رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 20 اذار( مارس ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2165

هل شركات الصرافة ضرورية للاقتصاد العراقي؟

الخميس - 10 كانون الثاني ( يناير ) 2019

علي الشرع
ابتداء هذا المقال ليس تحريضاً موجهاً ضد شركات الصرافة او لقطع ارزاقهم، ولا يدافع عن سياسات البنك المركزي واجراءاته عموماً، وانما هو تحليل اقتصادي بحت لظاهرة وجود دكاكين صغيرة يسموّنها شركات ولا تمتلك من هيكلية الشركات سوى الاسم، وتراها منتشرة على طول خريطة العراق. 
والكل يعلم عمل شركات الصرافة وهو ممارسة الوساطة في بيع وشراء العملات وبعضها يقوم بالتحويل الداخلي والخارجي. وهي تحصل على النقد الأجنبي اما من السوق، أي من خلال الشراء من المواطنين مباشرة، او من الدخول في مزاد العملة للبنك المركزي. ولكن المبالغ التي تحصل عليها هذه الصيرفات او شركات الصرافة (ومثلها مكاتب الصرفة غير الرسمية ايضاً) من البيع والشراء في السوق هي قليلة مقارنة بما تحصل عليه من مزاد العملة، ومصدر الدخل الرئيس لشركات الصرافة هذه هو من حصتها من مزاد العملة. 
ونشوء هذه الصيرفات رسمية كانت ام غير رسمية هي من أيام النظام البائد، غير انها تكاثرت بعد قدوم النظام الجديد. وسبب نشوء هذه الصيرفات هو للقيام بمهام الوساطة المالية في السوق التي لم تستطع المصارف الخاصة تلبيتها او قل بسبب تخلف النظام المصرفي لدينا. والواقع انها مفيدة (ولعل هذه هي فائدتها الوحيدة) من جهة كونها تقلل التكلفة والعناء على مَن يريد شراء العملة الأجنبية او بيعها اذا كانت عنده، فهي متواجدة بين المنازل السكنية واينما تذهب تجدها امامك، وقد يديرها شخص واحد او شخصين ولكن لا اعتقد انها تصل الى 10 اشخاص حيث ان مكاتب الصيرفة هي عبارة عن دكاكين تم وضع لافتة عليها واصبح صاحبها تاجراً في يوم وليلة. 
وقد اثرى اصحابها كثيراً عندما اخذ الدولار يصعد حتى وصل الى 1400 دينار للدولار بسبب خطأ متعجل للبرلمان بتخفيض المبالغ المباعة من الدولار في المزاد. بل هم يكسبون اكثر اذا ارتفع سعر بيع الدولار فوق 1200 دينار؛ لأنهم يبيعونه بحسب سعر السوق لا بسعر المزاد. مما انتج لدينا سعرين في السوق: سعر المزاد وسعر البورصة. واذا كان الغرض من وجود هذه الصيرفات هو القضاء على السوق السوداء لتوحيد سعر صرف العملات الأجنبية، فأن ذلك لم يتحقق وبقيت فجوة بين سعر المزاد وسعر السوق في أوقات وجود زيادة مفترضة حقيقية لا مضاربة ولا تلاعب في السوق. والسبب هو مزاد بيع العملة بصرف النظر عن حسناته، فأن له سيئات ومنها انه قيّد حركة السوق ومنعه ان يعكس حالة الندرة الفعلية للعملة الأجنبية خاصة في حالة النزول، حيث انه مسموح له التحليق في اتجاه الصعود لا النزول. فلو كانت هناك إمكانية ان نترك لقوى العرض والطلب في السوق لأدى ذلك الى انخفاض سعر السوق عن سعر المزاد، ولكن هذا السعر في المزاد قد وضع سقفا ادنى يخسر كل من يتخطاه.  ولكن بالطبع لو ارادت الحكومة ان تتيح لسعر المزاد الحرية في التحرك بالاتجاه النزولي فعليها ان تستخدم السياسة الضريبية من اجل الحد من الضغوط التضخمية التي قد تنشأ بسبب ارتفاع القوة الشرائية للدينار. وقد يكون هذا الاجراء مفيداً اذا ارادت الحكومة ان ترفع الرواتب بطريقة غير مباشرة من خلال زيادة القوة الشرائية للدينار من دون الزيادة الفعلية التي تقود عادة الى ارتفاع في المستوى العام للأسعار.
ووجود شركات الصيرفة هذه ضررها اكبر من نفعها للاقتصاد. ومن اضرارها انها قد تساهم في تسخين حمى المضاربة في السوق. كما ان كثرتها لا يعزز أسلوب المنافسة ولا يحد من الاحتكار لكون ما تتاجر بها هذه المكاتب هي سلعة متجانسة وهو العملة (ليكن الدولار مثلاً) لا مجال للمنافسة الاحتكارية فيها التي تعمل في ظل وجود سلعاً متنوعة، بل بالعكس فأن كثرتها قد يعمل على طمس المنافسة التامة التي تتميز بكون السعر موحداً في السوق مع سعر المزاد وتقوية المنافسة الاحتكارية التي يفوق فيها سعر السوق سعر المزاد. 
 ولذا من الأفضل ان تدمج شركات الصيرفة تحت عنوان شركة او شركتين كبيرتين مساهمتين من خلال تجميع رؤوس أموال هذه الشركات الصغيرة والزامها بطرح أسهمها في سوق الأوراق المالية، ولن يعمل ذلك كما ذكرت على الاضرار بالمنافسة في السوق. وليكن لهاتين الشركتين الكبيرتين فروع في كل المواقع الرئيسة في المحافظات حتى نضمن سياسة موحدة ومتسقة مع سياسة البنك المركزي، وسيسهل على البنك المركزي حينها مراقبتها ومتابعتها والزامها بإجراءاته بدل هذه المكاتب الصغيرة المبعثرة التي يصعب السيطرة عليها. وليس هناك خشية من ان يؤدي هذا الإلغاء الى حدوث مضاربة في السوق من جديد بسبب هذه الصيرفات مادامت منافذ بيع العملة متاحة.  وقد يؤدي هذا الدمج الى فقدان كثير من العاملين فيها عملهم (ليس لدي احصاءات ولكن عدد المجاز منها 400 شركة مع فروعها فيصل العاملين فيها الى نحو 1000 او اكثر بقليل)، ولكن دمجها في شركتين سيخلق فرصاً جديدة؛ لأن الشركات الكبيرة تحتاج الى محاسبين ومدخلي بيانات ومتخصصين في برامج الكمبيوتر وقانونيين، في حين في شركات الصيرفة: صاحبها هو محاسبها ولا يحتاج الى كمبيوتر او مستشار قانوني.
واذا كان امر دمج هذه المكاتب في شركات كبيرة صعب وغير متيسر، فأن إمكانية الغاء الحكومة التعامل معها متيسر ولكن على الحكومة في هذه الحالة ان تفتح نافذة لبيع وشراء العملة من خلال مصارفها والمصارف الخاصة التي تبيع بسعر المزاد ولس بسعر السوق، ولتختف هذه الظاهرة السلبية التي هي مؤشر على التخلف لا التطور في الاقتصاد.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي