رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 20 اذار( مارس ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2165

لي قبور فـي هذه الأرض.. جدلية لبنانية تكاد لا تسمع

الخميس - 10 كانون الثاني ( يناير ) 2019

سنان باسم
النجاح في العرض السينمائي التكاملي ، بلا شك يضعه البعض على رف التميز من جودة الصورة والأداء بالإضافة مضمون السيناريو والقصة ، وإذا ما أضفنا الى كل ماسبق نكهة لاتضاف إلا في بلادنا العربية وهي " منع من العرض " ، إذن أي مواجهة نرتقب ، وأي طرح يقف خلف الفيلم ، تقودنا المقدمة حول الفيلم اللبناني ( لي قبور في هذه الارض ) الى شغف المشاهدة والتساؤل ، لماذ منع عرضه ؟؟ ، إذ إنطلقت رين متري ( مخرجة الفيلم ) من قصتها والتي روت فيها تفاصيل بيعها لأرض كانت تمتلكها عائلتها في منطقة " عين المير " والواقعة في قضاء جزين جنوبي لبنان ، لتكون الراوية والدليل في الفيلم الوثائقي ذي الساعتين .
تمر رين متري ، على محطات حساسة تتعامل معها بطرح حيادي ، من خلال التجرد والاحتواء ، إذ تسلط بقعة الضوء على الحرب العقارية التي خلفتها (حرب لبنان الاهلية) وكيف ترك قرار بيعها لأرض عائلتها لشخص مسلم ، أثراً كارثياً ووقع الصدمة على جيرانهم من المسيح ، وترتكز هنا مخرجة الفيلم على النزعة الطائفية والتي تجذرت أو تكونت بصلبها الخلافي على إثر حرب طائفية فتكت باللبنانيين طوال 15 سنة ، بين مسلميها سنّة وشيعة ومسيحيين ودروز ، إذ تحددت بعد العام 1989 ومايعرف باتفاقية الطائف والتي رسمت ملامح لبنان الجديد ، لتنسحب تلك الاتفاقية باللاشعور الى هيكلية مجتمعية مفروضة بتجمعات سكانية مغلقة لاتقبل الغريب من أي دين أو طائفة اخرى ، وعلى لسان شهود العيان فأن الزحف الاسلامي بشراء العقارات ، توضحت معالمه قبل سنوات ليست بالقليلة بعد العام 1999 مايعني تقويض الانتشار المسيحي.
وتمر المخرجة على أزمة وجود الذات بعد أن عرفت بالانعزالية المسيحية ، لتصل الى محنة الفشل في إقامة وطن من قبل الأقليات ، كما نضجت طرحاً خطيراً من خلال شهادة من عاصر الحرب الأهلية مدعومة بالصور الفوتغرافية لاغير ، بأن الأوروبيين والاميركان ركزوا على إمكانية إيجاد وطن بديل للفلسطينيين ، وكان الخيار الأفضل هو لبنان ، ليفتح باب الهجرة بمصراعيه للمسيحيين نحو اميركا اللاتينية واوروبا وأميركا.
لتصل الى نقطة بالغة الحساسية مفادها أن البشاعة في القتل والترويع تناصفتها الميليشات المسيحية والعناصر الفلسطينية والعناصر المقاتلة التي تمثل الجنوب ، وضحيتها بلا شك أو أدنى مداولة فكرية هم العائلات الآمنة ، والتي إضطرت الى الهجرة من مكان سكناها الى قرى وبلدات تقطنها في السابق عائلات من مكون ديني أو طائفي أخر ، حيث أكثر وصف مؤلم تمّ طرحه في الفيلم ، شهادة إمرأة حول الهجرة والتشريد الذي طال عائلاتها ، بأنها حين بدأ القصف الاسرائيلي إبان الاجتياح لبلدتها ، إضطروا الى ترك قدور الطبخ على النار ، ليرحلوا الى مكان أخر في بلدة بعيدة بعد مسير طويل ، ليصلوا الى بيت كانت تسكنه عائلة من طائفة اخرى ، لتجد الطعام لازال ساخناً ، في دلالة على أن العائلة خرجت للتو بعد استشعار الخطر المقبل.
الفيلم يحتاج الى نفس طويل في المتابعة والاستدراك خاصة مع البداية ذي الايقاع البطيء والخالية من الموسيقى التصويرية ، بالاضافة الى الاستماع المستمر لشهادات من ناجين أو مقاتلين أو ضحايا ، بل والأكثر من ذلك كله هو أهمية التعرف على خلفيات حرب لبنان الاهلية ، من أجل ربط الحدث وأسماء المناطق والشخوص ومعالم الازمة أنذاك , والتي خلفت آلاف القتلى وشرّدت مثلهم ، وخلقت حيز صراع عقاري بُنيّ على أطلال الحرب التي وصفتها طفلة في كتاب كنت قد قرأته لمي سكرية قالت فيه ( أرسم البحر والجبل .. ولا أرسم السلاح والعسكر .. أكره الحرب .. لأنها تميت الصغار بسرعة).

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي