رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 20 كانون الثاني ( يناير ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2121

فيلم أسوار.. انتصار الرتابة على السحر

مهند الخيكَاني
أغلب الأفلام المهمة والبارزة التي نالت شيئًا من الاتفاق والإجماع على ذلك, تستدعي ظواهر عديدة, تترأس القصة وتُبتنى تحت هيمنتها حبكةٌ من طراز رفيع, تضعنا في نهايات متعددة, محمولةً على كثافة القص وتوزيع الحدث, حيث تكون كل شخصية من شخصيات الفيلم هي شخصية بطلة, لها سياقاتها واستقلاليتها وملامحها الناتئة، ومن هذه الأفلام التي حملتْ هذه السِمات فيلم أسوار (fences) الذي تلتقي فيه قضايا  مجتمعة ومستقلة في مسار واحد, ففي الوقت الذي يعالج فيه قضية العنصرية, خاصة أن الأحداث تدور في منتصف القرن العشرين, إلا أن الفيلم من جهة أخرى عبارة عن دراسة في السوسيولوجيا, تنظيرية عبر السيناريو وتطبيقية عبر الشخصيات, شارحاً فيها طبيعة المجتمع الأسود, بادئاً من علاقاته الشائكة اللامنتظمة مع بعضهم ومع ما يحيط بهم, إلى تشريح السلوك, باتجاه العلاقات الإنسانية الأكثر حميمية, ومن الضروري التأكيد على صيغة العلاقات الحميمة, التي لا يُقصد بها العلاقة بين حبيبين أو زوجين فقط, إنما نشير بها إلى طبيعة المجتمعات المتأخرة قليلا عمن سواها, ذات التكوين الاجتماعي المضطرب والمعنّف, وتعاني رداءةً سلوكية مقترنة برثاثة اقتصادية مؤلفةً قالب العيش على عكس المجتمعات الأرقى التي تسود فيها علاقات المصلحة . 
تدورُ الأحداث في الخمسينيات, بين تروي ماكسون (دينزل واشنطن) الذي يبذل قصارى جهده للاهتمام بالعائلة, والاهتمام بكل ما يحدث في حياته السابقة من أحداث مؤسفة يحاول التعلم منها عبر تذكرها أحيانا, ويهدف إلى أن يكون سائقاً في إحدى شركات جمع القمامة التي يعمل بها.
أحداث الفلم قصصٌ صغيرةٌ متفرقة عن بعض الشخصيات الملاصقة للواقع, مضغوطة ومختزلة قدر الإمكان . الذكاء في الاشتغال على هذا الفلم يكمنُ في جعل الشخصيات بسيطة وغير متكلفة, وبلا شك وإن كانت القصةُ مستوحاة عن مسرحيةٍ, إلا أنها بعيدة كل البعد عن الأداء المسرحي كما قيل عنها, بل إننا نلحظ بشكل جليّ, الدراية والخبرة والدهاء من المخرج والممثل دنزل واشنطن, في تصيير هذه الشخصيات, شخصيات خارج الورق, تعيش في الواقع وفي حياتها المألوفة, بمعنى أن التحدي الأكبر يتمظهر في تصوير أحداث سريعة ومقتطفة وبشكل مكثف ومعّمق, عن أحداث يومية ذات سرديات مترهلة في طبيعتها . حيث يبدأ التصوير من اللقطة الأولى إلى اللقطة الأخيرة, وكأننا لا نشاهد فيلمًا بقدر ما نشاهد شريطا مسجلا عن الواقع, لكنّه واقعٌ آخر ينتمي لزمنٍ مختلف, ضمن هذه الحياة, إذ أن عنصرَ الجذبِ هذه المرة لم يكن الاعتماد على مثيرات وتزويقات إخراجية أو لفظية, أو حركات لافتة وفائضة, بقدر ما هو محاولة لمنافسة الواقع في واقعيته وتأدية الأدوار بأكثر ما يمكن من قدرة على ملاصقتها . وهذا دليل على أن الفريق المنظم لعمل الفلم, فريق متسق وذكي بشكل لا يصدق, حتى ينتبه لأدق التفصيلات . فمثل هذا النوع من الأفلام الدرامية الذي يخوض في قضايا اجتماعية وسياسية ونفسية حتمية, و يتكئ على القضية الاجتماعية في أغلبه, يحتاج إلى أن يكون بمثل هذه البساطة النظيفة, الخالية من رتوشات السينما المعهودة . أمثلة عن كلامنا : 
الحوارات التي حدثت بين " بونو " صديق " تروي ", وهما يجمعان القمامة, من خلف سيارة جمع القمامة, كان حوارًا غاية في السلاسة والصدق والواقعية, يضافُ له عامل مساعد آخر, الثياب العريضة, والبطن الكبير, والمؤخرات غير المنتظمة التي تشي بتكتل السنوات والكِبَر, واللانظام في حياة الرجل الأسود آنذاك . 
مثال آخر : الحوار الذي يعكس طبيعة الحياة الصعبة, بين الأب و الإبن, عندما يؤنّبُ الأبُ ولدهُ كثيراً, ويشير إليه بأن الأبوّة واجب, وبأنه يطعمه ويسكنه المنزل, ويشرف على تربيته, ليس لأنه يحبه, بل لأن ذلك واجب الرجل الأب . في الحقيقة هذه التفصيلة من التفاصيل المذهلة في الفلم, حيث إن الأبوّة تتحول الى واجب عندما تكون الحياة اجبارية وسبل العيش الضيقة لا تترك لها خياراً للدعة . بينما الانسان يميل الى فعل ما يحبه أكثر, حتى يبدع فيه ويشعر بقيمة وجوده . هذا المشهد يعكس واقع الحياة والجهد والثقل الذي يقع على عاتق الآباء بمثل هذه الظروف القاسية, وهي ظروف يمكن أن نجدها في أغلب مجتمعات العالم, في الماضي والحاضر . لطالما ارتبطت صورة الأب العربي, والعراقي خاصة بالتعب والارهاق وضيق العيش والمكابدة سنوات العمر كلها من اجل توفير عيش ملائم لزوجته وأطفاله .
ثم هناك المشهد الأكثر تأثيرًا على الاطلاق والأروع, بين روز الزوجة ( فيولا دافيس ), والزوج تروي كما أشرنا ( دنزل واشنطن ), حين يبدأ كل منها بلوم الآخر وشرح ظروفه والمعاناة المضمرة المنفجرة في تلك اللحظات أمام القاضي المسكين الذي يجب أن يحكم بين هذين المتألمين المقنعين حد اللعنة في تمرير الحجج والبراهين عن حياتهما الجحيمية . فمن جانب الزوج, وهو يقصّ متاعبه على زوجته وكيف يتحمل ثقل الحياة وسنوات عمره التي تضيع في سبيل أن يكون رجلا وأباً حقيقياً, ويبرر لنفسه بأن علاقته مع العشيقة التي حملت منه, وستموت فيما بعد عند الانجاب, هي علاقة ضرورية من اجل اراحته من التعب الذي احل بكل حياته . فالقاضي / المتلقي هنا سيقول : معه حق, مسكين, انه على صواب . لكن الزوجة تبدأ خطابا طويلاً تنال عليه الأوسكار فيما بعد عن فئة الأدوار الثانوية, تذكِر الزوّج بما تحملته من اجل زوجها وبيتها وأولادها وما ارتضته لنفسها في الوقت الذي كان بإمكانها ان تختار أفضل منه وتفعل ما يفعله هو تماما في اراحته لنفسه, خطاب يتخلله البكاء والحشرجات الصادقة والملامح المخترقة للقلوب, والكلمات ذات المنطق العالي البليغ الذي يساوي بين الحياتين ولا يبرر لإحدهما دون الآخر . لعلّه المشهد الأجمل في الفيلم, و من أجمل المشاهد بشكل عام في السنما, إذ غالبا ما نرى شخصية تغلب شخصية اخرى في هذا النوع من المشاهد والحوار لا يكون متكافئا, فتكون حجة أحدهم ضعيفة قياساً بالآخر, لكن في هذا المشهد يظهران أمام المتلقي بشكل متساوٍ ومتكافئ بحجج مقنعة, يحيران الحكم على أي منهما . وهذا التكافؤ النادر والمحيّر في السينما يذكرنا بمشهد شهير بين روبرت دينيرو وال باتشينو في فلم heat, حيث يبدأ وينتهي المشهد والمتلقي لا يعرف إذا ما كان سينحاز الى جانب الخير المتمثل ب ال باتشينو بحسب دوره أو مع الشر المتمثل بروبرت دنيرو محترف السرقة . وإن دل على شيء فإننا امام أداءٍ من النوع الإسطوري الثقيل, ما يجعل المشاهد بمعزل عن الثقافة ومنظومة الأخلاق التي يعيش فيها وتربى عليها, ليصل به الامر الى التفكير بالموضوع, حول إذا ما سيكون مع احد الطرفين . 
لم يجتهد الفيلم كثيراً في تبيان قضية العنصرية الا في بعض المشاهد الخفيفة اللاذعة, مثل موهبة تروي المندثرة في البيسبول, وحلمه المتلاشي والمضرب الذي يلوّح به دائماً في الباحة الخلفية للبيت, والشرح المطوّل عن نفسه الناتج عن حسرات متوالية غير منتهية رغم كبره, الى ولده الأصغر . في محاولة منه لنصحه وتوجيهه باتجاه العمل والوظيفة بدلا عن رغبته المتزايدة في أن يصبح لاعبا في كرة القدم الامريكية . والسبب هو العنصرية بلا شك التي حرمت الكثير من المواهب والإمكانات من الدخول الى المعترك الرياضي وغيره في ذلك الوقت, لكن بشكل عام هناك أفلام تحدثت عن العنصرية قديماً وحديثاً بشكل أشمل وأدق, بل أنها كانت تضع العنصرية والعبودية, المحور الرئيسي والوحيد في الفلم ومن ذلك أفلام عالمية لاقت رواجا واسعًا, مثل فلم Django Unchained, وفلم 12 Years a Slave, المستوحى من قصة حقيقية سيرذاتية ل (سليمان نورثوب ) . 
ومع ذلك تنتصر واقعية الحياة المعاشة في تلك الحقبة عبر هذه الملامح الخفيفة الذكية والبارعة في تضمين رسالة مكعبة التكوين, ما يمنحنا قراءة تكعيبية مختزلة في بقع ضوئية صغيرة . 
ومن الشخصيات المفصلية التي مثلت الجانب الأسوأ لتلك الحقبة, شخصية " جيب " شقيق تروي المجنون, الذي حضر كنتيجة طاغية لما تتركه الحروب من عاهات عقلية وجسدية على الإنسان, خلاصة لما تعرض له " جيب " في الحرب العالمية الثانية, والتي تعد ملمحًا عبقريا في جعل هذه الشخصية الهائمة في الخرافات والأصوات الوهمية, تستحضر قبح الحرب بلا دوي للحرب بأي شكل من الأشكال ! وهذا الحضور لهذه الشخصية ينماز بكونه يرتبط بحضور آخر غير معلن بشكل تام, وهو حضور شخصية العشيقة " ألبيرتا " شفاهيا, التي أنجبت بنتًا سُميتْ ب رينال التي تربيها روز بعد وفاة أمها, إلا أن الغريب في هذا الحضور المغيّب الذي لم يثقل الفلم ولم ينتقص من كماله, عندما لا نرى ألبيرتا او نسمع لها صوتا طوال مدة المشاهدة ! إن هذه الشخصية تمثل الجانب الخفي الشبيه بالجانب الخفي ل " غودو " الذي يتحدث عنه الجميع, لكنّه غير معروف, ضبابي الملامح وسرابي الوجود . ثم هناك رمزية السور الذي أخذ تلميحات كثيرة ضمن المَشاهد, قبالة الأسوار الذهنية والاجتماعية ذات الأسود والابيض, فكان العنوان يحملُ جانبا مجازيا هائلا ومجسدا, وجانبا ماديا ومعنويا ايجابيا لما يعنيه السور الذي يحيط بالبيت والعائلة ويجمعها في اطار مستقل واحد في هذا العالم الشاسع . إن هذا الفلم بواقعيته الصادمة والمفرطة, لهو انتصار ساحقٌ لرتابة الواقع على الفذلكة السنمائية.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي