رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 12 تشرين الثاني( نوفمبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2076

جولة مع الرواية التاريخية

محمد الأحمد
قبل ان احقق جولة سريعة في بعض نماذج "الرواية" المتوافقة مع مصطلح "الرواية التاريخية". 
سأذهب الى مقولة ل"جورج لوكاتش"[1] : (إذا كان الأصل التاريخي هو نقطة البداية في عمل المؤرخ أو الباحث في التاريخ، فإن الواقعة التاريخية هي نقطة الوصول. وبين نقطتي الابتداء والوصول لابدّ من المرور بعدة مرويات مكتوبة). 
هي كتب التأريخ الرئيسة، والمستقى عنها كمراجع مأخوذٍ، او منقولٍ عنها؛ "مُؤلفٍ تأريخي" يروي لنا من خلاله واقعة تاريخية بغية الكشف عن غموضها. 
السؤال الكبير هو "ما هو التاريخ؟"... 
- "التأريخ هو معرفة الماضي الإنساني الذي يتحدد بالحقيقة التي سبق في وضعها مجموعة من المؤرخين"[2].
وقد افصحت "كليزار" عن "ماهية الرواية التاريخية"؟. متجنسة نقدياً من الروي المستند على واقعة حدثت عبر سنين مندثرة مرتكزة على ذكر واقعة ذكرتها بعض متون التاريخ؟.
ولم تكن بعين شاهد حي يروي تفاصيل تلك الحكاية؟
حيث ان الرواية التاريخية جدليتها: (الفحص والتنقيب، والمقارنة بين الأقوال المختلفة عن الواقعة الواحدة، وهي أقوال تترتب على عدة ملاحظات وتتضمنها مصادر ووثائق مختلفة، أو مصدر واحد يأخذ شكلاً موجزاً).. 
التاريخ هو علم يرتكز على وقائع مروية، وتلك الوقائع المروية حدثت في الماضي، وليست من الماضي القريب. ربما بعيدة زمنيا آلاف السنين. 
السؤال: كيف يتم استنطاق واقع رواها الاقدمون في كتب، بعضها تواتر مع البعض الاخر، وبعضها تناقض وتقاطع مع البعض الآخر. وكيف يتم الفصل والتحقق ما بين مبغض وكاره؟، فالموضع يحتاج الى - "إعادة بناء ما كان موجودا ولم يعد، انطلاقا مما بقي كأثر". كما يؤكد "ريمون أرون [3]" على عائق المسافة الزمنية في تحديده للمعرفة التاريخية. 
طبقا لما يرى هيجل[4]: حول المعرفة التاريخية هي معرفة الماضي الإنساني (بوصفها حرية مطلقة لأنها توجد نفسها بنفسها وتحددها كينونتها لتحقق ذاتها بذاتها).
بمعنى ان الرواية التأريخية دونت نفسها تأريخا مستندة الى واقعة تاريخية حدثت في الزمكان.
نعلم ان الرواية التاريخية ظهرت على يد رائدها "والتر سكوت" الاسكتلندي، كتب خمس وخمسين رواية اشهرها رواية "ويفرلي" سنة 1814. 

بعده اضاف "انوريه دي بلزاك" لها وصف العادات، والتقاليد المتبعة لذلك العصر الذي كان يختاره لكتابة رواياته. 
مثلما كتب في فرنسا "ألكسندر ديماس الأب" عـام 1844، ابتداء من عصر "لويس الثالث عشر" حتى عودة الملكية، محققا نجاحا منقطع النظير. حيث تتقمص الروائي شخص المؤرخ في معظم نتاجه. 
تبعها "فكتور هيغو" برائعته "البؤساء" و"أحدب نوتردام" في 1831، 
اما روسيا كتب "تولستوي" روايته العظيمة "الحرب والسلام".
وفي إيطاليا "ألكسندرو مانزوني" برواية المخطوبين عام 1923، مستحضرا أحداثا إيطالية تعود لقرنين ولعصور روما القديمة.
في بقية أوربا لم تختلف عن الركب حيث ظهرت "ألكسز" 1824 في المانيا بـرواية فلادامور، 
و"هوف" برواية ليشتونستان، 
وفي بولونيا "برناتويز" برواية بوجاتا 1826، 
وفي الدانمارك ظهر "إنجمان" بروايات تاريخية عديدة.
ومع نهاية القرن العشرين ظهر "امبرتو إيكو" الإيطالي برواية "اسم الوردة"، اذ احدث جدلاً في كشفه عن معلومات صادمة، مست صميم الديانة المسيحية. 
كذلك "إيريكا فاجنر" الكاتبة والصحافية التي نالت جائزة البوكر سنة 2000 عن رواية "القاتل الضرير".
اشتهرت في العربية القصص الشعبية الخرافية المتداولة بين العامة في تلك الفترة، كقصة "علي الزيبق"، و"الملك الظاهر ببرس"، و" تغريبة بني هلال" وغيرها، باعتبارها روايات تاريخية شفاهية لم يعرف لها مؤلف.
برز "سليم البستاني" (1848- 1881) كرائد في الكتابة الروائية التاريخية بروايات مثل: "زنوبيا " 1871م، "بدور" 1872 و"الهيام في فتوح الشام" 1874. 
بعدها ظهرت روايات "جورجي زيدان" التاريخية (1861- 1914)، ففي ثلاث وعشرين سنة ألّف ثلاثا وعشرين رواية، سمّاها روايات تاريخ الإسلام اولها: "المملوك الشارد". 
ويعتبر النقاد والباحثون أن "زيدان" هو الأب الفعلي للرواية التاريخية العربية، ورائدها الذي مهّد الطريق لغيره، وهو أول من أدخل هذا الفن الروائي للأدب العربي وكان السبّاق بوضع التاريخ العربي الإسلامي، في سلسلة روائية. 
نماذج روائية اخرى: 
"محمود طاهر حقي" الذي بني قصته على مأساة "دانشواي" التاريخية، بروايته "عذراء دانشواي عام 1906" 
وكتب "علي الجارم" أعمالا تاريخية محورها التعريف ببعض الشعراء العرب مثل "المعتمد بن عباد" بـ "شاعر ملك"، و"أبو فراس الحمداني" في "فارس بني حمدان"، وابن زيدون مع الولادة بن المستكفي في "هاتف من الأندلس"، و"الوليد بن يزيد" في "مرح الوليد"
كما آثر "محمد فريد أبو حديد" الكتابة في تاريخ العرب قبل الإسلام، باختيار شخصية من شخصياته ليجعلها محور رواياته، ومن أعماله الروائية المستمدة من التراث الشعبي "أبو الفوارس عنترة"، "المهلهل سيد ربيعة"، "الملك الضّليل"، مصورا البيئة المحيطة بالشخصية البطلة وصراعاتها مع الشخصيات الثانوية الأخرى، وغالبا ما تنتهي بموت البطل
ثم اقتحم "علي أحمد باكثير" التاريخ الإسلامي، لينتقي منه قضايا وموضوعات روايته "وا إسلاماه "1952، التي استمدت من تاريخ معركة "عين جالوت" مادتها، محتفيا بفكرة الجهاد في سبيل الله، مشيدا بانتصار المسلمين على التتار برواياته الكثيرة  اشهرها "سلامة القس"، و"الثائر الأحمر"
بعده جاء "محمد العريان" مدونا عهد المماليك والأيوبيين في رواياته "قطر الندى"، "شجرة الدّر"، "على باب الزويلة". 
وثم تفرد "عادل كامل" للتاريخ الفرعوني في روايته "ملك من شعاع"، حيث جعل من "أخناتون" داعية من دعاة المحبة والسلام، متأثرا بنزعة شعوبية داعية "للفرعونية"، وفصل "مصر" عن العروبة.. حيث كان سابقا بطروحاته طروحات "يوسف زيدان" الفائز بجائزة البوكر العربية عن رواية"عزازيل"..
اما "عبد المنعم محمد" كتب رواية "إزيس وأزوريس" يجول في عالم الأساطير والفنتازيا، ويذهب إلى أبعد من سابقه.
وهناك "عبد الحميد جودة السّحار" الذي مارس القص التاريخي، وأبدع بقصة "أميرة قرطبة"، التي أزاحت الغمام عن أسباب النكبات في الأندلس، وكذلك قصة "سعد بن أبي وقاص"، وغيرهما.
اما العظيم الصانع الأمهر "نجيب محفوظ" فلم يكن له هدف محدد يصبو إليه في كتابة المرويات السّردية التاريخية، فقد كان في ثلاث روايات هي "عبث الأقدار"، و"رادوبيس"، و"كفاح طبية" من التاريخ الفرعوني.
كما تقارب "نجيب الكيلاني" قرينه بقدرات فنية عالية، وتقنيات سردية حديثة، باتساع البعد المكاني لديه، حيث تطرق إلى كل البطولات التاريخية للعرب في كل أصقاع العالم الإسلامي، بسرد الفتوحات الإسلامية في آسيا كما في رواية "عذراء جاكرتا" و"ليالي تركستان".
وقد لاحظت ان "جمال الغيطاني" اعطى مفهوما جديدا للرواية التاريخية، فالرواية  عنده توهم بالإندراج في الماضي وتظل قائمة في الحاضر، بوعيه التاريخي للتقنيات السّردية الجديدة التي تحيل إلى أزمة متعددة، كما في روايته "الزيني بركات". 
مثلما شكل "أمين معلوف" لوحده علامة مهمة في الرواية التاريخية على مستوى الثقافة العربية والعالمية، وقد ألف روايات عديدة كتبها بالفرنسية: "سمرقند"، "ليون الأفريقي"، و"حدائق النور".
[1]  جورج لوكاش  (1885-1971) فيلسوف وكاتب وناقد ووزير مجري ماركسي ولد في بودابست عاصمة المجر. يعده معظم الدارسين مؤسس المدرسة النقدية امن وجهة نظر ماركسية. من اهم مؤلفاته الرواية التاريخية.
[2]  هي اجابة الفيلسوف الانكليزي "هنري مارو"
[3] Raymond Aron) فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي، ولد 14 آذار سنة 1905 في مدينة باريس وتوفي سنة 1983. ركز في فكره على نفي ما هو خارج الوجود المادي وما يقع خارج نطاق الخبرة والمعرفة، واهتم كذلك بالمجتمع الصناعي الحديث ورأى أن العامل الأساسي في حركة المجتمعات ليس هو الصراع الطبقي فحسب، بل هناك صراع النظم السياسية الذي رأى أن تأثيره أعظم بكثير من الصراع الطبقي. كما تطرق كذلك في كتاباته إلى العلاقات الدولية والتناقضات الفلسفية والنواقص في الديمقراطية الغربية.
[4] فيلسوف ألماني شهير (ولد 1770 / توفي 1831)

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي