رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 9 كانون الاول (ديسمبر) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2093

في رثاء شاعر "دمج"

سلام عادل

مات الشاعر الكبير عريان السيد خلف تاركاً خلفه عشرات القصائد الرائعة التي مازال الناس يحفظونها عن ظهر قلب، وطويت برحيله صفحة مهمة من صفحات (الشعر الشعبي) العراقي الحديث، والتي ستبقى دروساً للأجيال يتعلمون منها كيفية بناء القصيدة العظيمة على شكل معمار من الكلمات العميقة والأحاسيس الدقيقة والصور السارحة في الخيال.

ورغم أن الكتابة في رثاء الشعراء عادة تكون حزينة، وهو ما أشعر به حقاً تجاه الراحل الصديق (أبو خلدون)، إلا أنني أشعر في نفس الوقت باستفزاز كبير من هذه الدنيا التي أعيش فيها والتي عاش فيها عريان السيد خلف 78 عاماً قبل أن يغادرها صباح يوم بغدادي ماطر ومغطى بالوحل.

ولَم تكن حياة عريان السيد الخلف إلا محطات من الوعي المبكر ومواقف شجاعة أمام الكثير من الأحداث وهو ما ميزه عن بعض أبناء جيله، إلا أنه كان أمام تحديات العيش في هذه الحياة مضطراً للانكسار في بعض الأحيان، ليس لكونه كان ينهار، وإنما لكون الوطن الذي هو فيه كان يقع مرة تحت قبضة الدكتاتور ومرة أخرى تحت سطوة الأحزاب السياسية ما يجعل بقاء حياة الشاعر النبيل فيه أشبه بالمعجزة رغم أنه وطن الشعر والشعراء منذ أن خُلق الشعر والشعراء.

وقد تكون أصعب لحظة في حياة هذا الشاعر المحبوب هي اللحظة التي بث فيها تلفزيون العراق مشاهد يَظهر فيها عريان السيد خلف مضطراً يقرأ الشعر أمام صدام حسين قبل أشهر من سقوطه عام 2003 بعد أن قاسى الشاعر جميع أشكال الحرمان منذ مطلع الثمانينات لكونه رفض أن ينضم الى جوقة شعراء السلطة، فخسر جميع الامتيازات التي كان يحصل عليها شعراء السلطة، وخسر حتى حقه بالضمان الإجتماعي الذي يليق به كشاعر كبير.

وحين دارت الدنيا بذلك النظام المستبد وجد عريان السيد خلف نفسه مجدداً في نفس المتاهة التي كانت في النظام السابق وذات الإهمال المتعمد للمبدعين والمثقفين حتى اضطر للقبول بان يكون (ضابط دمج) برتبة (عقيد) حتى يحصل على مرتب يحفظ له ما تبقى من سنوات هذا العمر، وكان ذلك بنصيحة من الحزب الشيوعي الذي كان يتولى في حينها أحد قادته وزارة الثقافة وفِي نفس الوقت كان يمتلك حصة في (الدمج) أسوة بالأحزاب السياسية الأخرى.

صار عريان السيد خلف بعد أن قدم لهذه الدولة شلالاً من الشعر العذب مضطراً للقبول بوظيفة (ضابط دمج) لان الدولة التي يعيش فيها لا تضع تخصيصات للثقافة والفنون والآداب ورعاية النخبة والمثقفين بقد ما تسرف وتبذر على الرتب والبزات العسكرية حتى بلغت ميزانية القوات المسلحة 23 مليار دولار في السنة التي سقطت فيها الموصل وانهزمت فيها تلك القوات.

رحمك الله أبا خلدون فقد وصلت بك الدنيا حتى تكون فيها (ضابط دمج) لتعيش، ورحلت عنها في يوم كانت فيه العاصمة مغطاة بالوحل، ومن بعدك سمعنا الكثير من الرثاء وبيانات التعزية ورسائل المواساة إلا أن أحداً لم يسألك يوما مثلما سألتك أنا؛ لماذا كل هذا الحزن في عينيك؟ خصوصاً بعد أن نسيتك وزارة الثقافة واضطررت لتكون (ضابط دمج).

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي