رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 17 كانون الاول (ديسمبر) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2099

تخادم سياسي

 

مصطفى عبادة

قبل 15 عاما، بدأت الطبقة السياسية، تشكل لها شعْباً. وأخذت تصنع منه وجوهاً، تعمل على تكرار نفسها: الخطاب نفسه. القضايا ذاتها. وإذاعة مقترحات متطابقة أيضا. لا شيء منها يتناسب مع ما يطمح اليه الجمهور، الذي يغاظ ويسخط من وقت الى آخر، من غير أن يحصل على ثمرة. هؤلاء الساخطون، لهم أعدادهم، وأنا أحدهم. إنهم يريدون التغيير، بينما الجبهة المضادة لا تساعدهم على ذلك.

يحاول القائمون على السلطة، اليوم، إغواء بعضٍ من الساخطين، وهي تنجح، لتجعل من هؤلاء واجهة سعيدة لها، وفخاً لجذب المزيد، بعد إقناعها في الدخول الى خندق "التخادم السياسي".

إن خطوة ابتلاع الساخطين، للأسف، صارت تتم في أجواء ودية. حيث تمكنت من استمالة أبرز الزعماء الشعبويين، المطالبين، حتى اللحظة، باصلاح الوضع. إنما هذه آلة بطش منظمة. محاولة لـ"تدجين" الشعب، قبل أن تنتهي الحكومة الجديدة الى التحدث باسمه، بكل صفاقة.

في السنوات الثلاث الاخيرة، طُرح كثيرٌ من أوراق الإصلاح من جانب السُلط التنفيذية والتشريعية والقوى السياسية، كحزم العبادي الاصلاحية، ومشروع الصدر الاصلاحي، ومبادرتي الحكيم والخزعلي. كلها في العام 2016. وليس أخيرا، وثيقة الاصلاح التي وقعت بين زعماء القوى السياسية في 11 أيار من العام ذاته. ماذا هذا يعكس ذلك؟ بالتأكيد، انه اتفاق كلي على الاصلاح، لكنه كان دعائيا، وليس حقيقة.

الحديث عن الاصلاح يتواصل. بينما البيروقراطية ـ التي تتبناها الديمقراطية الناشئة بالعراق ـ تغذي تبادل الادوار مع الفساد. تقول (حنا ارندت) ان البيروقراطية هي سلطة الهيمنة غير المعروفة. هي السلطة الكبيرة. انها سلطة تصل أحيانا إلى ان تكون اكثر سوءا من اكثر الدكتاتوريات، وهذا ايضا الذي نعيش فيه. أغلبنا صار يترحم لنظام صدام حسين، قبل العام 2003.

هذه السنوات الخمسة عشر، ربما صنعت طرازا بشريا، يُشبه تماما ما اسماه نيتشه "الانسان الاخير". إنه أكثر الناس حقارة. لا يقبل بالانقراض، بل هو الأطول عمرا. إنه إنسان راض عن نفسه تماما. هو غير قادر على تقييم نفسه أصلا، لكنه يعتقد انه يقدم الافضل للناس. هذا يتطابق تماما مع ما نقرأه أو نسمعه يوميا من بيانات أو تصريحات لرجالات السياسة وأحزابها.

يجب التخلص مما تبتدعه الأحزاب الحاكمة، التي تتصدى للحكم في الدولة، من أوهام وخرافات سياسية, وأحكام اجتماعية تجعل منا عبيدا دون أن ندرك.

أخيرا، ما يعزز فينا الأمل، هو أن تلك الأحزاب ـ بإسرافها وشططها ـ لن تكون مستقبلا، قادرة على البقاء والديمومة، مع تفاقم عدم المساواة وتردي الخدمات مقابل الزيادة السكانية. هذا يدعونا الى التفاعل، أملا في النهضة، وإعادة اكتشاف الوطن من جديد.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي