رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 20 اذار( مارس ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2165

تفسير هاشم مطر لصوامت صباح الأنباري

الثلاثاء - 8 كانون الثاني ( يناير ) 2019

صالح الرزوق
في مقدمته لكتاب (المغامرة والابداع في صوامت الأنباري) لهاشم مطر* يقارن أبو الحسن سلام بين مارسو والأنباري، ويؤكد أن الأول ترك للمشاهد مهمة ترجمة الإشارات إلى معنى، بينما ترك الثاني للقارئ مهمة تفسير الكلمات. ص11. ومن هذه النقطة المفصلية يدخل مطر إلى عالم الأنباري، ويشير منذ الافتتاحية إلى أنه عالم يحمل أعباء خصلتين من خصال الحداثة.
الأولى أنه مشروع متحول، ورث المعنى الأساسي للدراما بعد إجراء عدة تحولات. 
والثانية أنه  نشاط معرفي يقوم على قطيعة مع ماضي المسرح والمعروف أنه أبو الفنون. ص13.
ويعترف مطر أن المسرح الصامت هو فن مستقل بذاته، وعلاقته بالدراما لا تزيد عن علاقته بالقصة أو الرواية، فهو أساسا يعطي الأولوية للحبكة والكلمة المكتوبة. ص15.
ولذلك لا يمكن أن تنظر له مثلما تنظر للبانتومايم الذي يهتم بالحركة والإشارة وليس بالنص. ص18.
فهو يختلف عن بقية أنواع الدراما ببنيته المفتوحة على طرفين، هما المخرج (التنفيذ)، والمشاهد(المتلقي).
وغني عن البيان أن التنفيذ يأتي بمستوى الكتابة، فهو قراءة وتفسير للكلمة، ص 54، وحصيلة العرض تتوقف على حسن فهم المخرج لتعليمات الكاتب. ص26. 
إن المسرحيات الصامتة برأي مطر هي رسالة ضمنية من الكاتب لطاقم العرض، ويدخل ضمنا أدوات الإخراج. ومنها التكنولوجيا الحديثة والأزياء. فهي ذات قيمة بصرية وتوجه أسلوب إدراك المشاهد لما يراه بعينه من حركات وأفعال ولما يسمعه من موسيقا تصويرية. ويتوقف هاشم مطر مطولا عند معنى الحركة في مسرح الأنباري، فهي التي تحول البانتومايم إلى صوامت، بتعبير آخر هي التي تنقل الدراما من الحداثة إلى ما بعد الحداثة، إنها تجرد الحركة من السكون ص 26 وتفرض عليها موقفا تجاه الذات والآخر. وهذا التحول المعرفي لا يقل عن مستوى قطيعة معرفية لأنه يعيد ترتيب الأدوار والعلاقات، فالكاتب يتحول إلى متكلم والمخرج يصبح هو الكاتب، بينما العرض يحل بمكان النص. بتعبير آخر تتحول مهمة المخرج من تجسيد الحوار إلى تجسيد الحبكة. وهو ما يسميه هاشم مطر باسم "البحث عن الوجه الغائب" أو النسق. ص 26. إن الدراما بضوء هذا التفسير تكون قائمة على علاقات تبادل بين جميع الأطراف، وستقود لتركيب مفهوم يحمل إضافة للمعنى وربما هي إضافة بعيدة كل البعد عن المعنى المقصود. ص 26. وهذا معروف منذ ثورة بارت على الحداثة الكلاسيكية. فإذا كانت الحداثة قابلة للقراءة فقد أصبحت قابلة للكتابة، بمعنى أن الذهن الحديث أصبح  يعتدي على الفراغات الرمادية، ويحولها من مساحة مترددة وصامتة، إلى مساحة حافلة بالحكمة والمعنى.
وبعد هذا التمهيد النظري يقف هاشم مطر مع نصوص الأنباري، كل على حدة، ويتوصل في النتيجة لمجموعة من الركائز أو الحدود الدرامية والتي يكثر الأنباري من الاعتماد عليها، وهي:
 *الترميز، كما في مسرحية (طقوس صامتة)، فالأنباري يلجأ للإيحاء وليس التصريح، ويستعمل الأنماط البشرية ليدل على وظيفة أو حالة، وغالبا تستعمل رموزه الاستفهام والدفاع لتوضيح المعنى. فالسبايا تدل بشكل غير مباشر على الانتظار أو السؤال  عن المصير، بينما صورة الجسر لها دور دفاعي لأنه يحمل إمكانية للتخطي والعبور، ص 28.
 *التناقض. وهو الذي يعبّر عن الصراع،  مبدأ أو خلاصة وجوهر الدراما. وكما ورد في تحليل مسرحية (حدث منذ الأزل)، إنه يعمل على تأزيم المواقف، وتطوير المضمون النفسي للشخصيات. والتضاد في مسرح الأنباري لا يكون بين المبادئ  فقط كالشر ضد الخير، والاحتلال ضد التحرر، بل إنه يمكن أن يحمل دلالة فلسفية  أو موقفا ملحميا من الوجود كالتماهي مقابل الرفض. ص 29، بمعنى التناهي والحتمية. ويبدو لي أن الأساس في تعاكس الأطراف هو مثل الأساس الذي أقام عليه بوبر تفرقته بين الأضداد، مثل أنا- أنت، وأنا - هي بتعبير جون ماكوري، فالاختلاف هنا قائم بين شيء ينبع من الذات البشرية وشيء لا ينبع من هذه الذات بأسرها. ص 170. وأعتقد أن مجمل دراما الأنباري تذهب بهذا الاتجاه. فهي نتيجة ذهن شمولي، يفضل التعميم على التخصيص. وغالبا ما يختار لشخصياته أسماء صفة،  كالشمّام والشوّاف والسمّاع ص59. أو اسم جنس وربما اسم نوع، كالطفل والمرأة والرحل، وهكذا دواليك. وإذا لجأ للتخصيص يستعمل إسقاطات حضارية ومنها أسماء آلهة وأنصاف آلهة من أساطير وادي الرافدين مثل أنكيدو وجلجامش...ص59.
 *الخيال الواقعي. وأعتقد أن ما يرمي له هاشم مطر هو مشابه لفكرة الخيال العلمي. بمعنى أن اللامعقول في مسرح الأنباري له مرتبة النبوءة. وفكرة الاستباق، أو التبكير فكرة شغلت الفلسفة والأدب. وما تستغرب منه اليوم سيكون عاديا ومألوفا في الغد. وكما يقول مطر: هذا يكفل تشكيل توازن بين الإيحاء والفعل الواقعي في المستقبل، بحيث يستبدل التأويل بالمعنى المباشر للإملاء والتشجيع ص 49. وفي هذا المضمار يمكن قراءة كل جهود التنوير في القرن الثاني عشر الميلادي ومنها سيناريو ابن سينا، أو مصير ثورات الفلاحين (العاميات) والتي كتب عنها فائق المحمد دراسة شفافة ومؤثرة بعنوان  (ثائر ولد قبل الأوان).إن إسقاط الواقع على الخيال لا يختلف بمعناه عن إسقاط الشعر على النثر، فالقصيدة النثرية تطرح أسئلة شعرية على الذهن النثري، بنفس الطريقة التي تعاملت بها المخيلة والعاطفة الغنية مع ظروف المجتمع المقهور في السير والأساطير حسب تعبير وين جين أويان.وبهذا المعنى يرى تودوروف أن الخيال قد يكون غريبا، لكنه ممكن. وهو ما يخدم فكرة الإرادة الحاسمة بتعبير هاشم مطر، أو فكرة القوي والأقوى. ص 30.
* المبالغة. ولا يقصد بها التهويل وإنما وضع الشيء في مساره الحقيقي ص 46 باعتبار أن حياتنا في المنطقة العربية مبنية على مواجهة ظروف مبالغ بوحشيتها وبداءيتها، ولذلك اقترب الأنباري برأي مطر من مبدأ التراجيديات الكبرى ودموعها الساخنة التي تعيد تركيب موقف الإنسان الصغير والمهمش من مسائل كونية ووجودية كالموت والعدم والبقاء والسلام وغيرها،  ص 45. وفي الحبكة كان الأنباري يفسح المجال للثيمة، بمعنى أنه أولى للموضوع أهمية فوق طبيعية، وجرد الحدود بمفاهيم حتى أن الموت لديه لم يكن طبيعيا ص44. ويميل لظروف وملابسات خرافية تجعل منه ظرفا وليس حادثة عابرة ومتكررة. وبهذه الطريقة فكك وحدات الدراما وأعاد تركيبها مجددا من منطق عبثي لكن مسؤول أو له انتماء لمعنى وربما قضية، وهذا هو الفرق بينه وبين قراءة بيكيت لأصول الدراما عند الإغريق ص 44.
 *وأخيرا تلقائية النص، ويرى هاشم مطر أن هذا الأسلوب متكرر في كل المسرحيات ، فالنص لا يفلسف ذاته بذاته، ولكن يرسم لنا مشاهد مفهومة وبإحالات للواقع الملموس والمنظور. ص 58.  وأضيف من عندياتي أنه يتعمد تحويل السلوك اليومي إلى جو أو فضاء يستعمر الفجوة البشرية، ويرفعها لمستوى طقس، فالطقوس هي مبتدأ وخبر كل مشروع الأنباري. ولكنها طقوس بدئية من فصيلة الأركيتايب، وتجد لكل غريزة معنى أو وظيفة، وإذا كان فرويد يفيد في تحليل جدلية الحياة والموت في صوامت الأنباري فإن تحليل شتراوس للطقوس وعلاقات الإنسان مع نفسه تساعدنا في شرح وفهم سلوك الأفراد بعد السقوط في الفجوة أو الانشغال بالذات الإنسانية كنمط. ويكفي لتقريب هذه الفكرة التذكير بأسطوريات بارت. إن ما تراكم ما هو تلقائي يتحول مع الزمن لطقس يتحكم بسلوك المجتمع ويوجه ردود أفعالنا. وربما هذه هي الرسالة المرجوة من مشروع الأنباري: أسطرة الحياة العفوية البسيطة والانتقال بها من مردود مادي إلى رؤية حلمية.  
وتبقى الإشارة لنقطة أغفلها هاشم مطر في دراسته المسهبة والمفصلة، وهي ماذا يميز الأنباري عن غيره من المسرحيين الذين خصصوا أعمالهم لإدانة العنف والطغيان.
لا شك أن تغييب الحوار أو شطبه ليس هو المحدد، ولكن التكوين الفانتازي الذي وضع المنطق بمواجهة اللاشعور، وهي لعبة الأنباري في مسرحه، حتى المسرحيات الناطقة لا تخلو عنده من هذه الميزة.
وبمقارنة مشروع الأنباري مع (ما بعد الإلهيات) لعلي عبدالنبي الزيدي سنجد أن الأول يوفر لمسرحياته بنية في الفراغ الذهني. فهي تتحرك في مستويين، بينما الثاني يطور الحبكة بشكل موقف أو مشهد، بمعنى أنه يضع القارئ والمشاهد بمستوى واحد مع النص. وبلغة أوضح، إن الأنباري يسخّر اللاشعور في بناء المعرفة كأنه يبحث عن إنسانية خارج الوجود الحقيقي بتعبير هاشم مطر ص80. في حين أن الدراما المعاصرة، وبالأخص التراجيديا الوطنية المسيسة، تتعامل مع واقع الفكرة أو مع أسلوب إدراكنا الواعي لها.
*المغامرة والإبداع في صوامت الأنباري، هاشم مطر،  قوس قزح للطباعة والنشر، 2018. كوبنهاغن، 84 ص.
** الوجودية، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، عالم المعرفة، 1982. ص 170.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي