رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 20 اذار( مارس ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2165

الاقتصاد الاشتراكي الفرنسي: الثوابت والتحديات

الخميس - 10 كانون الثاني ( يناير ) 2019

فؤاد الصباغ*
تعاني فرنسا اليوم من مرض الرأسمالية الرجعية التي فقرت العباد وأضرت بالبلاد ولعل تلك الإحتجاجات الشعبية التي خرجت في جادة الشونزليزيه أبرز برهان ودليل لمدى السخط الإجتماعي الذي تعاني منه أغلب الطبقات الكادحة الفرنسية. إن إقتصاد الدولة الفرنسية في ظل الحكومة الليبرالية والرأسمالية بزعامة الرئيس إيمانيويل ماكرون أصبحت مؤخرا تشكل تهديدا مباشرا لأغلب الفئات الإجتماعية نظرا للسياسة الإقتصادية الجبائية السيئة مع الزيادة المتواصلة في الأسعار خاصة منها في المواد الأساسية وأيضا تدهور كلي للمقدرة الشرائية لأغلب الفرنسيين. كما يمثل زحف الجماهير الفرنسية مطلع هذا الأسبوع نحو قصر الإليزيه للمطالبة بإستقالة الرئيس مع رفع شعارات تطالب بالعدالة الإجتماعية وتلبية الحاجيات الأساسية انحرافا خطرا للمسار الإقتصادي، ونذير أزمة إجتماعية خانقة في الأفق. إلا أنه لم تكن هذه الاحتجاجات الأولى منذ تولي الرئيس الليبرالي ماكرون السلطة، بحيث في غرة ماي 2018 وبالتحديد في يوم عيد العمال شهدت فرنسا أحداثا مأساوية وأعمال عنف وصداما مع قوات الأمن نتيجة لتردي الوضع الإجتماعي العام للعمال الفرنسيين. بالتالي لا يمكن اليوم بأي حال من الأحوال الرهان على الحكومات اليمينية الرأسمالية الفرنسية، وخاصة منها سياسة الرئيس الفرنسي ماكرون ونظرته التحريرية، قصد الاندماج في الفضاء الأوروبي الحر مع تهميش كلي لتلبية الحاجيات الأساسية للفرنسيين. إن فرنسا الجريحة تنزف اليوم سخطا وتذمرا شعبيا لا مثيل له، منذ تأسيس الجمهورية الأولى التي قامت على العدالة الإجتماعية وذلك نتيجة للسياسة الإقتصادية الليبرالية التي تسببت في زيادة أسعار المحروقات وتقليص الدعم الحكومي وغياب كلي لسياسة التعويض مع تجميد الزيادة في الأجور التي تسببت بالنتيجة في تدهور المقدرة الشرائية. إذا هنا يكمن مربط الفرس والذي يتلخص في تحديد ثوابت جمهورية فرنسا الحديثة مع مؤسسها الجنرال ديقول الذي وضع الحجرة الأولى في بناء دولة العدالة الإجتماعية والمساواة بين جميع الطبقات الفرنسية بعد الخروج من خراب الحرب العالمية الثانية. كما تواصل البناء الإشتراكي الرائد مع الزعيم فرنسوا ميتيرون، بحيث شهدت فرنسا خلال فترة حكمه ازدهارا اقتصاديا ورخاء اجتماعيا واستقرارا ماليا وأمنيا. بالإضافة إلي ذلك محاولات الرئيس الاشتراكي السابق فرنسوا هولاند الذي سعى جاهدا لتقليص الفارق الإجتماعي الذي تسبب فيه سلفه زعيم الإتحاد من أجل حركة شعبية الرأسمالي نيكولا ساركوزي بحيث حاول التقرب إلى الكتلة الإشتراكية في الإتحاد الأوروبي وأيضا مجهوداته لتكريس تعاونه في المبادلات التجارية مع جمهورية الصين الشعبية. بالنتيجة يمكن القول اليوم أن فرنسا تأسست بالأساس على ثوابت القومية والهوية الفرنسية الإشتراكية لذلك من المستحيلات زج الإقتصاد الفرنسي في متاهات التحرر المالي والإقتصادي الكلي والعولمة العمياء مع الرفع الكلي للدعم في المواد الأساسية مثل الغذاء والمحروقات والتغطية الإجتماعية وخاصة منها الصحة والتعليم. هذه الثوابت الديقولية أصبحت اليوم سارية المفعول في جميع مرافق الدولة الحيوية وخاصة من جانب نقابات العمال الفرنسية الشرسة التي غالبا تتسبب في شلل كلي لشريان الاقتصاد الفرنسي بإضراباتها العامة. إن التوزيع العادل للناتج القومي الخام علي كافة الطبقات الفرنسية مع الحفاظ على صناديق الدعم الحكومية والدور الهام للقطاع العام في الحد من البطالة وتدخل الدولة مباشرة قصد تعديل الاختلالات في الأسواق المالية والمصرفية مع تلبية جميع مطالب النقابات العمالية كالزيادة في الأجور لتحقيق التوازن بين العرض والطلب وتقوية المقدرة الشرائية مع استقرار الأسعار والحد من الضرائب على الدخل تمثل في مجملها الثوابت الأساسية للاقتصاد الإشتراكي الفرنسي. أما التحديات في ظل تصاعد دور اليمين في غرس الفكر الليبرالي الحر تبقى العائق الأساسي للخروج من دوامة الإحتجاجات الشعبية التي تعبر بكل صراحة عن سخطها الشديد وعدم رضاها عن السياسة المكرونية المتهورة. إذ يمثل اليمين الفرنسي جزءا من المشكلة وليس من الحل، بحيث غالبا ما يتم الركوب على الأحداث بتعلية العنصرية تجاه المهاجرين وتصاعد العمليات الإرهابية من قبل بعض الجماعات الإسلامية التكفيرية. في المقابل لا تمثل تلك الإحتجاجات للسترات الصفراء في فرنسا للمفهوم السياسي العنصري بل هي احتجاجات تلقائية وعفوية غرضها الأساسي تحسين ظروف العيش مثل الرواتب الشهرية والمقدرة الشرائية كذلك تخفيض سن التقاعد والمطالبة بالتشغيل. إن التحدي الأكبر للاقتصاد الاشتراكي الفرنسي في ظل عدم استقرار السلم الاجتماعية والفوضى الأمنية وتمرد الشعب على جميع السياسات الاقتصادية اليمينية هو كيفية إيجاد الحلول السريعة للخروج من الأزمة الاجتماعية المتواصلة التي من المحتمل أن تؤدي إلى إسقاط الحكومة أو التعجيل بانتخابات مبكرة تؤسس لعودة البديل الاشتراكي المحقق للعدالة الاجتماعية والضامن لسياسة الدعم الحكومي للطبقات الفقيرة والكادحة.
* باحث اقتصادي وكاتب تونسي

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي