رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 20 كانون الثاني ( يناير ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2121

أزمة الستر الصفراء: قراءة معمقة فـي المسببات

ميثاق مناحي العيساوي
إن استمرار الاحتجاج الفرنسية للأسبوع الرابع على التوالي اعطى دينامية واضحة لحركة المحتجين اتجاه حكومة ادوارد فيليب، وقد عُرفت حركة الاحتجاج الفرنسية هذه، باسم اصحاب "الستر الصفراء"؛ وذلك بسبب ارتداء المحتجين الستر الخاصة بالرؤية الليلية لسائقي الشاحنات، وهي حركة احتجاجية فرنسية عفوية اخذت رمزيتها من خلال ارتدائها للستر الصفراء تعبيراً عن طريقة الاحتجاج ضد سياسة الحكومة الفرنسية الحالية.
هذه الحركة لم ترتبط بحزب سياسي معين، على الرغم من اتهام مروجيها بأنهم من اتباع اليمين الفرنسي المتطرف الذي تتزعمه ماريان لوبان "زعيمة حزب التجمع الديمقراطي" التي نافست الرئيس الفرنسي الحالي ايمانويل ماكرون في الانتخابات الرئاسية الفرنسية الماضية.
ظاهرياً لا تحتاج فرضية المقال الكثير من السرد والتحليل؛ لأن مطالب المحتجين الفرنسيين كانت واضحة، وأن مسببات الاحتجاج واهداف المحتجين كانت واضحة جداً؛ فالمتظاهرون أو اصحاب الستر الصفراء خرجوا ضد قرارات الحكومة الفرنسية التي وضعت مشروع قانون في موازنة العام 2019، يوصي بزيادة الضرائب على الوقود والمحروقات، إلا أن حركة احتجاجاتهم توسعت في مطالبها بعد أن أنظم لها شرائح مختلفة من المجتمع الفرنسي، واخذت تندد بنظام الضرائب الفرنسي بشكل عام، متهمين الرئيس الفرنسي بابتعاده عن ارياف فرنسا.
وعلى الرغم من أن الحكومة الفرنسية قامت بإلغاء الزيادة الضريبية التي فرضتها على الوقود، إلا أن اصحاب الستر الصفراء استمروا في حركة احتجاجهم وتمكنوا من الوصول إلى قوس النصر يوم السبت الماضي واثاروا اعمال الشغب والتخريب في شوارع باريس. وبناء على ما سبق ربما نصل إلى فرضية المقال الاساسية، فهناك من يسأل عن سبب استمرار احتجاج اصحاب الستر الصفراء على الرغم من تراجع الحكومة الفرنسية عن الزيادة الضريبة التي فرضتها على الوقود في موازنة العام المقبل؟
لعل زيادة أسعار الوقود وسياسة الرئيس ماكرون الاقتصادية، يعدان السبب المباشر لانتفاضة اصحاب الستر الصفراء ضد سياسات الحكومة الفرنسية، وأن تراجع الأخيرة في قراراتها مع توسع حركة المحتجين رفع من سقف المطالب بشكل أكبر، لكن إذا ما عدنا إلى الخلف سنجد بأن أصل المشكلة لا تكمن فقط بسياسة الحكومة الحالية، وإنما بمجمل سياسات الحكومات الفرنسية السابقة.
ربما جزء من المشكلة يعود في الوقت الحاضر إلى السباق الرئاسي الفرنسي وطبيعة تنافسيتها، وطريقة وصول الرئيس ماكرون إلى الرئاسة الفرنسية، فماكرون جاء بأصوات الفرنسيين الرافضين لسياسات الحكومة التقليدية والسياسة الليبرالية والرأسمالية التي اتبعتها الحكومات السابقة التي قسمت المجتمع الفرنسي إلى طبقات.
وإن ترشيح ماكرون كان يحمل في طياته الرفض المعلن لسياسة الحكومات السابقة، لاسيما فيما يتعلق بسد الفجوة الكبيرة التي خلقتها السياسة التقليدية بين السلطة السياسية والمواطن الفرنسي؛ وبهذا فإن غالبية الفرنسيين الذي رشحوا ماكرون في سباقه الرئاسي كانوا يأملون منه بأن يطرح نموذج فرنسي جديد يتم التخلص من خلاله عن كل الشوائب السابقة التي سيطرت على السياسة الفرنسية في الحكومات السابقة، وأن لا يبقى اسيراً للسياسة التقليدية "الفرنسية والأوروبية" على حداً سواء.فالمسألة هنا تتعلق بالنموذج الاجتماعي والسياسي الذي يريده المحتجون من الحكومة والرئيس ماكرون، بعيداً عن الاحزاب التقليدية التي رفضها الفرنسيون في الانتخابات الرئاسية الماضية، فما يحتاجه الفرنسيون من ماكرون أن يعي المشكلة الداخلية في فرنسا، لاسيما المشاكل المتعلقة بالجانب الاقتصادي والتوجه إلى طبقات المجتمع الفرنسي البعيدة عن المدن وعن العاصمة الفرنسية باريس، والتقليل من سطوة الاتحاد الأوروبي على الاقتصاد الفرنسي. ولهذا فإن مطالب المحتجين ظاهرها يكمن في الاحتجاج على ارتفاع اسعار الوقود، إلا أن باطنها يعكس السخط الجماهيري على سياسات الرئيس الفرنسي ورئيس حكومته ادوار فيليب.
إن استمرار حركة احتجاج اصحاب الستر الصفراء في الاسابيع القادمة واتساع رقعتها، ربما ستجبر الرئيس ماكرون الى الابتعاد عن الحلول الجزئية التي لم تعد ترضي المحتجين، ونتيجة لذلك قد يذهب الرئيس إلى اقالة حكومة ادوارد فيليب وحل البرلمان. اما في حال تراجع المحتجين مقابل إصلاحات الحكومة وتراجعها عن القرارات الضريبية، فربما يلجأ ماكرون إلى سياسة الانفتاح على اصحاب الستر الصفراء من أجل الوصول إلى حلول توافقية لا تكلف الرئيس ماكرون ورئيس حكومته الكثير، كتلك التي تكلفه في حال استمرار الاحتجاجات.
وبغض النظر عن دينامية الاحتجاجات، وعن سيناريوهات التعامل معها، فأن شعارات أصحاب الستر الصفراء التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي بمطالبتهم بجمهورية سادسة تتيح المزيد من التواصل بين السلطة والمواطنين وتقلص الفجوة التي خلفتها السياسات الفرنسية السابقة في تحقيق عدالة اجتماعية بين طبقات المجتمع الفرنسي وليس طبقة دون أخرى، تشبه كثيراً تلك الشعارات التي رافقت الانتخابات الرئاسية الفرنسية الماضية، والتي انتخب بموجبها الرئيس ماكرون.
فما يريده المحتجون هو تعديل مسار السياسة الفرنسية على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي؛ وذلك من أجل إحداث توازن "على أقل تقدير" في سياسات الرئيس ماكرون بين طبقات المجتمع الفرنسي، فضلاً عن الموازنة بين السياسات الداخلية والخارجية، لاسيما تلك السياسات التي تتعلق بالاتحاد الأوروبي.
* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي