رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 11 شباط ( فبراير ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2144

السيرة الذاتية فـي روايات زيد الشهيد

الأربعاء - 16 كانون الثاني ( يناير ) 2019

وصال طارق*
نحا مؤلفنا (زيد الشهيد) في رواية (فراسخ لآهات تنتظر) منحى السيرة الذاتية ورسم تجربته الشخصية المغتربة وجعلها فرصة تحدٍ ابداعي جديدة له. فعمد (الشهيد) الى العناية البالغة بهذه السيرة تخطيطا وكتابة، لانجاز نص سير ذاتي ينتمي الى عائلته الروائية، فضلا عن مركزيتها المرجعية لاضاءة مناطق معتمة في ارضه الروائية. كذلك جعلها شهادة سياسية على انتهاكات السلطة ورموزها الحاكمة في فترة ما من الزمن وكيف اصبح المثقف العراقي محاصرا فكريا. فهو يلقي الضوء على ازمة الفئة المثقفة في ظل واقع قسري مهيمن ممثلا بالحروب والسلطة العنيفة والحصار الاقتصادي. وقد استخدم المؤلف لسيرته الذاتية في الرواية، اسما مستعارا بدلا عن اسمه الحقيقي. فقد اختار لهذه الشخصية اسم (مبدر داغر)، فقد كان بطلنا (مبدر داغر) شاعرا وكاتبا متمردا على السلطة في كتاباته. السلطة التي تمنع ليس الكلام وحده، بل حتى التفكير. لذلك قرر السفر خارج العراق "ها انا اخرج من جديد ابرح مواطن الدفء، مخلفا ورائي جبالا متزاحمة من التهالكات، حاملا على كاهل الروح رغاوي متناسلة من الكوارث المتهافتة والحروب الخاسرة والاسى المهول، ويستمر (مبدر) في سرد قصته فيصف لنا مشقة الطريق قائلا: " كان الطريق من بغداد الى عمان شاقا ومرهقا وثقيلا. والشاب الذي يجالسني المقعد بشعره الاكرد القصير صرف الساعات نائما أو متظاهرا بالنوم؛ وحين بانت أنوار طريبيل الصفر اللاهثة سمعته يسألني:
- هل مازالت الحدود بعيدة؟
- نحن على مبعدة خمسة كيلومترات ... ألا ترى الأنوار؟.
هذه الأحداث التي يسردها الراوي هي نفس الأحداث التي مرت بمؤلفنا (زيد الشهيد) بعد نشره قراءة إشكالية بعنوان (أسفل فنارات الوقيعة) وهي عبارة عن مجاميع قصصية ثلاثة تم نشرها في مجلة ألف باء البغدادية، بعدها شعر بملاحقة أجهزة النظام له، ورصد تحركاته لاعتقاله، ليهرب وعائلته إلى عمّان ومن عمّان إلى ليبيا.
فالكاتب يميل إلى البوح في روايته ليحيل جزءا كبيرا منها إلى مفهوم السيرة الذاتية، فهي سيرة تتعلق بوعي الذات لكنها لا تبارح واقعها، فبقدر ما تعلنه كتابات السيرة
" عن معتقدات كتابها ومساعيهم لتبرير جهودهم الخاصة لتحقيق تحولات شخصية عامة، فانها غالبا ما تفصح أيضا عن مزاج ما لمرحلة قلقة مابين عالمين، احدهما يحتضر الآخر يعجز عن الولادة. وبعد خروج (مبدر داغر) من العراق شعر بالغربة والضياع، فبدأ بالبحث عن (نجاة) حبيبته التي فقدها. والتي استعملها الروائي رمزا للعراق الجريح كما اشرنا سابقا في الفصل الأول. فأخذ قلبه يخفق بشدة لها فيناجيها قائلا: " إيه نجاة ... ها أنا امسك الحرية من عنقها واندفع لاحتضان بهاء كاد أن ينطمر تحت ركام الآهات... ها أنا أرى نفسي سجينا منحته قدرة خارقة هوية الانصراف بلا عوائق ولا مقيدات ولا نقاط تتحرى الهوية وتبحث عن ومضة حب للوطن والأهل لتكون مستمسكا وجريرة تعيدانني إلى براثن الأسر والملاحقة
اليومية ... قلمي بيدي والصور المتلاحقة الغائرة في شتات الذاكرة تمنحني فيضا دافقا للكتابة، وما عليّ سوى البحث عنك آآآ. أين أنت؟.
يلاحظ أن الروائي في هذا الخطاب يقف على جبل من التهالكات والإخفاقات، ملطوما بكف الضياع والتشرد، لذلك نرى البوح والإفضاء محكوما بالتشرذم والتشظي بكشف وعرض حاله الواقعي، لأنها السجية التي يفرش فحواها فلا يريد القفز بأرجل الكذب فوق جمر الواقع ولظى الحقيقة دون أن يعرض ألمه. فبدأ العراق مركزا لذاكرة الراوي والبطل (مبدر داغر) وذلك بنقل الصراع مع السلطة إلى خارج العراق مما يدل على وعي الكاتب في معارضته للسلطة. إذ نجد إن زاوية السرد تتغير ويتغير معها الصوت السارد، من سارد خارجي يصف عن بعد إلى راوٍ من داخل الحدث ممثلا بشخصية (مبدر) وكان ذلك واضحا من خلال التداخلات الصريحة بين حياة بطل الرواية وحياة الكاتب. من تعرض للسلطة والسفر والعمل في مجال الكتابة الأدبية وغيرها. فنحن لا نقرأ بذلك أحداثا سردية متلاحقة بل نشاهدها أمامنا. وهذا يؤكد القصدية الواعية للكاتب للتعبير عن أحداث خاصة وعامة يريد لها أن تشاهد علانية، وهو أسلوب يذكرنا بنصيحة الروائي (فورد مادوكس) التي جعلها الروائي الانكليزي (جون برين) أساسا مهما في كتابه (كتابة الرواية) الذي هو خلاصة تجربته، وهو يؤكد على الكتاب " اكتب دوما وكأن أحداث روايتك تجري أمام عينك على خشبة مسرح باهر الإنارة.
يتذكر (مبدر داغر) وهو في غربته أحداث قد مرت به وعاشها قبل سفره، ويعود بذاكرته إلى أيام الصبا والشباب. فيتذكر أصدقاءه (كمال) و(عبد الرحمن) حين كانوا يتقافزون كالقطط عندما يتجهون صوب الفرات للسباحة وان عودتهم تلك كانت تستدعي قارورة بيبسي وحفنة كعكات لان العطش والجوع سيهدّانهم بعد النهر. ويتذكر أستاذ (ناهض) مدرس اللغة العربية ذلك الأستاذ المولع بالمتنبي الذي كان يدلنا على ما نريد أن نقرأ. فهو الذي دلنا على (بوشكين) و (والت ويتمان) الشاعر الأمريكي الأممي وأرشدنا إلى رواية (كيف سقينا الفولاذ) للروائي (نيكولاي ستروفسكي).
* مقتطفات من رسالة ماجستير بعنون (الشخصية في روايات زيد الشهيد) قيد الطباعة والنشر.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي