رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 20 اذار( مارس ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2166

ظهور وموت الصحفي في الرواية العراقية

الأربعاء - 12 كانون الاول (ديسمبر) 2018

الجزء الأول

وليد غالب

باستثناء رواية غائب طعمة فرمان "خمسة أصوات" أستطيع أن أؤكد غياب دور الصحفي أو تغييبه "داخل النص" في الرواية العراقية. حيث نجد أنه قد تخلّى عن دوره - نصّياً - في التوعية أو التثقيف والدفاع عن حقوق الناس والمطالبة بحرية التعبير، إلى الاختفاء أو التراجع أمام المجتمع والسلطة، بل أستطيع أن أقول أنه لم يعد يقوم بأقل واجب له، وهو نقل الأخبار وتحليلها وإجراء التحقيقات.

لقد تحوّل الصحفي في الرواية العراقية، إلى شارلوك هولمز تماماً، يبحث عن جريمة أو عن شخص ما، بمفرده - أحياناً - حتى من دون تكليف من الصحيفة أو المؤسسة التي يعمل فيها، كما في رواية علي بدر "بابا سارتر" ورواية أحمد سعداوي "فرانكشتاين في بغداد" ورواية سعد محمد رحيم "مقتل بائع الكتب" وغيرها، وهذا قد يبدو مؤشراً مهماً على انعزال الصحافة الحقيقية - في نظر الروائيين - عن الواقع الاجتماعي العراقي وغيابها، وهو مؤشر خطير أيضاً على انعدام حريّة التعبير.

ويبدو أن الصحافة الحقيقية لم تغرِ الروائيين بتوفيرها "مادّة خام" تثير الخيال الروائي، سواء باحتكاكها – أي الصحافة - بالمجتمع أو بالسلطة، كما استفاد نجيب محفوظ من قضية سفاح مصري وحولها لرواية اللص والكلاب.

قبل الدخول في تفاصيل الروايات العراقية التي يؤدي الصحفي فيها دوراً مهماً - أو هامشياً - أحب أن أذكر شيئاً من تاريخ صحافتنا، لكن ليس من قبيل التوثيق التاريخي، بل من قبيل عرض الوقائع حتى يستطيع القارئ أن يُميّز مدى الحريّة الصحفية، وكيف بدأ العراق خسارتها بسبب السلطة.

في عدد جريدة صدى بابل المرقم 248 الصادر يوم الأربعاء يوم 15 تموز عام 1914 وتحت عنوان "من هو معروف الرصافي" كتبت الصحيفة: "هو ذلك العربي الغيور هو ذلك العربي الشاعر المطبوع، هو ذلك العربي العالم اللغوي المدقق، بل هو ذلك العربي الحر الذي رنات يراعه أجاب دويها الأصقاع في جميع الأمصار في الذب عن حياض شرف العرب وما للغة العربية من المحاسن والمزايا الجليلة على سائر اللغات أجمع".

يستمر المقال بذكر فضائل الرصافي حتى يحدث التحول في الخطاب "هذا ما قاله كلُّ منّا بشأن معروف الرصافي قبل أن يُصبح نائبا في مجلس المبعوثين، وقبل أن يزيل مقامه عن اليد التي أشار إليها في قصيدته الشهيرة:

ولولا يدٌ شدت لساني

لبحت بسر هو كالشجا في حلقي".

صاحب المقال يعترض على عدم موافقة الشاعر الرصافي على قانون يقضي بتدريس اللغة العربية في المدارس الابتدائية.

لقد هاجمت الصحافة، الدولة العثمانية "ضمنياً" والشاعر العراقي معروف الرصافي بصورة مباشرة. ووجهت العتب لجمهور ناخبيه أيضا: "ومهما يكن فإننا لا نعتب على حضرة النائب في خطيّته الجديدة، إنما أتينا بما أوردناه ذكرى لقوم اختاروه عنهم مبعوثا وكفى".

بعد سنوات، وفي مقال بعنوان "عملية حسابية" موَّقع باسم "إبليس" في مجلة الحاصد العراقية عام 1932 بمناسبة زيارة اُم كلثوم لبغداد. نجد أن الصحفي يهاجم موجهي الدعوة لها، بحجة اقتصادية تشير بوضوح وبطريقة ساخرة لفقر العراقيين وجوعهم وإهمال الدولة لهم وانشغالها عنهم، يقول الصحفي "قدمت الآنسة أم كلثوم كروانة الشرق إلى بغداد بالطيارة، وتعهدت بإقامة 10 حفلات تتقاضى فيها عن كل واحدة 200 جنيه".

يضيف "إبليس" متحدثا بلغة الأرقام "ولو حسبنا ما يعادل هذه الألفي جنيه من الصمون لكان من السهل جدا أن نعرف إنها ثمن لمليوني صمونة من الصمونات ذات الفلس الواحد، والتي تكفي لإشباع فقير وإسكات عصافير بطنه المزقزقة جوعا.. ولو استثنينا من سكان العراق الذين يبلغون الثلاثة ملايين نسمة ثلثهم، باعتبار أنهم لا يعرفون أكل الصمون، فتكون هذه المليونا صمونة كافية لسد رمق ثلثي سكان العراق في وجبة أكل من الوجبات الثلاث".

استمر هذا النسق الصحفي العراقي في الدفاع عن حقوق الناس ومهاجمة المسؤولين أو الدولة، حتى ثورة تموز 1958.

لكن بطبيعة الحال لم تكن الأمور قبل ثورة تموز، جيّدة وجميلة لأنها كانت محميَّة - نوعا ما - بوجود المعارضة السياسية الحزبية، حيث يذكر خالد حبيب الراوي في كتابه "من تاريخ الصحافة العراقية" أن وزارة نوري السعيد الرابعة "أصدرت عدداً من المراسيم والأنظمة بعد إعلان الحرب العالمية الثانية، تجعل بعض أحكامها الصحف والمجلات وحتى النشرات الدورية خاضعة للرقابة الحكومية".

كان نوري السعيد بوزاراته المتعاقبة ومؤيديه حزبياً، يُغلقون الصحف ويعتقلون الصحفيين المعارضين لسياستهم بشكل كبير.

وعلى أساس هذا الاضطرب بين الصحافة والسلطة، نجد أن رواية "خمسة أصوات" للروائي الكبير غائب طعمة فرمان الصادرة عام 1967 قد تحدَّثت عن تجربة صحفية حقيقية، عن طريق البطل سعيد، وهو فرمان نفسه، وإبراهيم ، وهو الصحفي عبد الله الونداوي. تقع أحداث الرواية في العام 1954 حيث نجد في الصفحة 12 "كانت دجلة تفوح برائحة طين نقي وهي منتفخة البطن" بعدها بصفحات يفيض دجلة، والمعلوم أن الفيضان حدث عام 1954.

كان الحس الصحفي في ذاك العام مشابهاً للأعوام السابقة، أعني من ناحية مُهاجمة وانتقاد استبداد السلطة بشكل مباشر، نقرأ في الرواية "جريدة الناس ونوري السعيد شيئان لا يجتمعان". وطبعا جريدة الناس تقابل في الحقيقة "جريدة الأهالي" التي كان يعمل فيها فرمان بصفة محرر، والونداوي مديراً للتحرير.

في موضع آخر من الرواية يقول إبراهيم "عندنا اليوم مقال شديد عن مراسيم نوري السعيد". وتبلغ ذروة القمع عند السلطة في الرواية، عندما يُصدر السعيد أوامره بغلق الصحيفة وطرد موظفيها "اخرجوا، عندنا أمر باغلاق الجريدة، وختمها بالشمع الأحمر".

يشير الدكتور إبراهيم خليل العلاف في مقاله "الصحافة العراقية والتطور السياسي" إلى قمع السلطة للصحافة "حيث لم يحل خريف 1954 إلاّ وجميع الصحف الوطنية العلنية قد اختفت، ولعل من أبرز هذه الصحف جريدة لواء الاستقلال لسان حال حزب الاستقلال، وجريدة صوت الأهالي لسان حال الحزب الوطني الديمقراطي".

ولم يكن الصحفي في رواية خمسة أصوات، خائفاً على نفسه فقط من السلطة. ففي المشاهد الاخيرة نقرأ حواراً بين إبراهيم وسعيد يتحدّث عن خوفهم على الناس، كُتّاب الشكاوى ومقدمي العرائض، يقول إبراهيم "الجريدة مهددة بالإغلاق، علينا أن ننظف - الجرارات - حتى لا يقع في أيدي الشرطة شيء يُحاسب عليه الناس من حيث لا يدرون، يجب أن نتلف الأوراق على الأخص الموجودة في مكتبك، فيها آلاف التواقيع".

ويبدو أن المشهد السابق كان حقيقياً؛ لأننا نجد في مقال للأستاذ جلال الماشطة بعنوان "النخلة المرتجاة والمخاض المؤجل" نصاً يؤكد مشهد رواية خمسة أصوات، حيث يروي الماشطة فيه ما أخبره به فرمان عن حادثة إغلاق جريدة الأهالي "كان ذلك في الضحى، وكنا جالسين في غرفة التحرير، وهي سرداب قديم، وإذا بالشرطة تهجم علينا شاهرة مسدساتها، وتقول: عندنا أمر بإغلاق الجريدة، اتصلنا بكامل الجادرجي تلفونياً فجاء على الفور، ثم صدر الأمر إلينا بمغادرة السرداب، ورأينا أفراد الشرطة وهم يقلبون محتويات أدراج مناضدنا ويضعونها على شكل كومة في وسط السرداب".

وعلى أرض الواقع، فقد سُحبت الجنسية من غائب طعمة فرمان عام 1954، العام الذي تتحدث عنه الرواية، ففي حوار له مع مجلة العربي سنة 1985 يقول "عدت - الى بغداد - عدة مرات، بعد خروجي منها عام 1954 منزوع الجنسية من قبل نوري السعيد فمكثت في القاهرة".

لم تكن شخصية الصحفي في رواية خمسة أصوات شخصية تميل للجانب السياسي فقط، فهي تؤشر تقصير الدولة في الجانب الخدمي للمواطنين، حيث نلاحظ أن سعيد يقوم بتحقيق صحفي عن سوء الأوضاع الصحية في مستشفى العزل.

ويبيّن فرمان في روايته، تجاوب الناس مع الصحافة في أكثر من مكان، فالصحفي كان يُعدّ - بحسب الرواية - مُنقذاً أو بوابة للشكوى "أنت تفهم، تكتب في الصحف عن ظلم الناس والحكّام" ، وفي صفحة اخرى نقرأ "وأعدّ سعيد مقال الرأي العام من أكوام العرائض التي تملأ جرارات مكتبه". بل إننا من الممكن أن نلاحظ تجاوب وإعجاب المواطن العادي، بالصحف والصحفيين بشكل واضح "احنى الجابي رأسه وقال: استاذ سعيد، أنا معجب، خصوصاً بالمقالة عن مستشفى الحُمّيات".

في المجمل كانت شخصية الصحفي في رواية خمسة أصوات، وروايات ما قبل مرحلة 1958، شخصية أخلاقية، مثالية، عصاميّة، مبدئية صادقة، غير مرتشية ولا منافقة، متعاونة مع الناس، وضد قمع السلطة ودكتاتوريتها. على العكس من الأدب المصري، حيث نجد شخصية الصحفي قبل الثورة، شخصية انتهازية منافقة متملقة وصولية، كما في رواية دموع صاحبة الجلالة للروائي موسى صبري من خلال بطل روايته الصحفي الوصولي "محفوظ عجب" والتي تتحدث عن مرحلة الأربعينيات في مصر وحتى الثورة. أيضا من خلال شخصية رؤوف علوان الصحفي الذي يتنكّر لمبادئ الثورة ويتغيّر بعد سنوات ويبحث عن الإثراء غير المشروع في رواية اللص والكلاب لنجيب محفوظ.

وعلى العكس تماماً من الأدب العراقي، لصق الأدب المصري في كثير من رواياته أسوأ الصفات في شخصية الصحفي، فهو سكّير منافق مرتشي، بل وحتى شاذ جنسياً كما في رواية عمارة يعقوبيان للروائي علاء الأسواني.

عام 1972 كتب عبد الرحمن مجيد الربيعي رواية الوشم، تتحدث الرواية عن معتقل سياسي - لم يحدد الروائي زمن الرواية لكن المشهور بين النقاد أنها في الستينيات - يخرج البطل بعد شهور من معتقله، ويعمل في الصحافة، لكننا لا نجد أي "فعل" صحفي في الرواية، فهو صحفي لا صحفي.

كلُّ ما نجده في الرواية هو انكسار لكريم الناصري - البطل - وانعزاله بعالمه الخاص الخائب. إننا لا نجد في الرواية أيضاً، جملاً تخصُّ الصحافة سوى جملتين؛ الأولى حينما يستنكر جابر الموصلي أفعال الصحفيين ويصفهم بالوصوليين "امرأة واحدة تساوي كل هذه الجريدة ومحرريها الوصوليين"، والجملة الثانية عندما يقول جابر الموصلي أيضاً، للراقصة شهرزاد، أن كريم الناصري سيكتب عن رقصها مقالاً في الصحيفة "إنه المحرر الفني الذي سيكتب مقالة عن رقصك العظيم".

ويمكننا أن نرى هنا، الانحدار الذي وصل له كريم الناصري من معتقل سياسي، لشخص يكتب مقالاً عن راقصة رخيصة. إنه يرضى بأي إهانة لأنه باع كل شيء، فصار يحمل الوشم - الخيانة، كفتاة الليل الموشومة بفخذيها والتي تقزز منها سابقاً، لكن وشمه معنوي، لأنه شعر بخيانته لرفاقه بعد أن وشى بهم للسلطات، وكتب براءة منهم، مقابل إطلاق سراحه من المعتقل.

كان الصحفي هنا، في هذه الرواية، مكسورا غير نافع لنفسه ولا للمجتمع. كان عليه حتى يستمر في العيش، أن يجد مكاناً آخر وحياة أخرى. لذلك يُنهي الروائي عبد الرحمن مجيد الربيعي، حياة بطله في العراق وينقله للكويت.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي