رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 12 تشرين الثاني( نوفمبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2076

اشكالية عدالة التوزيع ومستوى المعيشة فـي العراق

د. احمد ابريهي علي
اعدت الكثير من الدراسات في توزيع الدخل والرفاه، واقترحت استراتيجيات لمكافحة الفقر وازالة الحرمان لا نريد الخوض فيها، بل مناقشة معايير للعدالة التوزيعية وامكانية التقارب حول توجهات في ضوء خصائص الاقتصاد العراقي. وسوف يتبين ان السياسات المتعارف عليها لتوزيع الرفاه تتطلب نضج الاقتصاد ورقيه التنظيمي. ولذا يتعين ان تهتم التنمية بإرساء المقومات الموضوعية للعدالة، كما تلح الحاجة الى البحث عن مبتكرات تناسب مرحلة الانتقال والتي قد تطول مدتها.
حول مشكلة العدالة التوزيعية ومعيارها:
تهتم فلسفة العدالة التوزيعية بالتفاوت في الثروات والمدخولات ومستويات المعيشة والرفاه بأبعاده المختلفة. ولا يكفي مبدأ تكافؤ الفرص لتبرير الاختلاف في المعيشة والرفاه، لأن افراد الناس يختلفون اساسا في الاستعداد والنشأة الاولى فمنهم ضعفاء يعجزون عن مجارات ذوي القدرات العالية في السباق المحموم على الموارد. وايضا ثمة نواقص في انظمة المجتمع والاقتصاد والسياسة لها اضرار قد تكون فادحة من المحتمل ان يتعرض لها أي انسان، ولذا لا بد من كفالة المجتمع للأفراد. وهذا لا يعني تعطيل حقوق الملكية، فقد اقرت الاديان والاعراف والقوانين الوضعية استحقاق الأشخاص لما في حوزتهم طالما كانت تلك الحيازة بالسبل المشروعة. لكن الثروة لها وظائف اجتماعية كما يخضع الانتاج واكتساب الدخل الى معيارية تعبر عنها الدساتير وقوانين الضرائب والاعانات ومختلف ضوابط التنظيم، لإدامة الكيان الاجتماعي والشراكة العادلة بين الناس في ذلك الكيان.
ويعود التفاوت اصلا الى اختلاف الأفراد في الانتفاع من فرص العمل والملكية والوصول الى المعلومات والنفوذ، وتتفاعل تلك العوامل مع آليات السوق وسياسات الحكومات لتظهر في التوزيع الأولي، الوظيفي، للدخل المولد بعملية الانتاج بين أطراف العلاقة الإنتاجية. وتحكم التوزيع الأولي آليات معقدة هي موضوع رئيسي لعلم الاقتصاد من بداية زمن الكلاسيك الى يومنا، لكن التنظير انشغل، اساسا، بتوزيع الدخل بين الأجور (تعويضات المشتغلين) والفائض (الربح والفائدة والريع) أي كيفية تقاسم الأصناف، الطبقات، الدخل المُنتج. لكن التفاوت بين الاجور لا يستهان به كما يتوزع الفائض على فئات عديدة تختلف فيما تملك. وفي العراق تشغَل انشطة الذين يعملون لحسابهم الخاص او الوحدات الفردية للنشاط حيزا مهما في القطاع الخاص وفي هذا النطاق يكون الدخل مختلطا أي لا يوزع بين الاجور والفائض.
وتركز دراسات العدالة التوزيعية على ما يصل الى الاسرة من الدخل المولد في الانتاج، والذي يكشف عن خلل النظام وخصائص الاقتصاد وآثار البطالة وعدم القدرة على كسب الدخل وعلاقة الاستهلاك بالدخل واعباء الإعالة. وبعد اضافة الاعانات واستبعاد الضرائب، وصولا الى الدخل الأسري الممكن التصرف به، تسمى هذه المرحلة التوزيع الثاني للدخل، وهي مدار العدالة التوزيعية. ويعكس اختلاف التوزيع الثاني عن الأولي مدى عناية المجتمع ودولته بالإنسان، وبالأخص عند الاهتمام بالمدى الاوسع للمعيشة والرفاه في السكن والبيئة السكنية والخدمات العامة الاساسية والأمن والجوانب الأخرى اضافة على الدخل والاستهلاك.
وعادة ما يتخذ مبدأ المساواة التامة بين الناس نقطة الانطلاق، وتشترك مقاييس التوزيع في مدى ابتعاد الواقع الفعلي عن المساواة التامة. وثمة تحفظات على اطروحة التوزيع المتساوي من جهة تباين الناس في الاستعداد لبذل الجهد وتحمل المشاق من اجل الكسب، ولذا فإن المساواة التامة، في مرحلة التطور المعاصرة للبشرية، قد تؤدي الى تثبيط الهمم فينخفض مجموع الناتج. ولذا يمكن قبول مقدار من عدم المساواة طالما يؤدي الى الازدهار الاقتصادي ولا يلحق ضررا بالفئات الأضعف في المجتمع. وقد عبّر جون راولز، الأمريكي المعروف في الفلسفة السياسية، عن هذا الفهم واسماه مبدأ الفرق او الاختلاف. واقترح امارتيا سن، مقاربة الكفاية الوظيفية ومفادها ضمان حد ادنى من الموارد لكل انسان لمزاولة الحياة الكريمة: التعلم؛ وتكوين اسرة؛...؛ ثم شيخوخة مريحة. ومن زاوية اخرى ينظر الى العدالة التوزيعية بالانسجام مع لوائح حقوق الأنسان والتي لا يمكن التمتع بها إلا مع موارد كافية، لأن الفقر يعيق الحرية ويمنع الفقير من مزاولة العضوية الطبيعية في المجتمع ويتعارض مع المساواة بين الناس في حق الحياة واستحقاق الكرامة. وثمة ارتباط بين المكانة والنفوذ السياسي والثروة، ولذا فإن التفاوت الحاد يتعارض، فعليا، مع المساواة في الحقوق السياسية إذ يتضاءل دور محدودي الدخل والضعفاء في الفضاء العام وصناعة الحياة المشتركة.وتوجد كثرة من المقاربات الفلسفية والاخلاقية للعدالة التوزيعية، لا تتسع لها هذه المقالة، ولا توجد منظومة فكرية، هذا الزمن، تتنكر لوجوب، او على الاقل استحسان، اتخاذ ما يكفي من التدابير لتجنب تعرض الناس للحرمان وهو ما عليه كل الدول المتقدمة بغض النظر عن ايديولوجيات الاحزاب الحاكمة، وما تقره ايضا جميع البلدان النامية. ولقد شجع الاسلام الإنفاق بسخاء للفقير والمعسر، والإقراض غير الربوي للتيسير، اضافة على الحقوق الشرعية المعلومة في الأموال، ونهى عن الشراهة في مكاثرة الثروات واكتنازها وعدم انفاقها في سبل الخير، ومن غير المقبول في الاسلام ان يبات الأنسان شبعانا وجاره جائع. وكذلك الاديان الأخرى والأخلاق السائدة، ويتعاطف الانسان السوي مع المعذب المحروم ويتألم لأجله.
ويضيف المورد النفطي ابعادا اخرى الى اشكالية العدالة التوزيعية كونه لكل الشعب دون تمييز بمعنى تساوي العراقيين، بصرف النظر عن دورهم الإنتاجي، في الانتفاع منه. ولأن المورد النفطي جزء كبير من الدخل الوطني فلو جرى التصرف به استنادا الى هذا المبدأ الدستوري ينتفي احتمال الفقر اصلا دون سياسات اضافية.
يشترك الناس في فطرة الاحساس بالعدالة وهي منبع الفلسفات الاخلاقية، ومنها العدالة التوزيعية، والميل للتقارب من ضرورات الاجتماع الانساني والاستقرار وما أحوجنا اليه في العراق لا سيما في مسائل العدالة الاجتماعية عموما والتوزيعية على نحو أخص.
دخل ومعيشة الأسرة العراقية:
ارتبطت تغيرات مستوى المعيشة بتحولات المورد النفطي وخاصة اتفاقية مناصفة الارباح مع شركات النفط الأجنبية عام 1952، وتأميم النفط وتغير اسعاره مطلع السبعينات.
واظهر مسح دخل وانفاق الاسرة لعامي 1971 – 1972 ان متوسط انفاق الفرد السنوي 80 دينار تقريبا، وفي عام 1976 ارتفع الى 157 دينار، وفي عام 1979 بلغ 235 دينار. بمعنى ان متوسط الاستهلاك ارتفع الى 294 بالمائة عام 1979 مما كان عليه عام 1972 بالأسعار الجارية، وعند استبعاد التضخم تبقى الزيادة الحقيقية بحوالي 50 بالمائة بين ماقبل التأميم ونهاية السبعينات. وبالمتوسط للسنتين 1984 -1985 وصل استهلاك الفرد الى 520 دينار، أي ان السياسة الحكومية تعمّدت استرضاء الاسرة العراقية رغم تراجع ايراد النفط والاقتراض من الخارج، بينما في عام 1988، وعند الاصطدام بقيد الموارد، كان متوسط استهلاك الفرد 656 دينار بالأسعار الجارية، وبالقيمة الحقيقية بنفس مستوى عام 1979 عند اعتماد الرقم القياسي لأسعار المستهلك، وقد تكون ادنى عند الاخذ بالاعتبار مشكلة الازدواج السعري.
ومن المؤشرات الدالة على انخفاض مستوى المعيشة نهاية حرب الثمانينات ان نسبة الاجور والرواتب من مجموع الدخل الاسري كانت 45 بالمائة عام 1979 هبطت الى 24 بالمائة عام 1988. ويفسر هذا النمط من التحول بعلاقة الاسعار مع الدخل. ّإذ تنتفع انشطة الانتاج، الزراعي والصناعي والتجارة والنقل والخدمات غير الحكومية، من حركة المستوى العام للأسعار ويبقى اثر التضخم محايدا بالمتوسط مع تفاوت تبعا للوفرة والشحة النسبيتين. اما الرواتب وخاصة الحكومية، واصناف اخرى من الدخل مثل الايجارات فتبقى، على الاكثر، ثابتة او تتحرك ببطء فتنخفض قوتها الشرائية واهميتها النسبية في حياة القطاع الاسري.
واستمر اتجاه انخفاض القوة الشرائية للرواتب واهميتها من مجموع الدخل في سنوات الحصار والتي شهدت تفاوتا حادا في توزيع الدخل والثروة. ومنذ عام 2003 استعاد العراق نمط التوسع الاستهلاكي، وتنامي الدخل الأسري، بوتيرة عالية وتنوعت سلة الاستهلاك وثقل المستوردات فيها. لكن العراق شهد في السبعينات جهدا تنمويا مع اختناقات كانت واضحة في تنافس المشاريع على امكانات تنفيذ محدودة وشحة المواد الانشائية وزحام الطرق وما الى ذلك. بينما بعد عام 2003 كانت التنمية الصناعية والزراعية بطيئة ومتعثرة وتوسعت قطاعات التجارة الداخلية والنقل والخدمات السياحية وغيرها وتعمّق الاختلال في بنية الانتاج.
ويكشف المتغير الديموغرافي عن حقائق كبيرة إذ ارتفع حجم السكان الى ثلاثة امثال ما كان عليه عام 1980، ويمكن ملاحظة ان متوسط صادرات النفط للفرد عام 2018 حوالي ثلث ما كانت عليه بداية عام 1980، وعند تحويل اسعار النفط آنذاك الى قوتها الشرائية بدولارات 2018 يتضح ان متوسط الدخل النفطي للفرد في العراق ايضا يقارب ثلث مستواه آنذاك. لكن مستوى المعيشة بدلالة حجم الاستهلاك للأسرة اعلى من مؤشرات عام 1979، الآنفة، بفارق واضح، لأن اغلب موارد النفط اخذت طريقها للقطاع الاسري بشكل او بآخر. فلقد ادت سياسة الدولة بعد عام 2003، لتخفيف ضغوط البيئة السياسية العنيفة والتوافق والاسترضاء، الى استيعاب جزء كبير من الموارد البشرية في اجهزة الدولة، وارتفعت نسبتهم من مجموع السكان الى أكثر من ضعف ما كانت عليه نهاية الثمانينات من القرن الماضي. وهذا من جملة اسباب غلبة الطابع الاستهلاكي على اقتصاد العراق بعد عام 2003. ولقد تزايد دور الدخل من المصدر الحكومي في حياة الاسرة العراقية كثيرا، تبعا لما تقدم، رغم الانحسار النسبي للقطاع الاقتصادي العام من غير النفط الخام. ولذا أصبح الدخل المكتسب من الدولة له دور كبير في توزيع الدخل الأسري والرفاه الاستهلاكي.
يتبع..
عن مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي