رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 20 اذار( مارس ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2166

قصائد دَنمَركية للشاعر بنُي أنـدَرسن 1929 - 2018

الأربعاء - 19 كانون الاول (ديسمبر) 2018

ترجمة/ د. زهير ياسين شليبه
ابتسم 
ولدتُ بصرخةٍ
عُمّدتُ صائحاً
نحتُ عندما ُضربتُ
صرختُ عندما لسعني النحل
ولكني أصبحت بالتدريج دنماركيا أكثر
تعلمتُ أن أبتسمَ إلى العالَم
إلى المصوّر
        إلى الأطباء
 إلى الشرطة والشاذين
أصبحتُ مواطنًا في بلاد الابتسامة 
الإبتسامة تطردُ الذبابَ وتنظف عقلك
والأسنان ترتاح في النور والهواء
إن وصلتَ متأخرا 
إن أفلستَ
إن دُهستَ
ابتسمْ فحسب
عندها سيتدفقُ السّياحُ
لمشاهدة ضحايا المرور المبتسمين
المشردين الضاحكين 
والنادبين موتاهم المقوقئين
لا أستطيع التخلص من إبتسامتي
أود أن أبكي أحياناً
أو مجرد مُتجهّم
أو الاحتجاج ضد الابتسامات الأخرى
التي تغطي التعطش للدماء والنتانة 
لكن ابتسامتي في الطريق
تَبرزُ مثل مقدمة السيارة
تنتزعُ قبعاتِ الناس ونظاراتِهم
أحملُ ابتسامتي بإبتسامةٍ

نيري الهلالي
حيث يعلق المرءُ عليه همومَه ليجففها
علىّ أن أحني رأسي جانبًا 
عندما أمرُّ من خلال الباب
أنا مواطن في بلاد الإبتسامةِ
إنه أمر غير مضحك على الإطلاق.
---
مهاجرة إلى قلبي
التقيتُكِ كغريبة
ولكني اكتشفتُ أنك تعرفيني 
أفضل من نفسي
إقتدتِني إلى رحلة لإكتشاف نفسي
عرفتِ الطرقَ المختصرةَ
إلى المناظر المهملةِ
والحيد البحري المرجاني في القاع
إنَّ ما في خارطتي يشير إلى
طريق مسدود 
تَبينَ انه يؤدي إلى  
مطار روحي الأحب والأكبر
أخذتِ قياسَ أفقي اليومي 
وكأني أجلس على إبرٍ
رأيتِ فرصتَكِ
تسحبين الإبر
وتستخدمينها في نموذج التفصيل 
قطعتِ وأضفتِ وعرّضتِ
بدلةَ أفقي الجاهزة القديمة
إلى آلاف عديدة من الكيلومترات
إذن فإنها لم تكن ضيقة كثيراً على البطن

في وقت متأخر من الليل
طأطأتِ رأسكِ راضيةً: 
"ستشعر بها في البداية
عريضةً قليلاً على ماضيكَ"
ولكنها مقاسةٌ لتكبرَ فيها
وهي تليق لك حقًّا"
يا مجدّدةَ  حياتي
مهاجرةٌ أنتِ إلى قلبي
بآفاقٍ واسعة أكثر إلى حدما 
فضفاضة قليلاً  
أحضنكِ
في هذه الليلة الربيعية الحميمية.
هذه القصيدة كرسها الشاعر بني أندرسن لزوجته الباربيديسية السمراء الراحلة سينتشه
ـــــــــ
حياتي كمهاجر 
كان ذلك في صباح تشريني بارد ومعتم 
قدمتُ إلى هذا العالم
مهاجراً صغيرا مستبرداً إلى الشمال 
طُردتُ من وطني الاستوائي
بمعدل حرارة
38 درجة في الظل تقريباً
حيث كنتُ أعوم نهاراً مساءً بكل طمأنينة
في محيطي الدافئ الصغير ذي الليترين من الماء

حياتي الأسبق
محاطة بالدفء
كيان رفاهية متأرجحٌ برفق
دندنة صوت نسائي
اتضح فيما بعد أنه صوت أمي
وضربٌ مجلجلُ على أوتارٍ
قلبني على عقبٍ في الماء
علمتُ فيما بعد أنه عزف والدي على البانجو
كل شيء كان هنا
وليس هناك ضرورة للفهم

تصوروا الصدمة
عندما طردتُ بدفعةٍ
من جنتي الاستوائية
ورُحّلتُ إلى منطقة القطب الشمالي
قد تكون درجة الحرارة 20 
قد تكون 21
في قسم ولادات مستشفى المملكة الدنماركية
كان الجو قارساً بالنسبة لى
كنت عارياً
جحيمٌ باردٌ وجاف
وتلك الأصوات الصارخة العالية
بلغة غير مفهومة
عمالقةٌ بملابس بيضاء قلبوني إلى الأعلى
ربتوا على مؤخرتي المسكينة
التي لم تعرف غير البقبقة الدافئة بين الردفين
وهؤلاء الرُضّع يعانون أصلاً من صعوبة
التمييز بين ما هو فوق وما هو تحت
أصبحتُ أكثر اضطرابا بسبب
جوقة المجانين الصاخبين
الواقفين على رؤوسهم
يحركون أياديهم في الهواء
مكشرين أسنانهم 

ساعدوني
فكرتُ
أنا في الخارج الآن
فكرتُ

وصلت إلى وسط هؤلاء الهمج
فكرتُ
صرختُ، هل هذا أمر غريب؟
وكلما صرختُ كثيراً
زعقوا بي بأصواتٍ أعلى
تعاركوا عليّ
مسحوا آخر رطوبة دافئة من جسمي
بخرقةٍ يابسة ملتوية ٍ
تعذيب حقيقي
صرختُ وصرختُ
آم-آم-مام-
لم أستطع أن أنطقَ
آمنيستي إنتيرشال
ومع ذلك لم يسعفني هذا
آمنيستي لم تكن موجودة آنئذ
صباح تشريني معتم وبارد
في عام 1929، عام الأزمة والإنهيار
عندما طردتُ إلى هذا العالم البارد

ولكنني إنصهرتُ بالتدريج
تعلمتُ هذه اللغة المضحكة
كبرتُ
ثبَّتُ نفسي
حصلتُ على عمل وسيارة وعائلة
 أصبحتُ بالتدريج واحداً منهم
حتى إني حلمتُ بلغتهم
أصبحتُ مرتبطًا بهذه البلاد الغريبة
رغم كل ما يحدث هنا
أصبحتُ في أقصى الإرتباط
ولكن في رحلات طويلة خارج البلاد
غالبًا ما أجد نفسي أفكر 
طويلاًً تجاه البلاد
التي قدمتُ منها
حيث إنطلقَ منها عالمي
بينما أصبحت ذكرياتي عن بيتي الأول
بحيرة والدتي،
حلمًا بعيد المنال
أسطورةُ بقبقةٍ ودندنةٍ  ناعمةٍ
شوشرة الريح الخافتة في عمق محارة العقل

ها قد بلغتُ الآن عمراً
حيث أستطيع فيه أن أعد السنوات ِ 
إلى أن أُطردَ مرة أخرى
إلى عالم آخر
سأتعلم مرة أخرى  لغةً جديدةً
أدرس عاداتٍ جديدةً
بالنسبة لكل ما أعرفه
قد لا يكون لغة
وليس بعض العادات
حتى الآن حصلنا على 
معلومات غامضة جداً ومتضاربة
يبدو أن كل شيء يمكن توقعه هنا
لا حاجة لذكر أي شيء
ياترى هل الأمر هنا بنفس البرودة والضوضاء
مثلما حدث عند قدومي إلى بلادي الحالية
سيُرَحَّبُ بي أيضاً عند الحدود
من قبل جوقة مرتدي الملابس البيضاء المجانين الصاخبين
أرجلهم معلقة في الهواء
أم أنها حرارة الجحيم وسكونه
لا أحد يستقبلك
أنت نفسك لا أحد
أولئك ال "لا أحد" غير موجودين ليستقبلوا


الشائعة الوحيدة الأكيدة التي لدينا عن المكان
هي أنه من المفترض أن المرء هنا وعلى عكس 
دول عديدة أخرى،
يتمتع بسياسة لاجئين ومهاجرين 
متطورة عالية ومتسامحة
إنه من النادر تماماً
أن يُطردَ أحد ما عند الحدود.

السويديون المنغلقون 
هل هناك شيء دنماركي أكثر من البطاطا
أصل البطاطا من أميركا الجنوبية
هل هناك شيء دنماركي أكثر من دنبروج؟ 
سقط مرة من السماء على إستونيا
ويذكّرنا بالعلم السويسري.

هل هناك نغمة دنماركية حقيقية
أكثر من مسرحية إيلفرهوي الغنائية    
لُحنتْ من قبل أحد الألمان بإستخدام دؤوب
لألحان سويدية شعبية.
انتبه
أصبح الأمر الآن صعباً:
هل هناك دنماركيون أكثر دنماركية من الدنماركيين؟
أحفاد الدانيين      
قبيلة في السويد
إحتلت بلادَنا في القرن الرابع
بينما كان الدنماركيون الأصليون
هيروليين  
نبلاء وشجعان.

ولكن الهيروليين المتواضعي العدد
شُرّدوا من قبل الدانيين السويديين الغلاظ
كان عليهم أن يتشردوا في أوروبا أيام زمان 
لقرون عديدة إلى أن
حالف الحظ بعض أولئك الدنماركيين الأوائل
في التمكن من الوصول إلى السويد حيث حطوا رحالهم فيها 
ضمن المصطلح المشكوك فيه السويديون 

سَـيُطرحُ عليكم السؤال مرة أخرى
وفكّروا كثيراً قبل الإجابة عليه:
هل هناك دنماركيون أكثر من الدنماركيين؟

الجواب الصحيح هو:
نعم !
 إنهم السويديون!
إنهم الدنماركيون الحقيقيون والأصليون
كاليهود يتوقون في الصحراء باستمرار
إلى "أرض الميعاد"
المليئة بالبيرة وشرائح الخنزير المملح
ولكن كانت محتلة لسبعة عشر قرناً 
من قبل من؟
السويديين!
من قبلنا!

ليس من الغريب
أن تُطالبَ ْسكونَه باسترجاع الدَنمارك  
ليس من الغريب أن العديد منا سويديون مخفيون
يعانون من صعوبة الحديث بدنماركية طليقة
يَهمشون النهاياتِ
يبلعون الحروف الساكنة
يحكّون في نهايات الكلمات
فتبدو مثل العصيدة الحمراء المخلوطة بالقشدة   
ليس بالأمر الحساس أننا نكاد لا نفهم بعضنا بعضا
ليس من الغريب أن أكثر الكلمات انتشارًا؟ hva/ ماذا؟
إنها ليست لغتنا إطلاقاً
نحن لسنا نحن إطلاقاً
نحن أكوام رثة من العمال السويديين الغرباء 
الذين قادوا هذه البلاد الجميلة إلى الهاوية
يجب أن نولّي إلى ديارنا من حيث أتينا
إلى ديارنا في السويد

شمسك، سماؤك، مرابعك الخضراء  
حيث نستطيع فعلاً أن نثبت شخصيتنا الحقيقية 
نعترف بلوننا
نحن ُصفرٌ
نحن ُزرقٌ
حيث نستطيع حقًّا أن نفوز على أنفسنا في كرة القدم
تنكسر رقبتنا في برنامج ميلودي جراند بريكس  
أو كم كنا بحاجة ﻟ
ومتلهفين ﻟ
أن نتمكن في نهاية المطاف من أن نغني أغاني بيلمان
بلغته الأصلية 
لغتنا النحوية
أو باللاّغة كما ُتسمى بالأصل  
نحصل أخيراً على حق السبق
في أن نكون الوحيدين في العالم
من الذين يستطيعون أن يقولوا بدون خطأ
شوتوسين شوهوندراشوتيشو  
بدون فقدان طقم الأسنان
أخيرًا نتخلص من 
عقدة الشعور بالنقص القومية القاتلة
ونحصل على فرصة الانطلاق
ونتجه إلى السماء
كبجعات الشمال المتحررات
أخيرًا نتخلص وإلى الأبد
من أن نسمع عن المرض المميت قانون يانته  
الذي ألصقه بنا 
كاتب نرويجي معتوه 

أخيرًا نحن أنفسنا
أخيرًا نحن أحرار
أنتَ عريقٌ أنتَ حرٍّ  
أخيرًا نحن في بلدنا حيث ننتمي
أخيرًا أصبحت لدينا فرصة 
"أن نشرب الكأس كلّه بدلا من نصفه"  
ونشرب أنخابنا مع أنفسنا
عندما نقوم بالحالات الإنسانية
فيما يخص الكحول
فإن أغاني الشرب موجودة بالأصل
والمهم الآن أن نغنيها
نجعلها حقيقية أكثر

الأزمنة الكبيرة على الأبواب
و
إذا كنا نستطيع أن نفعلها هنا
فإننا سنفعلها في أي مكان  
وأخيرًا فإنه هناك 
مكان أكبر بكثير في السويد.
*  من ديوان: شَجال ورقصة العقرب، المجموعة الكاملة، كوبنهاجن، 1998

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي