رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 20 كانون الثاني ( يناير ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2121

الرؤية الآن

المحررة

إن التجربة كمعادل، توازن بين النظرية والتطبيق؛ هاجس شغل العقل البشري، في كل مغامراته العقلية. فالتجريب طال كل مظاهر الحياة: العلم والفن والاستكشاف، والحروب، والثقافة.. وغيرها. ‘ن رحلات السندباد السبع بدأت تجاربا، وسرعان ما تحولت الى نوع من أدب المغامرات، نسج على منوالها روبنسون كروزو، وتوم سوير، وغيرها.
تبدأ التجربة كمجهود شخصي بحت، لا تهم كمية الدمع المسكوب ولا الجهد والمال، فيصبح هذا مهما إذا نجحت التجربة، وتلقفها اخرون. بيد أن التجربة في الادب والفن ليست على شاكلة التجارب الصناعية، مثلا، او اكتشاف ممر ملاحي جديد، يؤدي إلى الهند من أوربا، كما فعل فاسكو دي جاما، وهو يمثل امبراطورية بحاجة أن تبسط نفوذها على العالم كله.
في الإبداع، تنبثق التجربة من علاقة ما بين العقل وممكناته؛ العقل وحدوسه؛ العقل والمفهومات. فالعقل بلا حدوس، هو عبارة كيان اجوف. وحدوس بلا عقل، تكون عبارة عن عماء كامل، كما ألمح عمانوئيل كانت، مرة عن علاقة العقل بالحياة. 
يبدو أن الفن في كل مرة يجرب شيئا جديدا، إنما يقف على أعتاب نظرية نضبت، وآن لها أن تتجدد ليس بجهد تنظيري، وإنما بجهد عملي ينطلق من النظرية، كي يغني التجربة وتتغذى النظرية بالجديد، عندما تمتحن مفهوماتها.
السينما بدأت تجريبية. كل شيء صورته الكاميرا في أيامها الأولى ثم عرض، كان شيئا مدهشا. التجريب هنا كان منظم التقنية كي تسجل الحركة. وماذا بعد هذا كله، لقد صورت الكاميرا الحركة، وأثبتت صحة التجربة، وكان لهذا الاكتشاف أن يهمل ويصبح ذا مجال ضيق، وفي أماكن محددة، حاله حال الاشعة السينية، كقسم وظيفي في المشافي، لكن السينما تدخل بتجربة جديدة وهي قدرتها على سرد قصة، ورواية رواية، وليس مستغربا أن أحدهم قدم طلبا لمسجل الاختراعات بتسجيل الآلة التي اخترعها كونها قادرة على سرد لقصص. وبدأت السينما تنسج على منوالها الفذ، حيث ابتكرت الخيال العلمي وافلام المغامرات والافلام البوليسية وغيرها، لكنها ـ وهي الفن الجديد الذي بدأ خطاه في العام ١٨٩٥ وهو عام ثورة النظريات الجديدة في الادب والفن ـ بدأت لا تكتفي بما هو متاح. وجاءت تجاربها الكبرى في تطور السرد الفلمي. 
إن أفلاما اولى مثل المدرعة بتمكين وفيلم الإضراب وايفان الرهيب، والمواطن كين، لم تكن مجرد افلام فيها سرد متقدم، بل أنها قدمت طرقا في السرد، لم تكن مسبوقة من قبل. إن الابتكار السردي في افلام ايزنشتاين، انطلق من جدلية المونتاج  والإيقاع، محدثا مصادمات تسجل التدفق المرئي، كذلك استطاعته أن يقدم استعارات موفقة، عندما يشبه افراد الشرطة السرية بالحيوانات التي تشابههم، مثل الذئب والثعلب وغيرهما، وعلى المستوى الكنائي، القوارب التي تجلب المؤن الباخرة بوتمكين  وهي تدخل من يمين الإطار، وتخرج من يساره، محملة بشعب الاوديسا الذي يساند البحارة. وفي المواطن كين، قدم اورسون ويلز اكثر من سارد يروي حكاية كين. كلٌّ يروي من وجهة نظره، وهكذا فإن الأفلام المتميزة قدمت تجارب أصبحت اساليب في السرد، وفي اللغة السينمائية وفي الشكل الفيلمي، وهي تعتبر تجارب سينمائية متقدمة لأنها لم تضح لجمهور السينما الواسع لصالح نخبة مثقفة قليلة، لا تسد تكاليف الإنتاج السينمائي الضخم. إن التجريب الذي تريده السينما اليوم هو التجريب الذي يربي المشاهد، ويجعله مشاهدا نوعيا، يحب الذهاب للسينما، لأنها تحترم متعته الحياتية والعقلية. الحدس والعقل يعملان معا دون التضحية لجمهور السينما الذي هو الملايين في قارات الأرض كلها. إن التجريب ليس ومضة او نفسا قصيرا. إن التجريب العظيم ـ مفاهيمه وحدوسه ـ ذات نفس طويل، واحتفاظ لجمهور الفلم، محققا اللذة والتذوق الرفيع.    
المحررة

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي