رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 20 كانون الثاني ( يناير ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2121

العالم: ١٠ اعوام من الصمود

مازن الزيدي
باتت التحديات التي تواجهها الصحافة التقليدية لا سيما الورقية امراً واقعاً في الدول المستقرة وذات التقاليد الراسخة في تداول المعلومة، والاستثمار الكبير في قطاع الصحافة والاعلام.
فمع دخول الانترنت وعصر الفضائيات اصبحت الصحافة امام تحدي عامل السرعة في نقل الاخبار والاحتفاظ بجمهور القراء. حاولت الصحافة التقليدية ان تتكيّف مع الانفجار الفضائي والتلفزيوني عبر رهانها على عشاق الورق ورائحة الحبر ومدمنيهما مع فناجين قهوة الصباح.
لكن هذا التحديّ اشتدّ واتخذ اشكالاً اكثر قسوة مع دخولنا عصر التواصل الاجتماعي في تويتر وفيسبوك والانستغرام وسناب شات. فلم يعد امام الصحافة سوى الانسياق وراء صحافة السوشال الميديا ولكن مع الاحتفاظ بالمضمون الذي يتم انتاجه وفق التقاليد الصارمة للصحافة التقليدية. 
وكاحد الاجراءات الكفيلة بالبقاء على قيد الحياة، فقد باتت صحف العالم تفكر اليوم بتعويض التمويل عبر الاشتراكات الورقية والتحول الى الاشتراك الالكتروني بدفع مبالغ زهيدة.
فبحسب تحقيق اجرته وول ستريت جورنال فإنه بحلول العام 2021، ستصبح عوائد الاشتراكات هي مصدر التمويل الأساسي. ويتحدث التحقيق عن نسب تقديرية للإقبال على تسجيل الاشتراك في سوق مثل المملكة المتحدة، إذ بلغت نسبة الأشخاص الذين يملكون قابلية للدفع الشهري لقراءة النسخة الإلكترونية 23% من إجمالي قراء الصحيفة.
وفي هذا السياق تسعى صحيفة فاينانشال تايمز للوصول إلى مليون مشترك مدفوع الأجر في العام المقبل، إذ يبلغ الازدياد في معدل الاشتراك الرقمي لديها نسبة 11% على أساس سنوي.
هذا الاجراء الوقائي اتبعته الصحف الامريكية في وقت مبكر، اذ تحظى جريدة وول ستريت جورنال بـ 3 ملايين مشترك، بينما ارتفع مشتركو صحيفة نيويورك تايمز إلى 3.8 مليون، أكثر من ثلثيهم مشتركون رقميون.
الى جانب هذا التحوّل باتت الصحف العالمية تقدم خدمة صحافية واعلامية غير تقليدية مستفيدة من وسائل التواصل الاجتماعي ذاتها، اذ دخلت مجال المنافسة في انتاج المحتوى وتقديم البرامج بطرق حديثة مستفيدة من تراجع جمهور التلفزيون والاعتماد على الميديا ويب.
هذا ما يجري في العالم من حولنا؛ اذ تنشغل شركات التسويق والاستشارات المرموقة بوضع دراسات علمية تكلف وسائل الاعلام التقليدية ملايين الدولارات سنويا لاحتفاظ بمعدلات القراءة والصمود في مواجهة النيوميديا.
في الشرق الاوسط وفي العراق تحديداً فإن تحديات الصحافة تكاد ان تكون صورة مشابهة للتحديات التي يعيشها الانسان والمجتمع. من هنا يبدو ان الحديث عن مأزق الصحافة ضرب من الترف الفكري لدى شرائح واسعة من شعوب المنطقة؛ التي باتت تستقي غذاءها من صفحات الفيسبوك وحسابات الجيوش الالكترونية الممولة والخاضعة لأجندات معروفة.مع ذلك، فمجرد صمود صحافتنا العراقية وفي مقدمتها "العالم" رغم انعدام التمويل وتوجه الاستثمار فيها، تمثل قصة نجاح تشبه الى حدّ كبير صمود انسان هذه البلاد امام عقود من الحروب والمجاعة والازمات.
لكن الاخطر من التحديات الوجودية التي تواجهها صحافتنا، هو انعدام ايمان الاجيال الجديدة بمعايير المهنة وعدم الاهتمام بها امام الانبهار بمعايير الشهرة والانتشار.
ففي حديث جمعني مؤخرا مع مجموعة من طلبة الاعلام؛ كان واضحاً تطلعهم امام اغراءات الشهرة التي تجتاح السوشال ميديا على حساب معايير المهنة التي تصنع منهم اعلاميين حقيقيين. 
خلال ذلك الحوار العابر كانت الطالبات والطلاب الشباب يتحدثون عن الفاشنستات والعارضات وموديلات السوشال ميديا من الذكور والاناث، اكثر من اهتمامهم وحديثهم عن ابرز الصحفيين والكتاب. واهتماماتهم بنجوم السناب شات وانستغرام اكثر من نجوم التلفزيون او الاعلام.
وما يكرس الصورة القاتمة لمستقبل صحافتنا، اهمال الدولة لقطاع الصحافة وحصر اعلاناتها بالصحف الرسمية واحتكارها من قبل مافيات معروفة. وتزداد الصورة سوداوية عندما نكتشف الاستثمار الهائل والمنفلت في الجيوش الالكترونية من وكالات الكترونية وصفحات ممولة بملايين الدولارات احياناً.
نحتفل مع "العالم" اليوم باطفاء شمعتها التاسعة، في ظل مشهد محبط تعيشه الصحافة العراقية التي تقاوم بمواردها للبقاء والاستمرار بانتظار خطة انقاذ تعيد الحياة اليها كسلطة معرفية اولى تصحح وتواجه بقية السلطات السياسية والاجتماعية والدينية، لانها المرآة التي يكتشف الانسان والمجتمع عبرها عيويه ومحاسبه. والمرآة هي الاكتشاف الذي يميز انسان الكهوف عن انسان العلم والمعرفة.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي