رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 20 كانون الثاني ( يناير ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2121

الفضاء العام.. جمهورية للأبرار فقط

حسام السراي
واحدةٌ من علامات التشوّه التي أصابت بغداد، هي الاستحواذ على الفضاء العام، أحزاب وشخصيات تفرض حضورها بالصور وباللافتات، ولا تستأذن أحداً في ذلك، أتباعها يكتبون ما يعجبهم على الجدران، وبعضهم يضع إعلاناته وشعاراته مثبّتاً إيّاها بالاسمنت على الأرض.
مرّةً وجّه أحد المتنفّذين رسالة إلى رئيس الوزراء السابق وضعها في جزرة وسطيّة ووزّع عشرة منها في أحياء بغداد، لنتصوّر مناشدته على قطع من الحديد لا تحركها أعتى الرياح، فلم تحاسبه الجهات المعنية، ولم ترفع القطع بنسخها المتعدّدة إلا بعد أن أثار ناشطون الموضوع في مواقع التواصل.
هكذا قرّر المتنفّذ توجيه مناشدته شاكياً فيها متنفّذاً آخر أقوى منه، وهذا مثال من أمثلة كثيرة، أكثرها افتعالاً وإيذاء للناس الذين تعبوا من أبطال العملية السياسية المُتهالكة، ما انتشر في بغداد من لافتات تعبّر عن حقيقة المرحلة، المتمثّلة بصعود العشائريّة والمناطقيّة في مشهد السياسة العراقيّة، إذ انكفأ التوظيف الطائفي والقومي بين المتنافسين في الانتخابات البرلمانيّة الأخيرة، وأخذ المرشحون يستثمرون انتماءاتهم القبليّة وأنسابهم لصالح اجتذاب فئة من الجمهور الذي يتفاعل مع مرشح نَسبُه إلى هذه العشيرة أو تلك المحافظة.
"عشيرة ... تبارك لابنها البارّ... الترشّح لانتخابات مجلس النواب"، و"أهالي ناحية... يباركون لابنتهم البارّة...الترشّح ضمن قائمة... رقم...."، وعشرات من العبارات التي أخذت لها مساحة انتهكت فيها فضاء الناس، في حين لا قانون ولا سلطة تفرضان حضورهما لمنع هذه التعدّيات.
قصص فرض الوجود في الشارع كثيرة، ليست بمنأى عن التهديد المعلن منه أو المبطن، أفراد يتركون وعيدهم على جدار بيت من يعادونه، قبيل تنفيذ "الدكة العشائريّة" المعروفة، وكيانات مختلفة لها سلاحها الذي يمنحها قوّة وقدرة في احتكار أكبر مجال من هذا الفضاء.
تعدّد الأبرار الذين يقتطعون مساحات للاستعراض أو توجيه رسائل أو بثّ رعب في نفوس خصومهم، لكن ثمّة من ينافس هؤلاء، سواء بالغرافيتي المتقن- على محدوديته- أو بالكتابات العابرة التي يدوّنها شباب لحبيباتهم، مثل تلك التي تنتشر في حيّ المنصور وغيره. ومن دون هذه المزاحمة لتلك القوى وأبرارها، لن يكون للناس العاديين، المستقلّين منهم وغير المتحزّبين، أيّ وجود في الشارع المتخم بلافتات الزعامات والكتل السياسيّة التي تعبّر فيها عن حبّ الوطن وخدمة المواطن، بينما نصب الحريّة، الذي هو لافتة العراقيّين التاريخيّة وأيقونتهم الفنيّة الماثلة وسط بغداد، تتساقط أحجاره يوماً بعد يوم، وما من مسؤول يكترث له.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي