رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 12 تشرين الثاني( نوفمبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2076

جولات التراخيص وجولات الكهرباء

علي الشرع
كلما أذكر مأساتنا مع الكهرباء تقفز الى ذهني جولات التراخيص. وكلما يُذكر النفط يذكر معه بعض النواب والأكاديميين بغضب جولات التراخيص. جولات الكهرباء لم تنتهي بعد على الرغم من مرور 15 سنة، ولم يحرك رئيس الوزراء الجديد ساكناً لأنهاء هذه البلوى، فلم يسارع الى الاجتماع بالشركات الأجنبية المتخصصة في هذا المجال لحد الان وخَفتَ حماسه كما يبدو مثلما خبا حينما اظهر تصميماً قوياً في البداية على رفض الوزير اللاحزبي ثم استوزر التابعين للأحزاب. والرجل مشغول بإرضاء مجلس النواب الذي سيكون اول من يخذله ويقف ضده عندما تصيح الصائحة في الصيف القادم. ولن يرحمه احد، ولن ينفعه أي عذر حينها من قبيل الاحتجاج بقصر المدة الزمنية حين استلامه المسؤولية التي لا تسمح بحل مشكلة مزمنة مثل هذه. وكونها مزمنة هي في الواقع تشبه اللغز، وياليت احد يتبرع ويبين لنا عن السبب الفعلي الذي حال دون حل مشكلة لكهرباء خلال هذه المدة الطويلة، هل هناك مؤامرة على الشعب العراقي لجعله يدور في دوامة، فينشغل بنفسه ولا يضايق طلاب السلطة. ولكن أيضا اذا اصبح الناس في رفاهية فسيتركون السعي وراء المناصب لهؤلاء المهووسين بالسلطة وينشغلون هم بما عندهم. 
      ان جولات الكهرباء لم تنصل الى النهاية بعد، ولكن جولات التراخيص وصلت وعبرت خط النهاية، والسؤال هو لماذا أنجزت عقود جولات التراخيص بسرعة هائلة بينما لم يلتفت احد لحل مشكلة الكهرباء بنفس السرعة؟
      قد يكون الجواب هو ان عقود جولات التراخيص متعلق بالنفط الذي هو محط انظار الدول المستوردة له، او ان أمريكا ارادت ان يقوم العراقيين باستغلال مواردهم الذاتية في تطوير اقتصادهم وتنميته بدلا من الاعتماد على المساعدات الخارجية. ومن ثم اذا أنجزت جولات التراخيص فسوف تحل بالتبعية مشكلة الكهرباء غير انها مع ذلك بقيت من دون حل لحد الان. ولكن لا يُقال ان نتائج التعاقد لحل مشكلة الكهرباء يأخذ وقتا أطول من صاحبه القطاع النفطي؛ لأننا في خضم هذه المحنة من 15 سنة وهي مدة كافية لحلها.
      ومع كل هذه الأهمية لجولات التراخيص، فأن بعض النواب -الذي يجهلون مبادى الاقتصاد فضلا عن اقتصاديات العقود (ومعهم بعض الأكاديميين) الذين يستلمون رواتبهم الضخمة من عائدات النفط المستخرج بسبب جولات التراخيص هذه بينما يحرم منها كثير من العراقيين- يهاجمون عقود جولات التراخيص، اما من اجل جذب انظار الناس لهم، فليعنون هذه الجولات ويلعنون الساعي بها والموقع عليها والمنفذ لها، ويتباكون على رهن ثروة العراق بيد الشركات الأجنبية وتبديدها وحرمان الأجيال القادمة منها، او انهم يبتغون من ذلك صرف انظار الناس عنهم كونهم يتمتعون بعائدات النفط وكثير من العراقيين محرومين منها لذا يلقون اللوم على غيرهم. 
      واللاعنون لجولات التراخيص يركزون على امرين: الامر الأول ان عقود جولات التراخيص ليست عقود خدمة بل عقود مشاركة، وان الربح الممنوح للشركات مرتفع جداً. وسأناقش هذين الامرين لكني في القوت نفسه لا ازعم ان عقود جولات التراخيص خالية من السلبيات ولا تحتاج الى إعادة صياغة. ولكن هذه السلبيات لا يتحدث عنها النواب والأكاديميين بل يركزون على الامرين السابقين، وسأوضح امراً اخر يجب ان يؤخذ بنظر الاعتبار عند إعادة التفاوض مع الشركات.
      وحتى نفهم قضية عقود جولات التراخيص لابد ان نلقي الضوء على طبيعة العلاقة بين المتعاقدين الذي يمثل طرفاها رب العمل والعامل وعلى اساسها سوف نحدد ضمن أي صنف من العقود تقع بالضبط عقود جولات التراخيص. وحتى يتوضح ذلك نجد ان هذه العلاقة التعاقدية تكون على ثلاثة اشكال تنتج منها ثلاثة أصناف من العقود:
الصنف الأول: ان رب العمل يعرض اجراً محدداً للعامل مع مراعاة كون هذا الاجر يقع فوق الحد الأدنى من الاجر الذي لن يتنازل عنه العامل مهما كانت الظروف حتى يشارك في العملية الإنتاجية. ولكن الاجر المدفوع للعامل يكون مرتبط بجهود العامل في الإنتاج، فكلما زاد الإنتاج سيزيد اجره والعكس بالعكس حتى يصل الى مستوى الحد الأدنى من الاجر، وهنا يتحمل رب العمل بمفرده جميع المخاطر المرتبطة بالإنتاج ويبقى محل الإنتاج ملك له.
الصنف الثاني: ان العامل يدفع مبلغاً محددا مقطوعاً لرب العمل بغض النظر عن حجم الإنتاج ويسمى في هذه الحالة عقد امتياز. وهنا يتحمل العامل لوحده جميع المخاطر المرتبطة بالإنتاج ولكن يبقى محل الإنتاج ملك لرب العمل.
الصنف الثالث: ان كلاهما يشاركان في تحمل المخاطر اثناء الإنتاج ويتقاسمان العائد بينهما على شكل نسبة معينة وقد يكون محل الانتاج بينهما مشترك او لا يكون. 
وكل صنف من هذه الأصناف لها عقدها الخاص. وجولات التراخيص بناء على الوصف السابق يقع ضمن الصنف الأول لا الصنف الثاني ولا الثالث. فالصنف الأول يمثل عقد الخدمة، اما الثالث فيمثل عقد المشاركة، والصنف الثاني لا وجود له في حالتنا هذه. فمن يقول ان عقود جولات التراخيص هي عقود مشاركة فهو واهم ولا دراية له. اما قضية مقدار المبلغ الذي يدفع لكل برميل وهو دولار نصف، فأن هذا المبلغ تلحقه ضرائب بمقدار 35% فالمتبقي يكون اقل من دولار واحد، ومن ثم لا يُعد الجانب العراقي مغبوناً في هذا التعاقد. نعم، ان هناك بنود أخرى خدمية في العقود لا علاقة لها بالإنتاج لابد من مراجعتها مع الشركات الأجنبية وهي المسؤولة عن تضخيم المبالغ التي تحصل عليها. كما يجب على الحكومة في حال اعادة التفاوض مع هذه الشركات ان تتفق مع الشركات على وضع حد ادنى من سعر النفط العالمي الذي دونه لن تحصل على الشركات على أي اجر كما هو حال الشرط في الصنف الأول من العقود الذي شرحناه قبل قليل.
      والحق يُقال ان الإنجاز الوحيد الذي تحقق في مجال دعم الاقتصاد هو ابرام عقود جولات التراخيص هذه والا لما استلم النواب رواتبهم.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي