رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 9 كانون الاول (ديسمبر) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2093

رواية كولاج.. رفض عودة الأقدام السوداء والاحتفاء بسحر الخط العربي

 قراءة/ سماح عادل 
رواية “كولاج” للكاتب الجزائري أحمد عبد الكريم تتناول، في قصة مشوقة، جمال الخط العربي وسحره، ونبذة عن حياة الخطاط والوزير ابن مقلة، كما تمتليء الرواية بخصوصية جزائرية من لغة ووصف لأماكن داخل الجزائر.
الشخصيات..
البطل: علي الجنوي، فنان تشكيلي في الخمسين من عمره، يعمل في مدينة سطيف في مدرسة الفنون الجميلة هربا من العاصمة ومن ملاحقات المتشددين دينيا للمثقفين والمبدعين، بعد أن تغرب سنوات خارج الجزائر وتزوج من تلميذة لديه وأنجب منها طفلتان، يفاجيء بتورطه في جريمة سرقة لأحد المخطوطات الأثرية اتهم فيها صديق له.
عابد الجيلاني: صديق البطل، درسا معا في كلية الفنون الجميلة في الجزائر وفي موسكو لكن “عابد” لم يأخذ شهادته في الإخراج السينمائي بسبب خلاف مع الأساتذة، وسافر إلى فرنسا هربا من الفقر ورغبة في تحقيق حلمه في الاخراج السينمائي، لكنه لن يحقق شيئا حتى بعد مرور 20 سنة له في فرنسا، تزوج من صديقته الأوكرانية بعد ما عاش معها سنوات طويلة حين أتم الخمسين من عمره، وسيتهم بسرقة مخطوطة ثمينة لابن مقلة في متحف بتركيا، ولوحة “زهرة الخشخاش” لفان جوخ من معرض محمود خليل بمصر.
المحقق نافري: محقق فرنسي يتولي عمل تحقيق عن “عابد الجيلاني” باعتباره المتهم في سرقة مخطوطة ابن مقلة، لكن سيتبين فيما بعد أنه أتى إلى الجزائر لغرض آخر، وأن مهمة عمل تحقيق عن “عابد الجيلاني” والدوافع وراء سرقة معاهدة بين البيزنطيين والخليفة العباسي التي كتبت بخط ابن مقلة كانت ستارا وراء هدفه الحقيقي من المجيء إلى الجزائر.
الضابط محمود: ضابط كان يتولى حماية “المحقق نافري” وتسهيل مهمته لكنه سيتأذى في عمله حين يكتشف أن “نافري” جاء لزيارة بيته القديم الذي كان يملكه أجداده، الذين كانوا ينتموا للاحتلال الفرنسي في ذلك الوقت، وطردوا بعد الاستقلال ويسمون بالأقدام السوداء في الجزائر.
زينب العارم: سيدة على مشارف الخمسين، ابنة لسيدة فقيرة كانت تعمل خادمة في بيت عائلة “نافرى” في الأغواط، وقامت بين ابن العائلة والد “المحقق نافري” علاقة مع أم “زينب”، كانت نتيجتها “زينب” التي هي ابنه والد “نافري” واخته غير الشقيقة، وحاول والد “نفري” التكفير عن فعلته لكنه كان ممنوعا من دخول الجزائر، وأوصى ابنه أن يذهب إلى هناك، وكان المحقق “نافري” ينفذ وصية اباه المتوفى، “زينب” سيدة متعلمة تعمل أستاذة بالجامعة ومتفوقة في مجالها، تعبت أمها كثيرا لكي تربيها لكن أخاها غير الشقيق، من زوج أمها الذي تزوجته بعد سفر والد “نافري” سلفي، وكان يضايقها وثار غضبه حين عرف بزيارة “نافري” إلى بيت “زينب” وهدد بقتله.
سعد السماوي: فنان تشكيلي عراقي، زميل ل”علي الجنوي” و”عابد الجيلاني”، سيكون له دور في نهاية الرواية حين يتكشف على يديه اللغز.
الراوي..
الراوي عليم، يحكي منذ البداية عن “علي” بضمير الغائب، ويتتبعه في جميع الأحداث، لكن يتدخل ليحكي عن “زينب” وعن قصة حياتها منذ البداية ويحكي عن “عابد الجيلاني” أيضا، ويستعين في الحكي عن “عابد” بمفكرة له ليتتبع زيارته للعراق بحثا عن أي أثر لابن مقلة، لكن في المجمل يحكي الراوي من خلال وجهة نظر “علي” ويرصد انفعالاته وأحاسيسه الداخلية.
السرد..
يعتمد السرد بشكل أساسي على التشويق، حيث تبدأ الرواية بداية أقرب إلى الروايات البوليسية لكن يكتشف في النهاية أنها ليست رواية بوليسية، تمتد الرواية في حوالي 150 صفحة من القطع المتوسط، وتحتفي بابن مقلة الخطاط والوزير الشهير لكنها ترصد بعض الأمور الخاصة بالجزائر، وستكون النهاية حل للغز، لكنه في رأيي كقارئة غير كافي لأني كنت انتظر كشفا أكبر عن ما فعله عابد الجيلاني ودوافعه لذلك.
الخط العربي وسحره..
تحتفي الرواية بسحر الخط العربي، وتحكي عن ابن مقلة الذي طور رسم الخط العربي من الخط الكوفي الجاف إلى خطوط رائعة وساحرة تتخذ من الدائرة أساسا لها وتعتبر الألف مكونا هاما في الخطوط، وتبين الرواية أن هذا الشغف الكبير برسم الخط العربي الذي اتسمت به الحضارة الاسلامية نتيجة لمنع التصوير أو النحت، مما أعطى مساحة كبيرة للمبدعين في هذه الفترة في ممارسة مواهبهم وإبداعهم في رسم الخط العربي، كما ترصد سيرة ابن مقلة التي كانت حياته مأساوية نتيجة ارتباطه بالسياسية وعمله كوزير لثلاثة من الخلفاء، فقط قطعت يده ورميت في نهر دجلة في العراق كما قطع لسانه ومات في السجن، مما يشي بوحشية التعامل في تلك الفترة الهامة من تاريخ الحضارة الإسلامية.
رفض عودة الأقدام السوداء..
كما ترصد الرواية رد فعل الجزائريين الغاضب والساخط على مجيء أبناء من اسموهم بـ”الأقدام السوداء” أي أبناء المستعمرين الذين عاشوا في الجزائر وقت استعمار فرنسا لها، وهربوا فور إعلان الاستقلال، وكيف أن هناك عداء كبيرا لكل من ينتمي لهؤلاء الذين عاشوا أو ولدوا في الجزائر وعاشوا نعيما وقت أن كانت مستعمرة فرنسية، فالمحقق “نافري” وجد صعوبة شديدة في الذهاب إلى الجزائر ورؤية منزل عائلته هناك في الأغواط، وابيه من قبله منع من زيارة الجزائر طوال حياته، رغم حنينه الشديد للبلد الذي تربي فيها طفلا، لذا لجأ المحقق “نافري” إلى حيلة لكي يزور بيت عائلته ويتواصل مع أخته “زينب” وينفذ وصية والده بأن يوصل رسالة منه إلى “العارم” أم “زينب”، وكانت الحيلة هي ذهابه إلى الجزائر بوصفه محققا صحفيا عن جريمة سرقة مخطوطة ابن مقلة التي كتبت فيها معاهدة بين البيزنطيين والخليفة العباسي.
كما أشار الراوي و”نافري” أيضا إلى المغزي السياسي وراء سرقة تلك المعاهدة، والتي ربما كان وراء سرقتها تنظيم القاعدة الذي انتمى إليه “عابد الجيلاني” وهذا المغزى هو إلغاء المعاهدة بين العرب والغربيين أحفاد البيزنطيين، بما يؤذن بإعلان حرب جديدة تشنها تلك التنظيمات المتشددة دينيا على الغرب، لكن يعاب على الرواية أنها لم تكشف سر ذلك اللغز، وأبقته غامضا ولم تكشف دوافع “عابد الجيلاني” الحقيقية وراء سرقة تلك المعاهدة، مع وجود إشارت عن أنه أصبح ملتزما دينيا وأنه في نهاية الرواية ألصق هذه المخطوطة، التي يشك أصلا في كونها أصلية على لوحة كان أهداها له “علي”، وأرسلها إليه من خلال صديقهما الثالث العراقي “سعد السماوي”.
الرواية تتميز أيضا بأنها تعكس خصوصية جزائرية، فهي تحكي عن الصحراء في الجزائر وتصفها بدقة، تلك المدن الصحراوية التي يعاني أهلها العوز في حين تحتل الشركات العالمية حق استخراج البترول والثروات منها، ويحتل بعض أغنياء الخليج حق الاستمتاع بجمالها في حين أن سكانها الحقيقيين لا يتمتعون بها وبخيراتها ولا يجدون سوى العوز والفقر، كما تحكي عن التشدد الديني في الجزائر والذي بلغ أوجه في التسعينات حاصدا أرواح كثير من المثقفين والكتاب والمبدعين، والذي لا مازال موجودا وبقوة متمثلا في أخو “زينب” السلفي الذي يضيق عليها ويقمعها رغم كونها تحسن إليه ولعائلته، وكون أباه لم يهتم بها إطلاقا ولم يعتبرها ابنته، فالتشدد الديني موجود في الجزائر ويحد من حرية الكثيرين.
الرواية..
فازت رواية “كولاج” للكاتب الجزائري “أحمد عبد الكريم”، بجائزة  المرتبة الأولى لمسابقة “الجزائر تقرأ” للإبداع الروائي مؤخرا.
الكاتب..
“أحمد عبد الكريم” شاعر وروائي وكاتب جزائري مهتم بالنقد التشكيلي،  من مواليد 16 أوت 1965 بالهامل المشهورة بزاويتها وبكونها مركز إشعاع ديني وصوفي. وهو أستاذ للتربية التشكلية منذ عام 1987، وحاصل على ليسانس علوم الإعلام والاتصال من جامعة المسيلة 2010، وماستر علوم الإعلام والاتصال سمعي بصري من جامعة الجلفة 2014. صحفي متعاون مع القسم الثقافي لجريدة الفجر. حاصل على العديد من الجوائز مثل: جائزة محمد العيد آل خليفة بين عامي 1986و 1999.
* كولاج (رواية) منشورات دار الجزائر تقرأ 2018م (جائزة الجزائر تقرأ للابداع الروائي).

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي