رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 12 تشرين الثاني( نوفمبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2076

البصرة وتمثيلها الحكومي

عبدالعظيم البدران

ثمة اعتراضات عديدة أثارها أعضاء مجلس النواب عن محافظة البصرة، تتعلق بتشكيلة السيد عادل عبد المهدي الوزارية وخلوها من وزراء عن محافظة البصرة، وصل بعضها الى التهديد بتعليق العضوية النيابية ومقاطعة الحكومة، وما الى ذلك. وموضوع وإثارة كهذا لا شك على قدر عال من الاهمية التي قد تساهم في كسب الشارع البصري وتحريك العواطف ازاء الحكومة الجديدة، الامر الذي يسهم في تكوين رؤية سلبية تستبق اداء الحكومة وفاعلياتها، وهو ما يؤشر اول الامر ان الاثارات تلك وان انطلقت من اثارة قد تلامس الحقائق في وجه صحة المعلومة، لكنها من حيث التبعات لا تقترب من المنطق في شيء، ما يحيل الشكوك الى كونها اثارات سياسية اكثر منها واقعية تلامس عمق المعاناة وحجم المأساة التي تعيشها البصرة.
بعيدا عن الاسناد القانونية للاثارات وما يستتبع ذلك من تكريس لمبدأ لا يناسب توجه الدستور وطبيعته، او التفسيرات غير المنطقية لمبادئ التوازن والتمثيل العادل وما الى ذلك، من كونها ادوات للتعبير عن التمثيل النيابي وانعكاس المعاناة في قنواتها القانونية والديمقراطية، وصولا الى طاولة الادارة التنفيذية وترجمة ما ترنو اليه القطاعات الممثلة من رغبات ومشاكل الى حلول وسياسات تكون تحت الضغط النيابي محط اهتمام الساسة ورعايتهم! 
فالامر ببساطة واضح من حيث الرؤية الدستورية غير ان المبهم فيه هو الاصرار على تفسيرات غير منطقية، تهمل المتحقق والمنجز وتلتزم الشعار والعناوين العريضة وحسب.
تاريخيا، لا يبدو ثمة غبار على تجربة البصرة ازاء المسؤولين البصريين في الحكومات المتعاقبة سواء قبل 2003 او بعد ذلك، والابرز في تلك التجربة التي تضم العديد من الارقام التي تصل الى ارفع المناصب، ماذا قدمت تلك الارقام للبصرة وماذا يمكن ان تقدم؟
المسألة لا تندرج في اطار ما يمكن ان يقدمه الافراد مع التحفظ على جملة من الاداء المتعثر والمخجل احيانا، لكنها تعني في سياق اخر، عجز الانظمة والسياقات الدستورية التي تقع على عاتق الجهد النيابي الذي يتبنى اليوم وقفة الاحتجاج تلك، في سن ما يمكن ان يفعل دور المحافظة الغائب او المغيب ان صح الوصف؛ فالبصرة لا يعوزها وزراء يخترعون حكايات واقاويل من الخيال العلمي او مشاريع لا أمل في ان تتحقق حتى في الاحلام، بقدر ما يعوزها الاداء الحقيقي الكامل للدور النيابي والتنفيذي في بلورة الاطر التي تنتشل الواقع المخجل الذي يعيشه ابناؤها!
في منتصف القرن الماضي اثبتت تجربة الشاوي مدير مصلحة الموانئ ان الفوارق والانتماء الجغرافي لا علاقة له بقدر الاداء، ومثل ذلك الكثير ممن استطاع ان يقدم للمدينة خدمات دون ان ينتمي الى الاطار الجغرافي، لكن قصة الانتماء وحدها تبدو قفزا على جزء المعاناة الاكبر في تعثر الاداء السياسي، وما افرزه من نماذج تنفيذية مخجلة وغير كفوءة، وتحريف الرؤى عن واقع المأساة بالشكل الذي يساهم في اعادة تدوير الوجوه العاثرة ومن ثم انتاجها تحت عناوين تقصير المركز المقصر بالفعل.
التقصير سواء في عمل المركز او الادارة التنفيذية على وجه الخصوص ووصولا الى ما وصل اليه الحال لم يكن وليد لحظة الحكومة حديثة المولد، بل هو نتاج ادارات سابقة كانت البصرة ممثلة فيها بأحسن تمثيل سواء على المستوى الاداري او النيابي، فلماذا وصل الحال الى ما وصل اليه اليوم؟ 
المشكلة في البصرة لا شك تكمن في تحديد اولوليات ما تريده المحافظة على المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي حتى، وما تطمح اليه في هذا السياق، ومن ثم انتداب من يمثل تلك المطامح بشكلها الواقعي على ان يتملك حسا فعليا بالمعاناة، ليفتح بعد ذلك حوارا جادا مصيريا حول تحقيق تلك الاهداف ومستقبل العلاقة بين البصرة والمركز. ومهمة كتلك لا تحتاج الى تمثيل وزاري بقدر ما تحتاج الى توجه حقيقي بالمعاناة. وخلاف ذلك، لا تعدو الاثارات اكثر منها زوبعة سياسية تنطلق من افلاس البعض من مواقع معينة عنوانها العريض "البصرة وخدمة البصرة".

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي