رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 20 اذار( مارس ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2165

بين شـــكلانية الحـوار وفاعليته

الجمعة - 4 كانون الثاني ( يناير ) 2019

د. نوفل ابو رغيف 
منذ البدء كان الأختلاف سبباً للبحث عن نقطة الالتقاء.
فلم يكن في الافق ما هو أولى من حوار معقول لا يفرط بطرف، وليس أخطر من غيابه في زمن تهيمن عليه الحرائق ويتقاسمه الشتات.
منذ استفاق العراق من عزلته عن تحولات الحياة اكبرى في مساحات العالم الآخر، عبر انعطافته التاريخية في 2003، كانت الحاجة وما زالت في أعلى درجاتها تنزع نحو حوار حقيقي يقبل بالاّخر مطلقاً ولا يشترط لقبوله ثمناً او ديّة او منّة، وقبل أن يشتعل الصراع المؤجل والتراجع في مفاصل الحياة العراقية برمتها، كان ثمة متسع لاستيعاب اللعنة القادمة ما دامت في بداياتها، وكان الوطن أقل نزفاً وموتاً.
أما اليوم وقد بلغ من النزف مبلغاً، من كل حدبٍ وصوب، فإن الحاجةَ تزداد اتضاحاً والحاحاً لردم المساحة التي أوجدها تزاحم طرفين متباعدين يتمثل الأول بادعاءات توصي بضرورة الحوار ونشر ثقافته والاكتفاء بمجرد طرحها وتبنيها في الاطار العام بصرف النظر عن كونها منتجةً أم لا، بينما يتمثل الطرفٌ الاخر بدعواتٍ منفعلةٍ لخلق حوار حقيقي ينبع من أزمة القائلين به، بصرف النظر عن أمكان حدوثه والقبول بذلك من قبل الطرف الاول، الذي يرى بأن الإسراف في قبول الاخر/ المتهم، سيفضي الى حالة نكوص لدى الجماهير التي كانت تخضع  لهيمنة هذا الاخير في امس قريب جدا، لا تزال تختفي بلحظة ردة الفعل المفتوحة.
وبين هذين النسقين المتأرجحين تنبثق حاجة ماسّة لاكتشاف مساحة موجودة أصلاً، يمكن ان تلتقي عندها الوجهتان اذا ما توافرت رغبة نقية لسلوك هذه الطريق. اما في مشهد اليوم وبعد اعتراف المتقاطعين بلا جدوى أساليبهم في الاختلاف، وبعدم القدرة على الغاء الواقف عند ضفة أخرى، فلم يعد في المشهد متسعٌ لمن يرددون مقولاتٍ باليةً، ويستهلكون على سبيل الوطنية المرددة عنوانات عتيقةٍ لا تسمن من الجوع، ولا لمن يريدون خياطة جبة البلاد الوقورة على وفق مقاسات وقناعات تحتكم لأمزجةٍ أضيق من مساحة الوطن، إذ لم يعد بالوسع الا الرجوع الى هاجس الحوار الذي لا يفتأ يصاحبهم على استحياء ويراودهم عن نفسه. قد لا يبدو في الوطن متسعٌ للعودة الى مدارج الضوء مع هذا التراجع الصاخب، وربما تبخرت أمنيات العودة لدى طبقات واسعة كلما تذكرنا هذا الوجع الذي لم يمنح سوى مزيد الشعارات والجنائز والمشاعر الصادقة، ومن يدري؟ ما هو القادم؟ لالكن حواراً حقيقياً بين أساسيين وفرعيين على السواء، من شأنه تضييق المسافة على سدنة الرماد والفجيعة والحرب وفتح بابٍ حقيقي يدخل منه الجميع ليلتقوا على مسافة واحدة عند بداية الاحساس بالوطن، ولتكن تلك البداية بعد عقد ونصف العقد من السنوات عتباً حقيقياً بما يحمل من نزف وجور على الاخر وشعور بالحيف والاستلاب واللا جدوى من القادم. ليكن حوارا خالياً من الزيف والمداهنة يرسخ وطنية يدّعيها الجميع، لإعلان البراءة من أثنيات وأمراض سوف يتخلى الجميع عنها لاحقاً. إن القبول بحوار يعترف بالآخر سيعزز روح الوسطية المنشودة ويكرّس ثقافة الاعتدال ويسعى الى ضمان نمو متكافئٍ إلى جوار تفكير جدي إعادة انتماءٍ مسلوبٍ لبلاد ينقص أبناءها أن يشعروا بثقافة الانتماء.وما عرضنا لهذا الفهم إلا توكيد لما يستطيع تحقيقه وتكريسه عبر القول بصحته وإعادة طرحه بوصفه متداولاً يحتمل التكرار والتذكير بغية ترويجه والدعوة لأن يأخذ مساراً فعلياً أبعد من مجرد كونه مفهوما يثبت نفسه في متن التنظير حسب.ومن البداهة أن لا يقتصر هذا المعنى على جانب من دون غيره، إنما يستوعب الجوانب السياسية والاقتصادية والثقافية على حد سواء لضمان تقاسم عادل لحياة ينبغي لها أن تمضي على أساس الشراكة الواضحة. 
ولما كان المفصل السياسي هو الاكثر سطوعاً في حلكة المشهد العام الجديد ولأنه بات مرتبطاً بشكل مضاعف بالأجندة الدينية وبرموزها التي هيمنت على ورشة صناعة القرار إستراتيجيا، فإن الإلحاح على فكرة حوار حقيقي جاد يبدو أكثر تلبيةً لحاجة هذا المشهد مما يبّرُر انحياز هذه الورقة الى خانة (السياسي الديني) لما تستدعيه الوقائع الميدانية. ولكي يتسنى لمن يعتقدون بايجابية قناعاتهم الدينية المبنية على أسس منطقية في الغالب، ينبغي التذكير بمرونة الدين وقابليته لاستيعاب مزيد من القادم المجهول وسماحه بفتح باب الاجتهاد بوجه من يسعى لبلوغ هذه الدرجة، وبالاستناد الى من يرى بأن ممارسات الفقهاء والمفكرين (أياً كانوا) وفتح باب الاجتهاد وبناء مرجعيات متعددة، هي شواهد صريحة على حق الطرح الناضج والابداع المفتوح تعضيدا لبناء اجتماعي ومعرفي مميز. كما ينبغي على صعيد الخطاب المبثوث والممارسات الجهرية والشعائر التي تمنح التراث الديني اهمية خاصة، اقتفاء المواقف التاريخية للسلف الصالح، بدءا من الرسول الأكرم (ص) واّل بيته الطاهرين، في تشجيعهم على الحوار مع مخالفيهم والمختلفين معهم، ممن هم داخل دائرتهم ومن غيرهم من ملحدين وأهل ديانات وأيديولجيات. 
إن كثيراً مما يعتبره البعض مؤاخذاتٍ على ما يقدّم على خشبة الحركات الدينية بتياراتها ومسمياتها المتعددة ولا سيما في العراق بعد واقع ما يصطلح عليه بـ(العراق الجديد) رغم عقد ونصف العقد من السنوات، ناجمٌ عن استشرافٍ مسبق لدى بعض من يعوّلون على تسطيح  وعي الشارع وضمان تبعيته لهم، وعن خوف مزمن من الافساح للاخر عبر انتشار ثقافة الحوار أومن خطر فادح بإزاء ما قد ينجم عن تخلخل في ثقافة الأول، بموازاة استقرار، ربما يعود ـ على الرغم من كونه سلبيا ـ الى هيمنته على الأرض وقدرته على اختراق طبقات لا تمتلك ما يقوّض عملية الاستجابة المباشرة لهذا السلبي المستقر نسبيا. ومن ذلك فان لزاماً على من يعتقد بحتمية ثقافة تغييرية تصحيحية أن يزرعَ قناعةً كافيةً لدى الجمهور الأشمل وليس لدى النخبة حسب، ويعضّدُ قناعةً تفيد بأن محدودية الرسالات التي سبقت الرسالة المحمدية كشفت لاحقا بأنها مفصّلة على وفق طبيعة الواقع وقابليات الشعوب والأمم، واستجابتها إليها في حدود الزمان والمكان. 
إن مفاهيم الاعتدال والتوازن وانتشار مصطلحات تؤازر هذا التوصيف، من قبيل (الإسلام المحمدي)، يمكن أن يتجاوز هذا الفهم تجاوزاً مطلقاً، وبوسعه ان يتجرّد على الثوابت الزمانية للتمكن من التنامي والدوام. 
قد لا تشكل هذه الافكار المخلصة عاملاً فاعلاً في ردم الهوة وتجسيرها، ربما لسبب اساسي يتعلق بالمسافة الواضحة بينها وبين  اكثر المعنيين بطرحها، وللقطيعة التي تحكم الطرفين، وإنما هو الأمل الممتد بلا نهايات في أن نأتي على ذواتنا ومكاسبنا ونتقاسم الإحساس المرّ بالخشية من رحيل  الوطن، وربما هذه المرة الى الابد.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي