رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 17 كانون الاول (ديسمبر) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2099

بصية.. ناحية بيضاء يسكنها مكونان بجسد واحد

بغداد – العالم
بصية ناحية تغفو في أحضان صحراء البادية الجنوبية للعراق، عرفت بالكرم للحدّ الذي حرّمت على نفسها فتح أي مقهى أو مطعم فمنازلها كفيلة بذلك وتحتفظ بالتقاليد والعادات البدوية حتى اليوم.
ناحية صغيرة عشقت السلام للحد الذي دفع السنة الذين يشكلون 75 في المئة من أهالي الناحية الى انتخاب شيعة لعضوية المجلس البلدي. أما الشيعة فقد انتخبوا سنة لإدارة المجلس ويعيش المكونان كجسد واحد لم تغيّرهم الأوضاع التي مرّ بها العراق منذ إسقاط النظام السابق بل زادتهم محبة وتآخياً، الأمر الذي جعلهم يرفضون تداول كلمة شيعة وسنة.
تأسست ناحية بصية سنة 1920 وتبعد 240 كلم جنوب محافظة المثنى بناها الجنرال البريطاني جون كلوب الملقب بـ"كلوب باشا" وتم إنشاء مركز شرطة لحماية القبائل العربية الساكنة في الناحية من هجمات القبائل النجدية القادمة من السعودية آنذاك لكن هذا المركز لم يتبق منه سوى الأطلال.
يغلب على المكان الطابع البدوي بسبب وقوعها في عمق البادية، وتفتقر الى وجود طرق معبدة تربطها بالمدن المجاورة.
يقول توفيق جابر مدير الناحية إن "أكثر من 2200 نسمة من الأهالي يسكنون في مركز الناحية أما في ضواحيها وباديتها فيسكن نحو خمسة آلاف نسمة معظمهم من البدو الرحل".
بقايا آليات الجيش العراقي التي دمرتها الحرب العراقية الأميركية عام 1991 تتخذ من الوديان وبعض التلال مقرا في بصية مكانا لها، ويبتعد الأهالي عن تلك الآليات بسبب وجود آلاف الألغام والصواريخ غير المنفجرة والمنتشرة قربها.
يؤكد جابر انه "عام 1991 غزت قوات التحالف الدولي الناحية بسبب تواجد القوات العراقية فيها اذ ألقيت آلاف الأطنان من المقذوفات الحربية نتج عنها تلوث بيئي راح ضحيته اكثر من 1500 شخص بين قتيل وجريح غالبيتهم من الأطفال".
ويقول ان "منظمة نرويجية قامت مؤخرا بتدريب بعض الكوادر من أهالي الناحية على كيفية تحديد مواقع تواجد الألغام ورفعها كما الفرقة الزلزالية الثالثة وهي فرقة استكشافية تقوم بمسح شامل للمنطقة لموارد وخيرات الناحية اذ اكتشف مؤخرا العشرات من حقول النفط الخام".
احمد حمدان جبر رئيس المجلس البلدي في ناحية بصية يقول إن "أهالي الناحية يعيشون كالجسد الواحد لم يتأثروا بما حدث في العديد من مناطق العراق من طائفية أو نزاعات مسلحة كما يمتهن السكان تربية الأغنام والإبل وكذلك الزراعة وبعضهم يعمل في وظائف حكومية".
لهجة أهالي بصية وعاداتهم وتقاليدهم الاجتماعية مكتسبة من منطقة الخليج العربي إذ تعد بادية العراق الجنوبية امتدادا طبيعيا للجزيرة العربية وهم بذلك يتميزون بلكنة خليجية تختلف عن كل اللهجات العراقية المحلية لقربها من السعودية والكويت فضلا عن ان هناك زيارات موسمية لهواة الصيد من الخليجيين الى المنطقة.
لم تكن المنطقة معروفة لوسائل الإعلام قبل حادثة اختطاف مجموعة من القطريين الذين كانوا يصطادون في الناحية ويخيمون في المكان من قبل قوة مسلحة كبيرة تستقل نحو 70 مركبة رباعية الدفع دخلت بعد منتصف الليل إلى بادية السماوة وبالتحديد في منطقة الحنية قرب الناحية.
ابو سجاد رجل مسن يقطن الناحية منذ ولادته يجلس الكثير من الأهالي بقربه من اجل سماع الحكايات القديمة والتاريخية عن القبائل والحروب والنزاعات في المكان، يقول "ما زالت البادية الجنوبية في العراق محط انظار كل هواة صيد الطيور من دول الخليج العربي وفي موسم الشتاء يتكاثر الصيادون بسبب هجرة الطيور النادرة الى العراق ومنها طيور الحباري والقطا والسمان والبط البري والأرنب البري ليصطادوا بواسطة صقور الصيد المدربة".المخفر العسكري الذي يتوسط الناحية لم يتبق منه سوى أطلال وحصن آيل للسقوط، الجميع يهتم بهذا المخفر الذي بناه الجنرال الانكليزي جون كلوب عام 1920 ويعد ذكرى تجسد "بطولات الأجداد والآباء" حينما تصدوا الى آخر الغزوات السعودية عام 1959 وكذلك التصدي الى القوات الأميركية عام 1991.
شرطة بصية الحاليون هم امتداد لأسلافهم القدامى الملقبين سابقا بـ"الهجانة"، ويقول ابو كريم احد عناصر الشرطة "كلما مررت بجانب هذا المخفر أتذكر بطولات أجدادي لهذا ازداد فخرا والتزاما بواجبي وفي جميع الأحوال يتم حل المشكلات بتدخل الوجهاء بالتراضي لذلك تسمى الناحية البيضاء".

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي