رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 20 اذار( مارس ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2166

عبودية الكراكيب

الأحد - 13 كانون الثاني ( يناير ) 2019

رنيم العامري 
"في الحادي والعشرين من شهر آذار من العام 1947، في مدينة نيويورك - أمريكا، قام رجل بالاتصال بالشرطة للشكوى من رائحة كريهة تنبعث من الشقة الدوبليكس رقم 2078 في منطقة الفيفث أفينيو، ولطالما قام العديد من الناس بالاتصال بالشرطة بخصوص أشياء غريبة تحدث في تلك الشقة، ولكن الشرطة تردّدت في التحقيق في هذه الشكاوى عدا هذه المرة. فأرسلت الشرطة أحد رجالها للتحقق من الأمر، فكانت المفاجأة عندما دخلها، النوافذ محميّة بقضبان حديدية، وليس هنالك من هاتف ولا جرس على الباب، والعتبة ممتلئة تماماً بكل أنواع المهملات، كالجرائد والصناديق والكراسي، كان المكان ممتلئاً بالمهملات لدرجة لم يتمكن معها ستة من رجال الشرطة المشي في الشقة.. تعاونوا على التخلّص من هذه المهملات من أعلى الشقة إلى الشارع، وتمكن أحدهم من الوصول إلى نافذة وفتحها. بعد مجهودات حثيثة وبعد خمس ساعات من البحث خلال أكوام المهملات التي وصلت حتى السقف، عُثر على جثة (هومر كولير). الذي توفي نتيجة الجوع ومرض في القلب... سرت إشاعة بأن (لانغلي كولير) شقيق المتوفى، الذي كان يعيش معه لعقد من الزمن، والآن مختفٍ، هو القاتل، وبأن الأخ القاتل سافر إلى اتلانتيك سيتي، بالباص، لذا أرسلت الشرطة بحثاً عنه، ولكن باءت عمليات البحث عن الشقيق القاتل بالفشل. في هذه الأثناء، بالعودة إلى الشقة، لم تجد السلطات غير المزيد والمزيد من النفايات التي كانت ترمى إلى الشارع، فتجمع حوالي ألفيّ شخصٍ لمشاهدة العربات تفرّغ حمولاتها من الأشياء المكدّسة بدءاً من الجرائد وليس نهاية بآلة بيانو وجهاز أشعة، والمزيد المزيد من الجرائد، حتى بلغ مجموع ما وُجِد من المهملات المتكدسة مئة وعشرين طناً، أي أكثر من وزن الحوت الأزرق!
بعد ثلاثة أسابيع تقريباً من التنظيف، وتحديداً في التاسع من نيسان، عُثر على جثة الأخ المختفي (لانغلي) ممداً بين نفق ضيق بعرض قدمين من مكون من الأدراج ونوابض الأسرة.. بعد كل هذا البحث، وكل هذه المدة، هذا هو الأخ يظهر ميتاً على بعد عشرة أقدام من جثة أخيه، مختفياً بين أنفاق النفايات المتكدسة.. وقدّرت السلطات أن (لانغلي) مات قبل أخيه (هومر) بأسبوعين، وأن جثته المتحلّلة كانت مصدر الرائحة المتعفنة، التي كانت السبب وراء الاتصال الذي كشف عن قضية أصبحت الآن أشهر قضية سجلها التاريخ عن هذه الحالة" ترجمتي عن مقال في موقع ـ  allthatsintresting
للتفريق بين المفردتين، فإن مفردة hoarding معناها الكنز أو التكديس، ومفردة hoarders معناها المكتنزون أو المكدّسون. 
ويعرّف القاموس التكديس بأنه الحالة التي تصف أشخاصاً يكونون بحاجة إلى إيجاد وتجميع وتخزين كل شيء، لأنهم لا يعرفون كيف يتخلصون منها. هؤلاء الأشخاص يميلون لتجميع الكثير من الأشياء كالمناديل الورقية، الكتب، البِراز، الأحذية، الملابس أو حتى الشعر. في النهاية ستتكدّس هذه الأشياء وتتكوم، وتسيطر هذه الحالة على حياة الشخص، فلا يعود بإمكانه فعل أي شيء لمنع نفسه من تجميع هذه الأشياء أو التخلص منها.
في فترة الحصار تعلّم الشعب العراقي، وخاصة ربّات البيوت، مهارات خاصة لمواجهة ظروف الحياة الصعبة، فكانت السيدة مثلاً تقوم بغسل كيس النايلون وإعادة استعماله مرة بعد أخرى حتى نهاية عمره الافتراضي، الذي عادة ما يكون قصيراً بسبب من رداءة مادة النايلون المصنوع منها الكيس، وهو من نوع النايلون المُعاد -ومفردة النايلون المٌعاد ستكون لها خصوصية في القاموس الشعبي العراقي- الكيس إياه سيكون داخل كيس أكبر منه يضم رفاقه الأكياس الأخرى، وهنا سيكون في كل بيت عراقي (كيس الأكياس) أو ما نعرفه نحن العراقيون ب(جيس الجياسة). العبوات كذلك تبدأ دورة حياتها بأن تكون عبوة ماء، ثم تصبح فجأة عبوة لحفظ الباميا العراقية في المجمدة، وهي طريقة لحفظ البامية الأثيرة لمزاج العراقيين، وهي طريقة تخزين تعود براءة اختراعها للسيدات العراقيات. أو أحياناً يقطع رأس العبوة فيصبح قمعاً مخروطياً (المحكان) لصبّ النفط في الصوبة أو اللالة أو الفانوس.بعد انتهاء الحصار، لم تنتهِ هذه العادة، فمازال كيس الأكياس حاضراً في بعض البيوت العراقية، ربما لأننا كعراقيون يلازمنا طبع التشاؤم فلم نعد نأمن غوادر الزمان وسيعود لكيس الأكياس ضرورته يوماً، كما تقول (كارين) مؤلفة الكتاب الذي يحمل عنوان المقالة، فإن التبرير الأول لتراكم الكراكيب هو: "ربما سأحتاجها يوماً ما".تذكّرت المقالة المترجمة التي بدأنا بها الحديث، وتذكّرت كيس الأكياس، حالما وقع نظري على عنوان كتاب (عبودية الكراكيب)، الصادر من المركز القومي للترجمة، بطبعته العربية الأولى سنة 2014، من تأليف كارين كينجستون الخبيرة في فن الفنغ شوي، وترجمة مروة هاشم.
أول صورة تخطر على البال عندما نسمع كلمة كراكيب، ستكون هي للأشياء المحيطة بنا، المتكدسة التي تملأ المكان، المزدحمة، القديمة، البالية، غير المرتبة، التي لم يعد لها فائدة. ولكن في هذا الكتاب سنتعرف إلى هذه المفردة من منظار آخر.ربّما سمع القارئ هذه الكلمة يوماً، الفنغ شوي، ولو حاولنا تقريبها لذهن من لا يعرف، فسنأخذ بتعريف مؤلفة الكتاب بأنه: فن توازن وتناغم تدفق الطاقات الطبيعية في البيئة المحيطة بنا، بهدف خلق مؤثرات فعالة في حياتنا.. خلق الانسجام بين العالم المادي المرئي وعالم الطاقات غير المرئي.. (كارين) تتعامل مباشرة مع الطاقة الموجودة في المكان، فتراها وتسمعها وتشمّها وتشعر بها على الأثاث والجداران وحول الأشخاص..
كلّما تراكمت الكراكيب تصبح الطاقة راكدة في المكان. يحدث أنك، ومن دون وعي كنت قد رميت في مكانك –بيتك أو مكتبك- شيئاً صغيراً بلا أهمية وأهملته، ولكن يوماً بعد يوم يزداد تراكم الأشياء الصغيرة بعضها فوق بعض، حتى تصبح كومة تعيق حياتك، وتخنقك. فإذا كنت تمتلك شيء مفيداً وتستعمله على الدوام ستشعر بأن حياتك تتحرك، والعكس، إذا كان لديك شيء مهمل لدرجة تراكم التراب عليه. أيضاً لو كنت تخزن الأشياء بطريقة فوضوية لدرجة نسيانك مكانه، مثال على ذلك الأوراق الرسمية والفواتير التي تنتهي في زاوية من البيت كأنّها تلّ صغير. لنقل بأن عالمك الداخلي ليس معزولاً عن عالمك الخارجي، كل شيء حولك يعكس ذاتك، فعلاقتك مع الأشياء المكسورة حولك التي تنتظر منك إصلاحها أو تبديلها، كالأبواب أو الأثاث أو الأجهزة العاطلة، لها عليك نفس تأثير العلاقات المكسورة التي تحتاج إلى إصلاح أو تبديل.
مؤخراً يبدو أنّ علم الهندسة بفرعه التصميم الداخلي قد بدأ يعمل باتساق مع علم الطاقة وكيفية خلق المساحة الرحبة، يؤكد ذلك ما كتبته المهندسة العراقية (فاتن الصرّاف) في يوميّاتها (شجرة البمبر) عن دور المصمم الداخلي في تحسين الفضاء الذي يقوم بتصميمه، فالأمر ليس ببساطة إضافة لمسة جمالية على المكان، فالمصمم الداخلي يدخل إلى حياة الآخرين، ليعيد تشكيلها بشكل ينعم معه صاحب المكان بالرضا والسعادة والأمان.
لماذا يحتفظ الأشخاص بالكراكيب؟ 
تقول (كارين) بأن الكراكيب هي العنصر المادي من المشكلة، ودائماً هناك سبب أعمق. ومن هذه الأسباب:
- اعتقاد الشخص الذي يحتفظ بالكراكيب "بأنه ربما سيحتاج يوماً إليها" وهذا الاعتقاد ليس خاطئ تماماً فلابد من الاحتفاظ بكمية معينة من الأغراض التي تستعمل بصورة دورية، ولكن تبدأ المشكلة عندما تتراكم تلك الأغراض دون استعمالها تحت مبدأ "من يدري ربما سأحتاجها يوماً"، تعكس فكرة الحاجة للأغراض نوعاً من انعدام الثقة بالمستقبل. 
- الارتباط العاطفي ببعض المقتنيات، مثل تذكرة لفيلم أو مسرحية حضرتها قبل عشرة سنوات، هدية من صديق –أنا شخصياً أعاني من هذا النوع من التعلّق- فنحن نرتبط بهذه الأشياء القديمة ونتوحد معها، وسنعاني كثيراً قبل أن نتخلّص منها. لذا يشعر الناس بالحزن الشديد عند تعرّض منازلهم للحرائق وفقدان ممتلكاتهم، وكأنهم فقدوا شيئاً من كيانهم. هل سبق أن سمعت عن أمٍ احتفظت بملابس ابنها المتوفي؟ أو بغرفته على حالها لسنوات؟ أنا رأيت جدّتي تغلق باب غرفة ولدها الشهيد لسنوات حتى تمكنت أخيراً من فتحها والتبرع بملابسه.- بعض الأشخاص يحتفظون بالكراكيب بدافع رغبتهم في امتلاك الأشياء نفسها التي يمتلكها معارفهم وأقاربهم، كي يشعروا أنهم بنفس المكانة الاجتماعية معهم، تعويضاً عن الشعور بالنقص. أو لاعتقادهم بأن الكثرة هي الأفضل، وهي خدعة "الحاجة" التي تعتمد عليها الإعلانات فتدفعك لشراء شيء ما لست بالحقيقة بحاجته، فمثلاً هل يحتاج مطبخك إلى هذا العدد الكبير من الأطقم مختلفة الأحجام من السكاكين أو الملاعق أو الصحون؟
- حب التملك يجعل الشخص يرغب بامتلاك الشيء لكي يرضي نزعة الطمع داخله، ويربط سعادته بامتلاك شيء معين، ويعتقد أنّه إذا لم يمتلك هذا الشيء بالذات ستكون حياته ناقصة.
- البخل يدفع بعض الأشخاص للتمسك بالكراكيب حتى لو كانت بلا فائدة أو خردة تماماً، ولا يتخلون عن هذه الأشياء حتى يقتنعوا بأنهم قد قاموا باستخدام هذه الأغراض حتى تبلى، أو القدر الذي يشعرون بأنه يعادل القيمة المادية التي دفعوها للشراء، وينطبق ذلك حتى على الأشياء التي حصلوا عليها بلا مقابل.
- قد تأتي عادة الاحتفاظ بالكراكيب من الأهل إلى الأبناء تحت مبدأ احتفظ بالغرض لربما ستحتاج إليه يوماً عندما يصيبك الفقر ولن تتمكن من شراءه عندها. فلو كنتَ ولدت في ظروف ميسورة اقتصادياً وبعكس والديك اللذان عاشا فترة الفاقة، فسينقلان إليك الخوف من الحرمان والفقر. 
قلنا بأن الكراكيب هي العنصر المادي من المشكلة، ودائماً هناك سبب أعمق وداخلي، بالعودة للأخوين كولير: لم تكن حياتهما بهذه الغرابة منذ البداية، فقد عاشا لفترة حياة طبيعية، كان هومر يدرس القانون العسكري، أما لانغلي فكان يدرس الهندسة والكيمياء، وبعد انفصال والديهما، عاشا مع أمهما في الشقة إياها، توفي الأب الذي كان طبيباً تاركاً لهما إرثاً من الأجهزة والكتب الطبية، وبعدها توفيت الأم، عاشا وحيدين في الشقة. بدأت المشكلة عندما أصيب هومر بسكتة دماغية سبّبت له العمى. فتخلّى لانغلي عن عمله، ولازم أخاه. هكذا انسحب الأخوين عن المجتمع وعزلا نفسيهما في الشقة، لحماية نفسيهما من المنطقة التي بدأ يسكنها السود والفقراء، وشاع عنهما بأنهما يكدّسان الأغراض، وقد وضعا شراكاً للحماية ممن يقترب من شقتهما. اعتنى لانغلي بأخيه أشد العناية، ورفض الاثنان مراجعة الأطباء، كان لانغلي يطعم أخيه مئة برتقالة أسبوعياً، خبز أسود، وزبدة الفستق، باعتقاده إنّ هذه الحمية ستشفي أخيه من العمى، وكان يقرأ لأخيه كتب الأدب ويعزف له على البيانو السوناتات الكلاسيكية. في النهاية أصيب هومر بالروماتيزم فجعله المرض مشلولاً تماماً، مع ذلك كان يرفض مراجعة الأطباء. في هذه المرحلة، فقد الأخوان مصادر دخلهما، وأغلقت البلدية عنهما الخدمات لعدم دفعهما الفواتير، فقام لانغلي بصناعة مولد كهربائي خاص ورثاه عن العائلة، واستعمل مضخات المتنزهات العامة كمصدر للماء، ومدفأة نفطية قديمة لتدفئة المنزل. بدأت صحة لانغلي العقلية بالتراجع، فلم يعد يخرج من المنزل إلا في الليل، ليعود حاملاً شتى أنواع النفايات.
 كان يكدّس أغراضاً من قبيل عربات الأطفال، درّاجات صدئة، مسجّلات، قناني وعلب معدنية فارغة. كان يجمع آلافاً من الآلات والأقمشة، والكثير الكثير من كدس الجرائد لكي يقرأها هومر عندما يعود إليه نظره. بسبب عاداتهما الغريبة، دارت الأقاويل حول الأخوين، حتى إن جريدة النيويورك تايمز كتبت عنهما مقالاً في عام 1938، كُتب فيه أنهما رفضا عرضاً بقيمة مئة وعشرين ألف دولار مقابل بيعهما الشقة، وهذا زعم مزيف. 
ضمنت المقالة تلميحات عن كونهما جمعا الكثير من المال داخل الشقة. مما جعلهما تحت الأنظار وعرضة لمحاولات السرقة. فبنى لانغلي شراكاً للحماية، وبعد تعرض نوافذهما للكسر بالحجارة من قبل أطفال الحي، قام لانغلي بإغلاق النوافذ بالصفائح وإغلاق الأبواب بالأسلاك تماماً. 
رغم عزلتهما يبدو أن الأخوين كانا قد خزنا مبلغاً من المال للأيام العصيبة، فقد اشتريا الشقة المجاورة لشقتهما كي لا يسكنها السود بمبلغ سبعة آلاف وخمسمئة دولاراً (ما يعادل في وقتنا 120 ألف دولار تقريبا)، وعندما طالبهما المصرف باسترداد الشقة او تسديد دفوعات القرض السكني، دفعا مبلغ ستة آلاف وسبعمئة دولاراً (ما يعادل 104 ألف دولار في يومنا).
 في هذه المرحلة، أصبح البيت ممتلئاً بالنفايات لدرجة يصعب معها الدخول من الباب، وكانت النفايات تطفح من المنزل. كان الأخوان يعيشان وينامان في أعشاش صنعاها داخل كتلة النفايات تلك. شغل لانغلي وقته نهاراً بعمل الاختراعات، ومنها جهاز تفريغ داخل البيانو، وأيضاً شغل وقته في بناء الأنفاق خلال أكوام النفايات في المنزل، وبناء الشراك. في النهاية أتى حتفه على يد واحد من هذه الشراك التي بناها، تقول السلطات ان لانغلي تعثر عند مروره خلال أنفاق النفايات بواحد من هذه الشراك فمات، أما أخوه هومر فقد مات من الجوع لأنه ما عاد هناك من يقوم بإطعامه. بعد ثلاثة أشهر، تم هدم المنزل وهكذا تم التخلص من آخر دليل مادي على وجود الأخوين. أما موقع المنزل في هارلم فقد أصبح اليوم حديقة صغيرة سميت باسمهما.."

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي