رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 26 ايار( مايو ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2216

البيئة والشكل الفلمي

الأربعاء - 9 كانون الثاني ( يناير ) 2019

بغداد ـ العالم
 ان ما يقصده (جيروم) بالاكتمال الذاتي للعمل الفني, هو كيف يمكن لعناصر الوسيط الفني في السينما مثلا ان تنتظم  بكيفية ما، بحيث يؤدي احدها الى الاخر بترابط سلس غير منظور, فالترتيب للافعال في الحدث، والاحداث، هو تنظيم شكلي, ولكن هذا الفهم الشكلي غير فعال وعمومي الى ابعد حد, فلا بد لعناصر الوسيط ان تنتظم والا فقدت نظامها ومن ثم فلا يمكن اعتبارها فنا. ولكن يبدو لي ان الشكل هو عبارة عن خط بياني يضبط ايقاع الدلالات التعبيرية للعمل الفني, فأفلام (هتشكوك) عبارة عن سجل لتنظيم استجابة المتلقي لما يعرض امامه شدة وارضاء، اعتمادا على حساسية الفنان لوسيطه التعبيري. ومن المعروف ان للشكل علاقة بالنوع الفني داخل الجنس الفني ذاته؛ ففي الافلام هناك انواع منها: الفلم النفسي, والاجتماعي والبوليسي وغيره. وكل من هذه الانواع تشترط اشكالا خاصة بها, ان الشكل الفلمي خصوصا يضم قدرا كبيرا من العناصر, وان تنوع هذه العناصر يفرض تنظيما ما لها، بحيث يستطيع المتلقي استيعابها اذا كانت هذه التنويعات تشترك لاداء مهمة واحدة، وجاء في كتاب "الفيلموسوفي": ان السينما لا تعرض فقط (صورة او مشهدا). انها تعرض الرؤية التي تقدم الذات المتجسدة للرؤية, بينما تمثل الصورة الجسد الموضوعي للرؤية, وعرض الرؤية هو اختيار ما هو  ذو المغزى للتحديق في اتجاه معين, وبالتالي تشكيل جديد للكل؛ فالتشكيل يعني ان تجعل التحديق يأخذ مسارا معينا, اي ان الشكل الفلمي هو الذي ينظم الرؤية, الرؤية الموجودة على الشاشة اصلا, فالشكل "من وجهة نظر جاك اومون حمالا لمعنى محددا (ما قبليا)، منشودا ومتحكما به، وهناك يترك للمشاهد العبء في التشكيل، لتشكيل مسبق ومن ثم تأويل ما يراه على الشاشة. فالفلم السينمائي وفي بعض من انشغالاته الخلاقة ،يتعامل مع البيئة الفلمية كأحد حاملات المعنى ،ويوظفها كأداة في وحدة التنوع الفلمي عبر الشكل الذي يراه , سواء في البناء المعماري للفلم ،او في استخدام عناصر اللغة السينمائية , او في طبيعة السرد ,  ففلم المحاكمة لـ (اورسون ويلز) استخدم الشكل الدائري لتأكيد البيئة الكابوسيه للسرد , وفي فلم"فريدا"  بطولة (سلمى حايك) استخدمت الفضاءات المفتوحة والالوان التي تتسق  مع التكوين الجمالي لفن الرسم ، وبهذا فالفلم  اشتغل على  بيئتين عبر السرد الفلمي لبيئة مليئة بالرسم والضوء  وهي بيئة مضاءة أصلا بضوء الشمس( المكسيك ).ان العلاقة الجدلية والحيوية بين المشاهد والشكل الفلمي , بمعنى ان الشكل ببنائه الفني , ومتنه الحكائي , من حيث التكرارات , والغرس , وترتيب الاحداث , والجو العام المسيطر، هو ما يمد المشاهد النموذجي  بادراكات جمالية هي في صلب التكوين الصوري  ،فالمشاهد ازاء تكوين لا يتعامل مع لقطة مسطحة ، ولا مستويات اللقطة مصطنعة  ، هناك ما هو في امامية الصورة او في خلفيتها , هناك بيئة مكانية لافتة للتأمل . ورغم مستويات اللقطة  والتي ممكن ان تشتت انتباه المشاهد الا ان الفلم اكد على العنصر السائد  او العنصر المتسيد والذي يمسك نظم الاشتغال , ولذلك يقوم الشكل الفلمي بتقديم البيئة كطاردة او بيئة حميمة ،حتى لو لم تكن في الواقع هكذا , في فلم"الاهوار" للمخرج (قاسم حول) نرى الشكل الفلمي فيه قد  قدم بيئه حميمة , وجميلة جدا ،وغرائبية تثير الفضول , بسبب هذا الشكل للبيئة الذي يعتمد على اللقطة الطويلة التي تظهر امتدادا للمياه والسماء , وتغيب التفاصيل الدقيقة للوجوه والايدي والاقدام، ولكن الفلم عندما يقدم بيئته باللقطات العامة, ويشبعنا جماليا يعود للانسان: وجهه ، تفاصيل حركته، صوته، وغناؤه. ومن المعروف ان بيئة الاهوار بيئة فقيرة ومتخلفة , ولكن الشكل الفلمي قدمها لنا بطريقة مغايرة على وفق خطة الفلم اصلا ، لان الخاصية التي تتسم بها السينما وهي نقل الواقع حرفيا قد اعطاها قيمتها كونها في صراع مع مادتها الواقعية , ولا بد من جهد كبير لانتزاع العلامة الايقونيه من واقعيتها كي تعبر عن اشياء اكثر تجريدا ان تلك الكيفية Ia,modalit عالية التميز التي تتصف بها الصورة هي العامل الرئيسي الذي يوفر امكانية انتزاع العلامة السينمائية وفصلها عن دلالتها المادية المباشرة , وبالتالي تحويلها الى علامة ذات مضمون اكثر شمولي، ان التجريد هو الذي يجعل الصورة كلية المعنى, لان الايقنة الحرفية تدل مباشرة.. ومتى ما استطاع الفلم ان يجعل المتفرج هو من يرى، لا ان يُقسَر على الرؤية, بمعنى جعل الفلم مسألة ذاتية بالنسبه للمتلقي، فيصبح الفلم يعبر عن كلية متعالية, وليس عن جزئية تخص ذلك الممثل على الشاشة, او تلك البلاد , ولهذا السبب كانت البيئة "في لورنس العرب" للمخرج (ديفيد لين), و"عمر المختار" للمخرج (مصطفى العقاد) تقدم بيئة متعالية لبشر من نوع معين يكابدون صعوبة العيش غير آمنين في بيئتهم، ومن ثم ستكون هذه البيئة وهؤلاء البشر تعبيرا عن كل البشر في كل العالم الذين يعانون ما يعاني هؤلاء.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي