجماهير، من خلال سلطة الفقهاء وزيف التراث، والمنهج اللاعلمي السائد في سرد الروايات والنصوص وفي معالجة الافكار. وهناك وعي جديد ومتقدم في كتابات الغرباوي الأخيرة تختلف عن وعيه السابق في كتاباته الأولى، وهذا ما يلاحظ على فكره وكتاباته المتأخرة.  وفي كتابه الأخير (النص وسؤال الحقيقة) لا يختلف الغرباوي عن سابق مؤلفاته ومنهجه وطروحاته، بل جاء الكتاب ليكمل مسيرته ومساره في عملية النقد والتفكيك الجريء الذي مارسه على نصوص وقضايا تراثنا الاسلامي، ويعمل الغرباوي على معاملة التراث الاسلامي عامة (بشقيه السني والشيعي) معاملة واحدة، بل تجده يُشرّح الفكر الشيعي قبل تشريحه للفكر السني، كي لا يؤخذ عليه أي نظرة للتعصب أو للنيل من تاريخ وتراث غيره، بل ويعمل على كشف عورات التراث الشيعي بقوة، ويعري الخرافات والأسطرة الموجودة في تراثه وتاريخه المشحون بالكثير من العثرات والمثالب. يهدف الغرباوي في كتابه هذا الى وضع خط فاصل بين ما لله من (دين) وما للبشر من (فكر ديني)، وتحقيق الفصل بين الأثنين ولا يجوز الخلط بينهما وتشويه الأثنين معاً بأن نعطي ما لله للبشر، وما للبشر لله، وهذا ما أدى الى تشويه النصوص والافكار والتاريخ والتراث، وتم منح القدسية للكثير من الأفكار ورجال السياسة والدين مما وصل الامر الى حد الالوهية، وهذا ما أدى الى الغلو في الكثير من الأفكار والمعتقدات، يقول الغرباوي : (المشكلة ليست في الدين كوحي الهي، وايمان يثري التجارب الروحية، بل في تحري مقاصده وغاياته وتوظيفه، وفهم دور الانسان في الحياة، وقيمة العقل في تطوره حضارياً. فثمة فهم أفقد الدين بعده الايجابي، وقدرته على تهذيب النفس وتنمية روح التقوى وكبح دوافع الشر. سببه فهم مبتسر لا يميز بين القضايا المطلقة والقضايا النسبية في النصوص المقدسة. ولا يميز بين الدين والفكر الديني، ويصر على تجريد التراث من تاريخيته والاذعان لسلطته وأحكامه). الغرباوي. النص وسؤال الحقيقة. ص 7.
ويعمل الغرباوي كما قلنا الى بيان قيمة النقد في كشف الحقيقة وتعددها، والعمل على ملاحقة المرجعيات والمصادر المعرفية والأيديولوجية لقارئ النص، فلا يوجد نص بريء ـ بعبارة التوسير ـ  فكل نص وقراءة وفهم وتأويل ذلك النص له أيديولوجية متبناة من قبل صاحبه، ولذلك يقول الغرباوي :  (ان نقد النص هو تعبير آخر عن سؤال الحقيقة، وهذه هي احدى مهام الكتاب وهو يلاحق مرجعيات التفكير الديني بحثاً عن مضمراتها، لفرز ما هو نسبي، وفضح مراوغات النص وتقنياته في وجود الحقيقة، لاستعادة الوعي واعادة تشكيل العقل وفق نظام معرفي يرتكز للدليل والبرهان في معارفه وعلومه، من أجل نهضة حضارية نستعيد بها انسانيتنا، ونستنشق رحيق الحرية، بعيداً عن سطوة التراث، وأسطرة الرموز الدينية) الغرباوي. النص وسؤال الحقيقة. ص 9                        
ان محاكمة النصوص والتراث بعقل نقدي متحرر قد يعجب جماعة ويرحبون به، ولكنه قد يزعج جماعة آخرين ويقلقهم، وبالتأكيد المجدد يرحب بالتجديد، والتقليدي والمحافظ يرفض ذلك تماماً، مدعياً أن كل منهج تجديدي حداثوي لا ينسجم ونقد الدين ومرجعياته، وكيف يتم نقد اللاعقلي بمنهج عقلي، وأدوات المنهج الحداثوي علمانية لا تتفق ومنهج الدين وافكاره ورجاله، هكذا يتم معاداة كل منهج أو مشروع نقدي يريد تغيير ادوات المنهج وتوعية الناس بكل ما هو جديد من العلوم والمعارف، وهكذا يكثر الظن السيء بين اتباع المنهج والفكر التقليدي تجاه أي تحديث يمس الحياة والدين والواقع. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فأن رجال الدين والناس يتعاطفون مع الكثير من الافكار التي ينتسبون وينتمون لها ومن الصعوبة اقناعهم بخطأ البعض من هذه الافكار، لأنها في عرفهم وعقولهم مسلمات ويقينيات مطلقة لا يمكن التشكيك بها، وقد أيد مقولاتهم تلك روايات تاريخية مهمة صدرت عن أئمتهم ورجال دينهم ومذهبهم وهي مطلقة لكل زمان ومكان فكيف تكون على خطأ وتتعرض للنقد والتضعيف؟ متناسين أو معادين لمسألة تاريخية النص وزمكانيته، من خلال ايمانهم بمطلقية الاحكام وعالميتها. من الأهداف التي سعى الغرباوي الى تحقيقها في كتابه (النص وسؤال الحقيقة) ما  يأتي :
1ـ محاولة النقد والاصلاح في منظومة الفكر والمعرفة والتراث الاسلامي والكشف عن النزعة الأيديولوجية السائدة في خطاب الفكر الديني الاسلامي.
2ـ محاولة تشكيل العقل الاسلامي وفق نظام معرفي يخضع لسلطة العقل والبرهان وبعيداً عن نزعة الأسطرة والتخريف الديني والفكري.
3ـ ملاحقة مرجعيات التفكير الديني بحثاً عن المضمر والخفي وراء تلك المرجعيات والنصوص، وبيان ما هو نسبي في معرفة وقراءة النص والحقيقة و(فضح مراوغات النص وتقنياته).
4ـ فهم متجدد للدين، من خلال الغوص في أعماق الظواهر الاجتماعية والدينية، والبنية الثقافية والمعرفية، بعقل نقدي وموضوعي متحرر من نزعة القداسة وسلطة اللامعقول، لبيان الوجه المشرق من الدين، وبناء مجموعة من القيم الانسانية المحترمة بين الشعوب والأمم.5ـ زعزعة اليقينيات والمسلمات الدوغمائية التي يتمسك بها الفقيه ورجل الدين لدعم فكره ومعارفه، وإعطاء الاهمية للفرد وعقله في محاكمة الكثير من الافكار من دون خضوعه لهيمنة الروايات والتاريخ والمؤسسة الدينية المؤدلجة.
6ـ رسم صورة واضحة لدور النص وخطورته على وعي الفرد والمجتمع، كمرجعية معرفية وثقافية للعقل الديني، (فثمة مصفوفة يقينيات لا دليل على صدقيتها سوى روايات موضوعة). 
ولا نطيل الكلام في بيان مضمون الكتاب وفصوله والكشف عن الكثير من موضوعاته، ونترك متعة ذلك الأمر للقارىء الكريم لكي يطلع عليه والكشف عما فيه من معرفة وآراء وأفكار، وهي غاية سعى اليها الغرباوي من كتابه هذا.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي