رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 9 كانون الاول (ديسمبر) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2093

مساحة مشتركة (١)

محمد عبد الجبار الشبوط

الانفتاح على الكتب المقدسة لاهل الاديان، التوارة والانجيل والقران وكنز اربا والاناجيل المنحولة وغيرها، وكذلك كتابات المفكرين والفلاسفة الكبار في تاريخ البشرية امثال افلاطون وارسطو وابن رشد وديكارت ولوك وجان جاك روسو وفولتير ومونتسكيو وماركس وصولا الى راولز في العصر الحديث، هذا الانفتاح والاطلاع والتفاعل  يساعد على التعرف على الناس والتعارف والتعايش بينهم. وهذا من مظاهر المجتمع الحضاري الذي يرفض الانغلاق والتعصب وفوبيا الاخر.
كما ان انفتاح المؤمنين وغير المؤمنين على هذه الكتب والكتابات يُخرج الناس من سجون الثنائيات (مؤمن وكافر، ديني وعلماني، شرقي وغربي.. الخ) المقيتة ويفتح امامهم مساحات التقاء وتشارك واسعة رحبة، ما دامت الهموم الانسانية واحدة وطموحاتها مشتركة ومصالحها متداخلة.
كل ذلك مشروط بالنظرة الانسانية للدين، وبانسنة الدين نفسه، وليس على طريقة دين داعش الذي يقول: (بعثت بالسيف رحمة للعالمين).
وايضا مشروط بالنظرة العلمية والموضوعية الى ما انتجه مفكرو الانسانية من فكر وعلم.
من هذا المنطلق، استشهد احيانا بايات من القران الكريم وغيره من الكتب المقدسة لازالة الحساسية التي قد توجد عن بعض الناس من النصوص الدينية. كما استشهد بكتابات مفكرين ليسوا من المعسكر الديني. فلا يشترط فيك ان تكون مؤمنا حتى تقرا نصا دينيا او تتقبل نصا دينيا يطرح مسالة انسانية. فهذه ليست دعوة لان تكون متدينا بالاسلام او اليهودية او المسيحية او المندائية او غيرها من الاديان، فلا اكراه في الدين، وانما هي دعوة الى ان تشارك غيرك ممن يؤمنون او يقرأون هذه الكتب، فتتقارب الثقافات والاديان والافكار بطرق شتى.
القران على سبيل المثال خاطب الناس بعنوانهم المجرد ٢٠ مرة في ايات ذات مقاصد شتى قائلا:"يا ايها الناس". وهذا الخطاب لا يشترط فيه التدين ولا موقفا محددا من الدين.
وفي موضعين، احال القران "اقامة القسط" و ظهور الفساد" الى الناس.
ففي المرة الاولى في سورة الحديد الاية ٢٥ قال: "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ".
وفي المرة الثانية في سورة الروم الاية ٤١ قال:"ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ".
وفي المرتين لا يوجد هناك مانع من ان نستنتج ان الناس، بعنوانهم العام، يتحملون مسؤولية اقامة العدل والقسط في مجتمعاتهم وبلدانهم، كما يتحملون مسؤولية ظهور الفساد في هذه المجتمعات.
ولهذا يمكننا القول ان عمليات الاصلاح بوجهيها: اقامة العدل ومحاربة الفساد يجب ان تنطلق من الناس وبالناس. فالناس هم الذين يصلحون حالهم ويقيمون العدل والقسط، وهم الذين يفسدون حالهم اذا فسدوا. النداء يجب ان يتوجه الى الناس، فان استجابوا صلحت احوالهم وان تخلفوا عن الاستجابة فسدت اوضاعهم وتعذر اصلاحها. 
ونجد في المرات العشرين التي خاطب فيها القران الناس التفاتات رائعة في اقامة المجتمع الحضاري. 
ومن هذا الالتفاتات ما جاء في القران في سورة البقرة الاية ٢١:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ".
والله هو المثل الاعلى، والمقصود من عبادته العمل على تجسيد صفاته في الحياة اليومية، مثل العلم والرحمة والعدل والقوة والعلم الخ.
ومنها ما جاء في سورة البقرة ايضا الاية ١٦٨:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلًا طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ."
وهذه اشارة مباشرة الى المركب الحضاري وعناصره الخمسة وهي: الانسان والارض والزمن والعلم والعمل وحث على استثمار خيرات الارض.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي