رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 20 اذار( مارس ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2166

حصاد الحكم الطائفي الفاسد فـي العراق

الخميس - 13 كانون الاول (ديسمبر) 2018

كاظم حبيب
احتفل العراقيون والعراقيات يوم 10/12/2018، وهو يوم الذكرى السنوية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان أيضاً،  بالذكرى السنوية الأولى لانتصار الشعب العراقي بقواته المسلحة والبيشمركة والمتطوعين على أعداء الشعب من الإرهابيين الذين اجتاحوا الوطن من بوابة الموصل وعموم نينوى. رغم إن المعلومات المتوفرة تشير إلى أن أرض العراق ما تزل لم تطهر من رجس هذه العصابات حتى الآن، إذ سكان بعض المناطق مازالوا يعانون من عودة عصابات داعش ونشاطهم التخريب والقتل لمن يقف في وجههم. 
لا يخفى على الناس في العراق بأن النصر الحقيقي لا يقاس بطرد المحتل وتحرير الأرض فقط، بل وبخلق أوضاع طبيعية وآمنة ومستقرة للذين عانوا من الاحتلال. إذ كان الاجتياح والاحتلال وسبي واغتصاب وقتل الناس وتهجيرهم نتيجة لسياسات حقيرة فاسدة وطائفية مذلة مارستها النخبة الحاكمة في أرجاء العراق منذ العام 2003/2004، ولاسيما في الموصل وعموم نينوى ومحافظات غرب العراق، ما سهل على القاعدة والدواعش اجتياح العراق وهروب القوات المسلحة بجميع اصنافها من مناطق الموصل ونينوى بقرار من القائد العام للقوات المسلحة ورئيس الوزراء حينذاك نوري المالكي. لقد احتل الدواعش الأوغاد الموصل وكل سهل نينوى ومارسوا كل الفقرات الواردة في مفهوم ومضمون الإبادة الجماعية ضد بنات وأنباء شعبنا العراقي من الإيزيديين والمسيحيين والشبك والتركمان. وما لم تتغير تلك السياسات التي تسببت في تذمر السكان وتسهيل مهمة الاجتياح والاحتلالي، لن يستقر العراق ولن يغيب الداعشيون وأمثالهم عن الساحة العراقية، بل يمكن أن يعودوا بقوة أكبر ويمارسوا بشاعات جديدة. 
لقد مارس النظام الطائفي ولاسيما في فترة حكم نوري المالكي سياسة التمييز الديني والطائفي بأجلى معانيه وأشدها ظلماً وقهراً للإنسان، كما مارس عملية إفساد منظمة وهادفة لجمهرة كبيرة من القادة العسكريين في الجيش والشرطة والأمن الداخلي وسمح للفساد بالانتشار والهيمنة على مجمل نشاط الدولة العراقية بسلطاتها الثلاث، وأفسد العلاقة مع القيادة الكردية بمساوماته الخادعة من أجل البقاء في السلطة والحصول على ولاية ثانية. لقد أصبح العراق الرث مكب نفايات وفساد وطائفية تقف فوقه وتعيد إنتاجه النخبة الحاكمة وأبرز قادة قوى وأحزاب الإسلام السياسي، وعلى رأسهم نوري المالكي. ولكي نؤكد ما أشرنا إليه نورد لكم جملة من الأرقام التي تسبر غور مضمون ووجهة ودلالات العملية السياسية الجارية في العراق منذ العام 2003/2004 حتى الوقت الحاضر.       
الشعب العراقي والكثير من شعوب الأرض يعرفون بأن الغالبية العظمى من شعبنا العراقي مستباحة من النخب الحاكمة، من قوى وأحزاب الإسلام السياسي، من ميليشياتها المسلحة، من طبيعة المحاصصة في العملية السياسية الجارية، مستباحة من الطائفيين والفسادين والإرهابيين وحاملي كاتم الصوت، الناس يستباحون ثانية بسبب عودة الداعشيين ثانية إلى بعض المناطق التي حررت، والغالبية مستباحة من إيران بصورة مباشرة من خلال وجودها في جميع سلطات الدولة العراقية ومفاصلها الحساسة، وفي السياسات العراقية التي تفرضها غيران داخلياً وخارجياً. 
الإحصائيات التي تحت تصرفنا تؤكد بعلى سبيل المثال لا الحصر ما يلي: 
** بلغت البطالة على وفق الأرقام الرسمية 31% حتى عام 2017 وهي في تزايد مستمر، علماً بأن النساء لا يدخلن في عديد العاطلين عن العمل، كما إن الرقم الفعلي أكثر من ذلك بكثير 
** بلغت نسبة من هم تحت خط الفقر 35%، والرقم الفعلي أعلى من ذلك بكثير، ويصل إلى حدود 50% من هم تحت أو على خط الفقر أو أعلى بقليل منه. 
** بلغ عدد اليتامى 5,6 مليون نسمة حتى نهاية عام 2017، وبلغ عدد الرامل بين 14-52 سنة 2 مليون أرملة.
** بلغ عدد الذين هجروا العراق 3,4 مليون نسمة، توزعوا على 64 دولة، إضافة إلى 4,1 مليون نازح، 1,7 مليون منهم يعيشون في معسكرات تفتقر للعيش الأدمي، 
** بلغ عدد الأميين 6 ملايين نسمة ممن لا يقرأ ولا يكتب. 
** سقط 430 ألف قتيل و620 ألف جريح، منهم 30% بعاهات أخرجتهم من خانة القادرين على العمل، و58 ألف مفقود لا يعرف مصيرهم خلال الفترة الواقعة بين 2003-2016/2017.
** وهناك 271 ألف معتقل، منهم 187 ألف لم يحالوا على القضاء حتى عام 2017الآن. 
** بسبب البطالة وانعدام وسائل الترفيه والضياع وفقدان الأمل بمستقبل يزداد تعاطي الحشيشة سنة بعد أخرى وترتفع النسبة باستمرار، ولاسيما بين الشباب. 
** يوزع رئيس مجلس النواب الأموال على النواب بدون حساب أو قيد، في وقت تعاني نسبة عالية من الشعب العراقي من الجوع والحرمان والبؤس الشديد. وقد رفض نائبان شيوعيان قبول المنحة التي قرر مجلس النواب توزيعها على النواب دون وجه حق، وقدرها 45 مليون دينا عراقي لكل منهما وهما هيفا الأمين ورائد فهمي. أي أن رئيس المجلس وزع دفعة واحدة مبلغاً قدره 14805000000 دينار عراقي، أي 14,8 مليار دينار عراقي. كم مدرسة كان بالإمكان بناءها بهذا المبلغ الهدية "المتواضعة" الذي قدم لأعضاء مجلس النواب، إضافة إلى رواتبهم الدسمة جداً ومخصصاتهم ومخصصات إعلامهم وحمايتهم وزياراتهم واللجان وما إلى ذلك.  
** تشير المعطيات المتوفرة إلى انتشار 39 وباءً، والكثير من الأمراض السرطانية والتشوهات الخلقية التي لم تكن معروفة في العراق قبل اليوم، ولاسيما في البصرة والمنطقة الجنوبية عموماً. 
** وفي العراق قتل خلال الفترة 2004-2017 277 صحفياً عراقي وأجنبي على النحو التالي: 199 صحفياً قتلوا على أيدي مسلحين مجهولين أو مليشيات مسلحة، 56 آخرين لقوا حتفهم اثناء تواجدهم في اماكن حدثت فيها انفجارات نفذها مجهولون. 22 صحفيا قتلوا بنيران القوات الأمريكية. صحفيان قتلا بنيران القوات العراقية. كما تعرض 74 صحفياً ومساعداً إعلامياً الى الاختطاف، قتل اغلبهم ومازال مصير 14 منهم مجهولا. (قارن: مرصد الحريات الصحفية أخذ المقتطف بتاريخ 11/12/2018).
** يذكر فيديو منشور تحت عنوان "العراق في أرقام" إلى الحقائق الاقتصادية التالية: 13328 معملاً ومصنعاً ومؤسسة إنتاج توقفت عن العمل، ويستورد العراق 75% من حاجته للمواد الغذائية سنويا، كما يستورد 91% من حاجته لمواد البناء وصناعات أخرى. ورغم توفر إمكانيات غير قليلة لتغطية حاجة الاستهلاك المحلي لمواد غذائية مهمة كالطماطم وخضروات أخرى، فتح العراق باب الاستيراد لتغزو البلاد منتجات زراعية إيرانية تنافس الإنتاج الزراعي المحلي في أسعارها، مما يجعل الفلاحين يكفون عن الإنتاج ويتحملون خسائر كبيرة.
** بلغت إيرادات العراق المالية المتأتية من تصدير النفط الخام (786,2) مليار دولار أمريكي خلال الفترة الواقعة بين 2004-2017 (قارن: سرمد كوكب الجميل، نمير أمير الصائغ وعدي سالم، تقرير الاقتصاد العراقي: التحديات والخيارات، مركز صنع السياسات للدراسات الدولية والاستراتيجية، 11/8/2018). والسؤال العادل: أين ذهبت هذه الأموال في وقت لا يزال العراق بائساً رثاً ونسبة عالية من سكانه تعيش تحت خط الفقر وعاطلة عن العمل، كما يفتقد العراق لعملية تنمية فعلية، والعاصمة بغداد تعتبر واحدة من أكثر المدن قذارة، دع عنك الكثير من المدن العراقية الأخرى؟  الجواب نجده لدى منظمة الشفافية العالمية. فعلى وفق مؤشر الفساد "لا تزال منظمة الشفافية العالمية تصنف العراق بـالأكثر فساداً بين دول العالم الأخرى". ودولة العراق واحدة من 12 دولة هي الأكثر فساداً في العالم. (قارن: نصير الحسون، العراق يتصدر لائحة الدول الأكثر فساداً في العالم. جريدة الحياة في 21 أذار/مارس 2018). 
** وما يزال العراقيون والعراقيات يعانون من ضعف مرير في الخدمات الأساسية، ولاسيما الكهرباء والماء الصالح للشرب والمدارس التي يمكن أن تكون مناسبة لبني البشر، ويفتقد طرق مواصلات مناسبة وأزمة حقيقة في السكن ...الخ. وبهذا الصدد يشير عضو لجنة النزاهة البرلمانية شيروان الوائلي إلى أن "ملف الكهرباء لن يتحسن بإقالة الوزير، مبينا ان الوزارة صرفت منذ عام 2004 لغاية الان نحو 50 مليار دولار على هذا الملف، فيما اتهم لجنة الطاقة النيابية بـ"خداع" الشعب." (راجع: عمار طارق، لوائلي: الكهرباء صرفت 50 مليار دولار منذ 2004 ولجنة الطاقة تخدع الشعب، مؤيد الطيب - السبت 27 تموز 2013). وقد ارتفع هذا المبلغ بين عامي 2013-2018.  
هذا جزء يسير من حصاد العراق المأساوي والكارثي الذي تسببت به النخبة الطائفية الحاكمة في العراق منذ 2003/2004 حتى الوقت الحاضر، وهذا هو الوضع الذي تسبب في انتفاضة أهلنا في البصرة وبعض مناطق جنوب ووسط العراق، وهو الذي سينتفض من أجله كل الشعب العراقي، إذ مازالت هذه النخبة الحاكمة السيئة تضحك على ذقن الشعب حين ادعت بأنها ستشكل وزارة غير طائفية وغير محاصصية، في حين اختارت شخصاً لا يمكنه الخروج عن دائرة المحاصصة الطائفة ولا عن إرادة إيران ومرشدها الخامنئي وممثله في العراق العميد قاسم سليماني. والشعب يعرف هذه الحقيقة قبل الديمقراطيين.  
إن النخبة الحاكمة العراقية تدوس يوماً بعد أخر وأكثر فأكثر في بطن العراقيات والعراقيين، مما تدفع بهم إلى انتفاضة شعبية حقيقية لا في البصرة وحدها، بل وفي جميع أنحاء العراق، ولا في اعتصام في البصرة وكربلاء ومناطق أخرى بل في احتمال تنظيم عصيان مدني تنضج ظروفه تدريجاً، ولن ينفع اختيار شخص لإعادة الثقة بمن فقد الشعب ثقته بهم، بهذه النخبة التي نهبت العراق وسلبت شعبه العيش الكريم والحياة الآمنة والمساواة بين مواطنيه ومواطناته. إنها الطامة الكبرى التي يعيش تحت وطأتها هذا الشعب المستباح بالطائفية السياسية ومحاصصاتها المذلة وبالفساد، كنظام سائد وفاعل، وبالاغتيالات للشبيبة المدنية المحتجة، على ايدي المليشيات الطائفية المسلحة المؤتمرة بأوامر النخبة الحاكمة وبمن هم وراء الحدود. وليس غريباً أن يرتفع صوت إنسان عراقي يدافع عن فلاحي البصرة الذين لم يعد في مقدورهم تصريف بضاعتهم من الطماطم بسبب فتح الأبواب أما استيراد الطماطم والكثير من الخضروات من إيران والتي أدت إلى وعجز الفلاح العراقي عن تسديد الديون التي بذمته والتي اقترضها لمواصلة إنتاج الطماطم مثلاً. ((راجع: Video-1544355660.mp4x400 224).  
 إن الشعب العراقي بحاجة إلى إعادة تنظيم الحركة المدنية بما يساعد على تعزيز التعاون والتنسيق والتضامن والعمل المشترك بين العمال والفلاحين والطلبة والشبيبة، بمن يئن من نقص الخدمات ومن يعاني من بطالة ومن يخشى الموت جوعاً، لمواجهة النخبة الحاكمة الفاسدة التي لم تعد قادرة وغير راغبة في أي إصلاح ولو جزئياً، دع عنك التغيير الفعلي لنظام المحاصصة الطائفي الفاسد. إن عملية احتجاج وانتفاضة مشتركة هي التي يجب العمل من أجلها لكنس هذه النخبة الفاسدة التي لم تتعلم من السنوات المنصرمة ولن تتعلم لأنها ليست موالية لهذا الشعب ولهذا الوطن، بل موالاتها كما يبدو لغير هذا الوطن ولغير هذا الشعب. والسؤال الذي يوجهنا جميعاً هو: متى يقتنع الشعب العراقي بعقم أانتظار أي إصلاح أو تغيير على أيدي النخب الحاكمة الفاسدة؟ وحين تقتنع الأكثرية بذلك، وهي في طريقها إليه، عندها لن تقف أي قوة على وجه الأرض أما نضال هذا الشعب وعدالة قضيته، لن تقف خراطيم المياه ولا الرصاص المطاطي أو الرصاص الحيّ الذي استخدم في الفلوجة في العام 2011 وفي بغداد ومن ثم في البصرة ومناطق أخرى من العراق ولا الاعتقالات والتعذيب والسجون والاختطاف والاغتيالات بأي حال.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي