رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 20 كانون الثاني ( يناير ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2121

المريض الانكليزي بين الارجاء والاختلاف

بغداد ـ العالم
يتحدث الفلم عن شخصية الكونت (الاولماشي) الشاب الهنغاري الذي يرافق البعثات الاثارية والجغرافية لكي يكتب تقارير عن سير الرحلات، وكانت المهمة هذه المرة هي استكشاف الطرق والاثار في الصحراء الافريقية الكبرى انطلاقا من مصر، وهذا الكونت المثقف المفكر الذي ينطوي على مواقف فكرية متعددة تتعلق بالانتماء الى الوطن والعالم والمهنة والحبيب يقع في حب زوجة رئيس البعثة، والفلم يعتمد على ثيمة من حكاية اسطورية تتعلق بملك وزوجته وصديقه وكيف ان الزوجة قد خيرت الصديق بين ان يقتل الملك كي يتزوجها او هي تقتله لانه رآها عارية، والفلم يتصرف في هذه الحكاية من خلال وقوع (الاولماشي) في حب زوجة رئيس البعثة (كاترين) فيقوم بمغامرة كبيرة لجلب وسيلة نقل لينقل حبيبته (كاترين) التي جرحت في حادث ارتطام الطائرة التي يقودها زوجها في الارض متقصدا ان يقتل نفسه ويقتلها ويقتل الكونت لاكتشافه بعلاقة الحب بينهما. ولكن الطائرة الشراعية التي يحصل عليها تتعرض لنيران المضادات الارضية الانكليزية ويحترق الكونت في الطائرة دون ان يموت ولكنه يتشوه ويظل في ما بقي من حياته في مستشفى ميدان عسكري انكليزي محمولا على نقاله، في حين تبقى (كاترين) تنتظر الانقاذ دون جدوى، يصادف (الاولماشي) المرأة الثانية في حياته التي هي الممرضة العسكرية
الانكليزية (هانا) التي تبذل جهودا استثنائية لمعالجته دون جدوى، وفي هذه الاثناء يتلمس المشاهد ميل كبير من (هانا) تجاه (الاولماشي) ولكن بعد ان فقد الكونت أي امل في الحياة، فيدفع (هانا) لتحيا حياتها على خلاف ما عاش حياته، والفلم ينتهج منهج السرد الدائري الذي يبدا بنقطة ويعود اليها وكذلك السرد المتكرر فهو مرة في الحاضر ومرة اخرى في الماضي ومرة في الماضي الاقدم.وان الشكل الفلمي اكد على الزمن الحاضر وعودات مستمرة الى الماضي، كما ان الفلم اشتمل على ثيم اسطورية بالاستعانة بقصص اسطورية حقيقية مثل اسطورة الملك (كاندليز) وصديقه (غايجيز) وزوجته وثيم اسطورية فكرية مثل فكرة كتابة التاريخ، كذلك اساطير عرب شمال افريقيا حول رياح السموم واسماء الجبال والكهوف والثيمات الفكرية حول معنى الاستعمار منظر له من خلال شاعر الاستعمار البريطاني اللورد (كبلينغ).
ان الفلم دراسة معمقة للشخصيات وهي تصارع بيئات غريبة، وصراعات فكرية ذاتية وانتماءات متعددة، مؤكدة اتساع الروح الانسانية والعقل الانساني في الوصول الى اعماق سحيقة في الافعال والمشاعر والتفكير والوعي.
في فلم المريض الانكليزي لدينا علامات متعددة ومنها:
1- شخصية كاترين.
2- شخصية هانا
3- شخصية المريض الانكليزي.
4- شخصية الضابط المسيحي.
ونظرا لان الاشتغال بهذه العلامات لوحده سيكون بحثاً كاملاً فاننا سنركز على الشخصيتين النسويتين ونرى اشتغالاتهما الحرة في النص الفلمي.
ان شخصية كاترين في الفلم تستند لها وظائفا متعددة ولكننا ما نراه في المشاهد المخصصة كوعاء سردي لشخصيتها او قصتها على الاصح انها:
1- زوجة رئيس البعثة الجغرافية.
2- انها ارستقراطية بحيث ان والدها اهدى زوجها طائرة كهدية عيد الزواج.
3- انها تاتي للصحراء (مقر البعثة) او كما يسمونه نادي الرمال الدولي كنوع من الفضول.
4- في مجتمع البعثة القاسي، كانت كاترين بهجة الحياة.
في الساند الفلمي ان كاترين كشخصية وضعت في الفلم كمحطة للامتاع المشاهد ولكنها كعلامة تشتغل في الزمان الفلمي مجبرة المشاهد ان يغير افق توقعاته باستمرار، لان علامة كاترين الحرة في اللعب تنطوي على افق واسع وحيوي مما يجعل التماهي مع هذه العلامة احد نقاط حيوية الفلم.
ان كاترين المفعمة بالحياة، والمحاطة بالاشخاص الواعدين الممتلئين فتوة وحياة، لا تميل الا (للكونت الاولماشي) الذي يمثل الوسط بين عالمين، فهو من جهة مع البعثة ومن جهة اخرى منطوي على نفسه ولان السرد الفلمي متداخل، لان المبنى الحكائي فيه لا ياخذ العرض الخطي، فاننا نبقى ازاء مقارنات لا تنتهي بين شخصية كاترين وشخصية (هانا) وقصتها هي:
1- انها ممرضة في اوار استعار الحرب العالمية الثانية مما يعني انها في علاقة مستمرة مع الموت.
2- ان اول خبر يتناهى الى (هانا) هو موت خطيبها ثم يتوالى الاموات، زميلتها في الجندية، مساعد الضابط السيخي ثم المريض الانكليزي المعلق على حافة الحياة والموت.

المريض الانكليزي
1- هو الكونت الاولماشي مع كاترين تحفظ كبير في حياته بالاخص وهو غريب بين مجموعة الانكليز الجغرافيين، فهو هنغاري وهو ذو لقب ارستقراطي وهو رسام للحفريات وقاريء مهم.
2- عندما تختاره كاترين كحبيب، كانما مدت يدها له لتنتشله من العزلة- الموت وعندما ماتت اوصلته الى (هانا) راعية الاموات المتفانية.
الضابط الانكليزي- السيخي
1- يدخل في علاقة مع هانا خارج الاديان والاجناس.
2- هانا عندما تضع يدها عليه فانها تعرف انه ليس لها. انه سيذهب حياته حياة اخرى، فهو ميت بالنسبة لها وهو ايضا يشعر باستمرار انه ابن حياة اخرى.
القراءة الاولى للفلم تطلب من القاريء ان لا يشتبه بان علامات الرجلين والمراتين كما هما في المرجعية المعروفة للقاريء انما علامات لا تشتغل الا داخل الفلم- دالات تحيل لنفسها فقط بلا مدلولات جاهزة، واذن فان العلامات هنا مختلفة اما المعنى فهو مرجأ، لان اللعب الحر بالعلامات يجعل المعنى في صيرورة مستمرة. كاترين ليست المرأة المشتهاة   ، انها تختار قدرا مليئا بالغموض، و(هانا) ما هي إلا امتداد لـ(كاترين) ولو رتبنا سريان الاحداث الفلم بشكل خطي، فان قصة (هانا) تبتدا من حيث انتهت قصة كاترين وسلمت لها المريض الانكليزي جسد متفحم ينتظر موته، غير ان في قصة كاترين احالات لقصة (هانا) فهي تسلمها حياتها عبر مذكرات (المريض الانكليزي) او (الكونت الاولماشي) حيث تقوم هانا بقراءة المذكرات له، ذلك انه لا يقوى على شيء ومنها الثيمة الاسطورية للملك وامراته، فعندما تقص (كاترين) القصة للبعثة تكملها هانا في المذكرات، وهي تنبؤات لما سيحدث للشخصيات النسائية في الفلم: ان الاختلاف المرجأ أي فتح النص امام انتاج الدلالات التي لا تنتهي ولا تستهلك في المستقبل، وهو ما يحول بين النص وبين الانغلاق والالتفاف حول نفسه.
ان كاترين هي غير أي امرأة نعرفها وكذلك هانا، والمريض، والسيخي،ان علامات الشخصيات في حالة صيرورة مستمرة.
ان الاختلاف والارجاء يجعل قراءة النص متعددة المستويات ما يبدو انه قصة عادية عن مجموعة مستكشفين في الصحراء، سرعان ما ينزاح لصالح قراءة جديدة الا وهي تلك ان النفس البشرية هي التي تطبع الحدث وليس المكان او الزمان، لان الانسان علامة مطلقة، وله تتوجه التحليلات والتفسيرات والمعاني وكل بيئته وعصره انما هي وعاء لعلامات الانسان. لذا فاننا نريد ان نواجه النص على وفق هذا الفهم، فكنا نتمعن في عدة قراءات مع الكونت الاولماشي، هل هو نبيل خابت اماله في وجود مستوى لائق في بلده المحتل، هل هو فنان ومثقف يسلي نفسه في عمل مثير، ثم ناتي الى المنحى الاسطوري والتاريخي في قصته، فهو متاثر بكتاب (هيرودوتس" ويستشهد به دائما، وهو الخبير الدقيق بالجغرافيا والانواء وهذا ما يظهره الفلم، ثم ان يبيع كل خرائط البعثة للشمال الافريقي الى الالمان مقابل مساعدته في اعطاءه طائرة ليقذ بها كاترين، ثم انه العاجز اصبح معلما لـ(هانا) ينصحها ويوجهها حتى لملاقاة الضابط السيخي.
وكلما قرانا الفلم من جديد رأينا اننا نصل لمناطق في الفهم والتفسير والتاويل لم تكن متاحة لنا في القراءة الاولى او الثانية او الثالثة وهكذا فان العلامة حرة والدلالة مرجاة ومختلفة عما ألفنا.
قصة: مايكل اوندانجي
سيناريو: انتوني مانجيلا
اخراج: انتوني مانجيلا
تمثيل: جوليت بنوشت- رالف فينس
سنة الانتاج: 1997

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي