رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 11 شباط ( فبراير ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2143

خدعة استثمار احتياطي البنك المركزي العراقي

الأربعاء - 16 كانون الثاني ( يناير ) 2019

علي الشرع
معظم البنوك المركزية في العالم تمتلك احتياطيات من العملات الصعبة والذهب وحقوق السحب الخاصة واستثمارات في سندات واذونات خزينة لبنوك دولية، جميعها تكون موجودة في خارج البلد. وكل تلك الاصول هي في الواقع استثمارات ماعدا حقوق السحب الخاصة مادام تكسب عائداً مهما قيل عن ان الهدف منها هو الحفاظ على قيمة الاحتياطي من التآكل. وهذه الاحتياطيات تُدّخر لوقت العسر والشدة في حالات مثل تعرض الزراعة في البلد الى التدهور بسبب الجفاف او عدم قدرة البلد على تصدير منتجاته (كالنفط) التي يعتمد عليها في الحصول على عائدات ضرورية لتغطية تكلفة الاستيرادات من المواد الغذائية خاصة، ولكن لها اهداف أخرى معروفة. 
وتختار هذه البنوك عادة تلك الأصول التي تمتاز بمواصفات مميزة أهمها ان تكون ذات درجة متدنية من المخاطر (او يمكن وصفها انها خالية من المخاطر كون العائد المستلم عليها هو خال من المخاطر وهو سعر الفائدة ما عدا الذهب) وذات سيولة عالية عند تحويلها الى أي اصل اخر عند الحاجة لبيعها لاسيما تحويلها الى النقود بحيث تقترب تكلفة وزمن تحويلها من الصفر. وهو اجراء طبيعي يشبه ما يقوم به الافراد العاديون حيث يقوم معظم الناس، ان لم يكن كلهم، باقتطاع قسم من ثرواتهم على شكل نقود ورقية (حتى اذا كانت موجودة في حساباتهم المصرفية) لتغطية احتياجاتهم اليومية في المقام الأول، ولتجنب الحرج والضرر في حالة الطوارئ كالمرض ونحوه. ولكن الفرق بين سلوك الافراد وتصرف البنك المركزي في هذا الخصوص هو عدم اهتمام الفرد كثيرا بمسألة الحفاظ على القيمة الحقيقية لنقوده الاحتياطية فضلاً عن الحصول على عائد عليها، ربما بسبب ان نسبتها الى ثروته او دخله قليلة قياساً بالمبالغ الضخمة للبنوك المركزية.  وما يؤديه هذا الاحتياطي الخاص بالبنك المركزي من أغراض يجعله خارج مجال تحليل تكلفة الفرصة البديلة؛ لكون قيمة ما خُصص لأجله تفوق قيمة العائد الذي تم التخلي عنه، فحين تحفظ حياة مواطنيك من الهلاك عندما تستخدم هذه الاحتياطي اذا ما مات الزرع وجفّ الضرع في سبيل استيراد الطعام، فقيمتها تكون لانهائية وغير قابلة للقياس.
ولكن ان تستثمر هذا الاحتياطي في أصول خالية من المخاطر كالسندات واذونات الخزينة وايداعات نقدية في المؤسسات المالية والبنوك المركزية مقابل عائد خال من المخاطر ( وهو سعر الفائدة) من اجل المحافظة على قيمتها وعدم تآكلها في حال حصول تقلبات في عوائد هذه المحفظة المنّوعة ، ففي هذه الحالة لابد من حساب تكلفة الفرصة البديلة حيث اننا نودع هذه الاحتياطي لدى هذه المؤسسات مقابل عائد لا يتجاوز 6% بينما تستفيد الاقتصادات التي تعمل فيها هذه المؤسسات من تدوير اموالنا واستثمارها وحل مشاكل السيولة الانية لديها بينما نحن نغرق في مشاكلنا. وهل سمعت  في يوم من الأيام ان البنوك المركزية خاصة للاقتصادات المتقدمة اودعت نقودها من العملات الصعبة في البنك المركزي العراقي ولو حدث هذا لما احتجنا الى الاقتراض، نعم قد يحدث ان العراق يصدر سندات دولية من اجل الاقتراض مقابل سعر فائدة يدفعه عليها لا تتجاوز بضعة مليارات- مع توفر ضمانات دولية لها- لسد عجز الموازنة وليس من اجل خلق قيمة إضافة في الاقتصاد عبر توجيهها للإقراض نحو القطاعات السلعية بحيث يكون عائدها يفوق سعر الفائدة الذي ندفعه لحاملي هذه السندات.
ولا يوجد نص قانوني يفرض علينا ان نضع جميع الاحتياطي في أصول خالية من المخاطر وذات سيولة عالية ونفضّلها على استثمار حقيقي خال من المخاطر ايضاً بعائد اعلى من سعر الفائدة، فكل ما يُقال عن كيفية التصرف بهذا الاحتياطي وحجمه هي مجرد اراء قابلة للتغيير. فليست كل الاستثمارات ذات العوائد التي تفوق سعر الفائدة الخالي من المخاطر هي بالضرورة ذات مخاطر عالية. ولكن مشكلتنا هو ان الاقتصاديين العاملين في البنك المركزي ومثلهم الأكاديميين هم مقلدون لاقتصادي الغرب وليسوا بمجتهدين فهم أسرى لتصورات أولئك واراءهم. فاذا قال الاقتصادي الغربي انه ليس من السليم المساس بالاحتياطي، تبعهم الاقتصاديون في بلادنا بهذا القول، واذا بدّل أولئك رأيهم بدّلوا. واذا قال الغربي ان الاحتياطي يجب ان يوضع في محافظ متنوعة تدر عائد خالي من المخاطر تبعناهم وطبقّنا قولهم، وكل تلك الآراء هي خدع قيّدتنا واثرت سلباً على حياتنا واضرت بمستقبلنا. فالاقتصادي الغربي لا يعلم مثلاً ان هذا الاحتياطي قد ينخفض ولا ينمو؛ لأن عائدات نفطنا يُستنزف منها سنوياً بمقدار اكثر من مليار دولار تذهب للاستهلاك عبر شراء الطاقة الكهربائية من دول الجوار لا تكفي حتى لتجهيز المنازل في حين كان من الممكن ان يستثمر البنك المركزي قسم من أمواله الاحتياطية في توليد الطاقة الكهربائية، وهو استثمار خال من المخاطر وذو عائد مرتفع يفوق على الأقل سعر الفائدة الذي نحصل عليه من الايداعات في الخارج ويوقف عملية تسرب ثروتنا الى الخارج. ويمكن للحكومة العراقية ان تدفع للبنك المركزي نفس سعر الفائدة من تاريخ الشروع بعملية الاستثمار هذه حتى لا يخسر عوائده فيما لو ادعها في الخارج مع ضمان أمواله من خلال الحقول النفطية على ان يقوم البنك في الاشراف على هذا الاستثمار ولا يمنحه لوزارة الكهرباء او لبنوك تجارية؛ لكون هذا هو استثمار في احتياطيه وليس قرضاً للحكومة. وهي بطبيعة لا تشبه من قريب او بعيد القروض المزمع منحها للمشروعات الصغيرة والمتوسطة من قبل البنك المركزي او القرض الممنوح للحكومة لتغطية انفاقها الجاري والبالغ 15 مليار دولار، فهذا النوع من الإقراض ينافي مهام البنك المركزي، وليس به نفع للاقتصاد وللمواطنين مثل حل ازمة الكهرباء في البلد التي ستخلق قيمة مضافة كبيرة تمتد الى جميع القطاعات وستحل لنا عدة مشاكل في ان واحد لا سيما تقليص البطالة، وتنمية الصناعة. ولو كانت مليارات المبادرة الزراعية أتت ثمارها وحققنا الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الزراعية والمنتجات الحيوانية ولم تذهب هدراً لزالت عقدة الخوف من احتمال نقص المعروض السلعي من المواد الغذائية خاصة، ولقللنا النظر صوب هذا الاحتياطي، بل ولزاد تراكمه؛ لأن نسبة كبيرة من عائدات النفط تذهب لسد العجز الكبير والمستمر بالمعروض السلعي من المواد الغذائية. 
وحتى لا تحدث هزة وخوف في السوق المحلي ولإشاعة روح الطمأنينة لدى المؤسسات المالية الدولية، فليستثمر البنك المركزي مبلغاً محدداً هو عبارة عن الفرق بين مبلغ الاحتياطي الكلي البالغ حاليا 60 مليار دولار والمبلغ الذي يغطي الكتلة النقدية بالدينار البالغة تقريباً 43 مليار دولار، وهذا الفرق يساوي 17 مليار دولار تقريباً. وليس من الواجب على البنك المركزي ان يحتفظ باحتياطي يفوق عرض النقد بالعملة المحلية. وهذه الـ 17 مليار دولار تحتسب كاستثمارات للبنك المركزي في قطاع الكهرباء وتحسب له ضمن الاستثمارات الخاصة به حتى يسترد قيمتها كلياً من الحكومة لاحقاً. وسمعة البنك المركزي لن تتضرر بسبب هذا الاستثمار بسبب وجود الضمان من الحكومة أولاً، ولن يحدث أي اضطراب في السوق ما دامت عائدات النفط مستمرة، وسيستمر معها تزويد السوق المحلي بالسيولة الكافية من الدولار من اجل تغطية الاستيرادات بنفس المستوى السائد. وهذه المخاوف ممكن ان تكون مبررة في اقتصادات ليس لديها عوائد متدفقة مثل عائداتنا النفطية.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي