رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 20 كانون الثاني ( يناير ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2121

تجربة "العالم"

عبد العظيم البدران

لا أتذكر بالتحديد تاريخا دقيقا لبداية العمل، ومن ثم الكتابة في صحيفة "العالم"، لكني أحتفظ بذاكرة خلابة عن تفاصيل عمل يومي دؤوب لإنتاج مواد الصحيفة الخبرية، نزولا لطموح ان تليق بحجم الهدف الذي كانت ولا تزال "العالم" تسعى اليه.
في مخاضات التأسيس كان صمام الامان يتمثل في جملة الاسماء اللامعة في فضاء التخصص الصحفي، وحيث ان ذاكرة المتلقي مشحونة بتتبع العناوين والاسماء الراكزة في الذاكرة اكثر من قراءة المحتويات وتفحص النصوص وما يمكن ان تتضمن، فان وجود هذين الشاخصين كان جواز عبور مريح. لذلك فان بدايات التحدي والمفارقة التي مثلتها مسيرة "العالم" هي تعاقب الاجيال في ادارة الصحيفة التي باتت اشبه بمثابة ممارسة الطاقات والطاقات الشابة على وجه التحديد، وميدان تأهيل واسع للمواهب.
ذلك النهج الذي اختطته الصحيفة لم يكن صدفة مجردة، او مفارقة تحكمها تبعات مالية وحسب، بل ثمة توجه عام لرئاسة الصحيفة وادارة المؤسسة التي استطاعت ان تؤسس اسلوبا فريدا في تذويب الهياكل الادارية والبيروقراطية، وان تزيل الحلقات الاضافية في هذا الطريق. وبكلمة اكثر دقة ووفاء فقد تمثلت تلك الادارة على وجه التحديد بالراحل "احمد المهنا" ورؤيته العملية في صناعة الجيل القائد وازالة ما اسماه حينها بدايات الفساد في النظم المؤسسية، وهو يتحدث عن السكرتاريات وطبقة البطانة والكوادر التكميلية في المؤسسات الاعلامية. لذا فان التحدي الفعلي بدأ مع الجيل الجديد في مرحلة ما بعد المهنا، وتمثل في صياغة انموذج يحتذى به، يستطيع ان يحافظ على خط الصحيفة، ونمط التفرد والاستقلالية، وان يواصل مسيرة التميز في العمل.
قبل سنوات عديدة لا أذكر تاريخا محددا لها، كان طاقم العمل الشاب يعيش مخاضات البناء بروح اخرى يملؤها الامل. وكانت صياغة او انتاج المادة الخبرية او تقرير معين يعني ولادة روح جديدة تزيد حجم التحدي والامل بالغد.. وما زلت احمل في ذاكرتي من تلك المواقف الكثير وقد صارت ذكريات نتندر بها بعد رحلة عناء وجهد! ما زلت اتذكر يوم تعرض الزميل "سرمد الطائي" لوعكة صحية الزمته الفراش، وقد كان وقتها طريحا لا يقوى على الحراك حين زاره كادر الصحيفة التي تولى رئاستها ذلك الحين، لم يكن يقوى الحديث لكنه يردد بين فينة واخرى، موصيا بعدم ترك الصحيفة، وكأنه مشهد تراجيدا الحروب او قصص البطولات والملاحم، يومها كنا مشغوفين انا وهو باعداد تقارير عن البحر وقصص عن موارد متفرقة من بغداد وعن "ابو طعيس" الذي فتش ما يعادل شعب البحرين، ولم يعثر على اية متفجرات، وقد اهتدى الطائي يومها الى "مجرشة العالم" التي جمع فيها المفارقات والنوادر الخبرية، وقد دشنها باخبار حصرية وملفتة في طليعتها ما بعث محافظ البصرة من توصية تضمنها كتاب رسمي يخاطب فيه وزير النقل حينئذ أن اقرأ جريدة العالم!
ثمة ذكريات اخرى وثمة قصص وغصص وثمة زملاء ضاعوا في زحمة الحياة اليومية، وكل تلك المسيرة التي وصلت اليوم الى اطفاء شمعة عام جديد، كانت تبرهن على ان ثمة روحا خلقتها "العالم" لا ترتهن الى الابتذال، ولا تقبل بالاسفاف والاكثر من ذلك. البرهنة ان قيام مؤسسات مستقلة وسط زحام ولهاث الجميع وراء التخندق ام ممكن!

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي