رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 20 اب( اغسطس ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2257

فيلم ثلاثة وجوه للمخرج جعفر بناهي أنموذجا

الخميس - 17 كانون الثاني ( يناير ) 2019

د. عمار إبراهيم الياسري*
في منتصف ستينات القرن المنصرم ظهرت السينما الثالثة، وقد بانت تجلياتها في دول أمريكا اللاتينية لتنتقل بعدها إلى دول العالم الثالث في أفريقيا واسيا، بيد أنها أخذت تسميتها من تسمية تلك الدول، وفي ظل تحولات أيدلوجية شديدة الاختلاف عن المزاج السينمائي الشائع في الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا ، إذ عملت على رفض نموذجين سابقين، الأول هو النموذج (الهوليودي) بدعوى أنه نموذج يجعل من تحقيق الأرباح همه الأول من جهة ، وصناعة النموذج الأمريكي الذي لا يقهر من جهة أخرى ، أما النموذج الثاني هو السينما الأوربية التي تعلي شأن التعبير الذاتي الفردي سعياً وراء خلق نموذج نخبوي للتلقي السينمائي. 
 وكان وراء فكرة السينما الثالثة اثنان من السينمائيين الأرجنتينيين هما (فرناندو سولاناس) و(أوكتافيو جتينو) إذ نشرا في ستينيات القرن المنصرم بياناً تحت عنوان نحو سينما ثالثة،  وينقل (بول نيكولز) في كتابه أفلام ومناهج ان  كلمات (فرانز فانون) (يجب أن نناقش.. يجب أن نبتكر)  تصدرت مطلع البيان الذي أراد من السينما أن تكون سلاحاً ضد الاستعمار والتمييز العنصري والعرقي، أما باقي محتويات البيان فقد دعت إلى ضرورة خلق نظام جديد لصناعة الأفلام يتعلق بالإنسان المهمش وقضاياه المصيرية، فهي سينما التحرر والتمرد والثورة ضد السلطات المستبدة كلها، وكذلك وضع نظام لتوزيع الأفلام وعرضها، فضلاً عن التخلص من القاعات التجارية في المدن والبحث عن وسائل جديدة للعرض مثل الكنائس والمصانع والساحات الشعبية والقرى .
 أن روح التمرد والثورة التي حملتها السينما الثالثة جعلتها ترفع سلاحا فكريا مختلفاً اجترحته من فلسفتها وهو "أنا اصنع الثورة، إذن أنا موجود" كما يرى ، إذ أن المهمش الإنساني  وبكل الحيف الذي وقع عليه من استعمار و(ديكتاتوريات) وفقر وظلم لابد أن يقول قولته التي يضرب بها المراكز السلطوية، ليصبح الخطاب السينمائي وسيلة من وسائل التمرد والثورة، أذن نحن قبالة سينما الثورة التي تعد سينما هدم وبناء في الوقت نفسه، بمعنى هدم الصورة التي خلقها الاستعمار الجديد عن نفسه وعن من وقع عليهم حيفه ، ومن ثم بناء للواقع الحي الذي لابد أن يسترد الحقيقة بأي طريقة، وقد تجلى ذلك في سينما البرازيل والأرجنتين وشيلي وغيرها من دول أمريكا اللاتينية التي تبنت مفهوم السينما الثالثة ضمن خطابها السينمائي.
 ومن تجليات السينما الثالثة في أمريكا الجنوبية سينما (نوفو) البرازيلية التي عكفت على طرح القضايا الفكرية في السينما، مثل الاستعمار والبحث عن الهوية والبطالة والجريمة والتخلف، أما على صعيد الأسلوب فقد نادى أقطاب هذه السينما كما يرى (نيكولز)  "بإنتاج أفلام بأرخص التكاليف، من خلال التصوير في الأماكن الحقيقية للأحداث بدل الاستوديوهات والديكورات البالغة التكاليف، واستخدام الممثلين من المواطنين العاديين من سكان تلك المناطق، واستخدام الكاميرا المحمولة الخفيفة، وتسجيل الصوت المصاحب للحدث بدل تسجيله في مرحلة لاحقة ، وهذا الأسلوب استمده أصحاب سينما (نوفو) من الاتجاهات الواقعية مثل الواقعية الايطالية والسينما المباشرة وغيرها ولو بشكل غير مباشر .
 يعد (جلاوبير روشا) أحد أهم منظري ومخرجي سينما (نوفو) البرازيلية الذي يرى أن السينما وسيلة من وسائل الخلاص من الاستلاب الوجودي الذي فرضته القوى الكولونيالية والدكتاتوريات الداخلية وما تخلفه من ظلم وفقر ومرض ، ويرى أيضا أن )استطيقا) العنف لا تعبر عن الهمجية بقدر ما تعبر عن نزعة ثورية ممكنة، فهي اللحظة الأولى التي يعي فيها المُستعمر وجود من يستعمره، فعندما يواجه بالعنف يفهم المُستعمر عبر الهلع الذي ينتابه قوة الثقافة التي يستغلها، وما دام لا يحمل السلاح  سيظل المٌستعمَر عبدًا، وقد كان من اللازم أن يقتل الشرطي الأول حتى يعي الفرنسيون وجود الجزائريين كما ينقل (بدر الدين احمد) في بحثه السينما أداة للتمرد والمقاومة ، في حين يرى الفيلسوف الفرنسي (جيل دولوز) في كتابه الصورة الزمن من إن الامتياز الحقيقي لسينما (جلاوبير روشا) يتمثل في ربطها ما هو اجتماعي _ سياسي بما هو فني ، ولأن العالم الثالث قد خضع لفترات طويلة للاستعمار سواء من الخارج أو الداخل، لذا فإن سينمائيي هذا العالم قد تحملوا عبء مواجهة ومقاومة هذا الاحتلال عبر خلق لغة جديدة تتجاوز ما هو سائد ، وهنا نستطيع القول أن طروحات (جلاوبير روشا) تقترب كليا من المنظر (فرانز فانون) الذي يرى العنف بكل أشكاله هو أحد وسائل التعبير الأصيل لشعب جائع، وقد تكون السينما وسيلة ناجعة لتوصيل كل ما تصبو اليه ، وقد كانت تلك الطروحات واضحة في الخطاب السينمائي للزنوجة وما بعد الكولونيالية وغيرها.  ضمن عروض مهرجان كان لعام 2018 عرض الفيلم الإيراني ثلاثة وجوه للمخرج الممنوع من العمل والسفر (جعفر بناهي) وقد حصل الفيلم على جائزة أفضل سيناريو المهرجان ، ولو فككنا الفيلم من اجل تبيان تمثلات الرفض والاحتجاج فيه ، نجد أن المتن الحكائي يدور حول مقطع فيديو يعود لفتاة تحب التمثيل والسينما هي (مرضية) مثلت الانتحار داخل احد الكهوف بعد أن تجاهلت قدوتها الممثلة الإيرانية المشهورة (بهناز جعفري) التي تؤدي الدور بنفسها الرسائل الكثيرة التي بعثتها الفتاة من اجل مساعدتها في إقناع أهلها وقريتها بممارسة التمثيل ، وحينما تعجز من ذلك تفتعل انتحارها من خلال هذا التصوير، ثم ترسله من خلال صديقتها (مائدة) إلى (جعفري) على برنامج الانستغرام ، وحينما تشاهد (جعفري) الفيديو مع زميلها المخرج (بناهي) الذي يؤدي الدور بنفسه يقرران البحث عن الفتاة في قريتها ، وتمضي الأحداث ليكتشفا أنها لم تنتحر ؛ بل افتعلت ذلك بعد أن يئست واشتدت معارضة الأهل والقرية لها ، فتوبخها (جعفري) وتتركها وتسافر متجاهلة توسلات الفتاة ، وفي طريق العودة تقف السيارة منتظرة مرور سيارات قادمة في الطريق الموحش ، عندها تترجل (جعفري) لإكمال بعض من طريق العودة مشيا ، لنسمع بعدها صرخات نداء الفتاة على السيدة (جعفري) ثم نشاهدها تركض محاولة اللحاق بها وسط نهاية مفتوحة تعانق الأفق ، وفي وسط الحكاية الرئيسية هناك حكاية فرعية للمطربة المنعزلة (شهرزاد) والمنبوذة من قبل أهالي القرية بسبب تاريخها الفني ، أما المبنى الحكائي للفيلم فقد جاء بناؤه بشكل تتابعي ، إذ أن الأحداث لم تشهد حكاية موازية للحكاية الأصلية . وبعد أن استعرضنا المتن الحكائي والمبنى الحكائي يجد المتلقي نفسه قبالة نسقين متحايثين متعاضدين ، الأول تقني فني جمالي والثاني فكري ايدلوجي ، ففي النسق الأول اشتغل المخرج على صناعة سينما متقشفة عمد فيها إلى محاكاة السينما الثالثة والمدارس الواقعية لاسيما الواقعية الايطالية من خلال استخدامه في بعض الأحيان كاميرا محمولة متنقلة معه على طول الطريق إلى القرية وفي داخلها أيضا ، فقد كانت ذات لقطات طويلة وكوادر مهتزة ، ولو تابعنا المشهد الأول الذي خاطبت به (مرضية) صديقتها المقربة (مائدة) طالبة منها إرسال هذا التسجيل الفيديوي إلى السيدة (جعفري) نلحظ استخدام كاميرا الهاتف النقال بطريقة تصوير (Selfie) ، كان الكادر فيه مهتزا من زاوية منخفضة ، وقد عمد المخرج إلى استخدام الزاوية المنخفضة هنا ليعبر عن قوة الشخصية ، فالفتاة تحمل من الموهبة والثقافة والنجاح ما تفخر به على الرغم من النسق الذكوري السلطوي الذي يحاول تقويض ذلك ، في حين كان التصوير والاهتزاز يشي بالواقعية المنشودة وشيء من تقانات السينما الثالثة ، وفي المشهد الثاني الذي يجمع البطلة (جعفري) مع المخرج (بناهي) في السيارة وهما في رحلة الطريق الطويل والوعر إلى قرية الفتاة نلحظ أن المخرج استخدم اللقطة الطويلة لزمن تجاوز العشر دقائق تابعت فيه الكاميرا (جعفري) أثناء جلوسها في السيارة ثم نزولها وعودتها من زاوية مستوى النظر ، في حين أن صوت صديقها المخرج كان يسمع دون ظهور صورته على الشاشة ، والحال ذاته تكرر في مشاهد أخرى من الفيلم وهذه التقانة من اشتغالات السينما الثالثة والواقعية أيضا.ولم يستخدم المخرج في مشاهد الفيلم المتنوعة أي نوع من العدسات التي تساعده في بنائه الصوري مثل (Wide angle) أو (Micro) أو (Fish eye) من اجل التقاط أي تفاصيل ؛ بل أعتمد النظرة الواقعية الطبيعية ، في حين كانت الإضاءة الطبيعية هي السائدة في الفيلم وهذا ما تجلى في المشهد الثاني حينما كانت الممثلة مع المخرج في السيارة ، إذ اعتمد على الضوء الخافت للسيارات المارقة مما جسد لنا القلق النفسي الذي تعاني منه الممثلة ، أما الأمكنة الواقعية المتعددة في الفيلم ، فقد جسدت الأحداث بكل دلالاتها الفرعية مثل التسلط والرجعية والتهميش ، فالسيارة هي ذاتها سيارة المخرج والطرق هي ذاتها والحال ذاته ينطبق على بيوت القرية ، فقد صور الفيلم في إحدى القرى الإيرانية دون علم السلطات على حد قول المخرج الممنوع من الإخراج والسفر ، ليتحول المكان إلى دلالة شمولية تشي بالرفض بكل تجلياته الواقعية ، كما وظف المخرج بعض الشخصيات الحقيقية من أهالي القرية في التمثيل لأول مرة .
إن الاشتغالات التقنية والفنية التي تجسدت من خلال عناصر اللغة والسرد ضمن شكل واقعي ضابط اقتطع من الواقع ما هو مشاكس وناقد يقارب ما ذهب إليه المنظر السينمائي الفرنسي (أندريه بازان) في كتابه ما هي السينما حينما وصف هذا الاشتغال الجمالي بالبصمات التي تترك أثرها على السليلويد ، وهو اشتغال زخرت به التيارات الواقعية مثل الواقعية الايطالية وسينما (نوفو) والسينما الثالثة وغيرها.
أما النسق الثاني هو النسق الفكري الايدلوجي ، فمنذ المهادات الأولى للواقعية الملحمية والاشتراكية والايطالية وصولا للسينما الثالثة ، عملت هذه التيارات إلى تبني خطاب فلسفي يقترب من إرهاصات الإنسان المستلب من اجل تقويض كل القيود التي عملت على استلابه ثم اغترابه ، فقد تضمن الفيلم عدة انساق اشتغلت على الرفض والتمرد لكل السلطات المركزية ، إذ يرى الفيلسوف الألماني (نيتشه) أن الإنسان المعاصر وقع تحت سيطرة عدة سلطات منها سلطة الدين وسلطة المجتمع والسلطة الحاكمة التي حولت الذات الإنسانية إلى آلة صماء تطيع كل قوانينها ، ولابد من تقويض هذه السلطات الشمولية التي تحاول تعليب الإنسان وترويضه ، فكيف إذا كان الإنسان المستلب هو المرأة التي وقعت تحت سطوة نظام بطرياركي أبوي كما في فيلم ثلاثة وجوه قيد الدراسة ، ففي المشهد الأول نلحظ أن البطلة (مرضية) حينما كانت تحدث الممثلة (جعفري) عبر الشريط الفيديوي تقول (نبذتني عائلتي وحتى عائلة خطيبي) بعد علمهم بحبها للسينما ورغبتها في أن تصبح ممثلة ، ومن خلال الحوارات الأولى في هذا المشهد ندرك مقدار الوصاية الأبوية الاجتماعية التي فرضت قوانينها الصارمة التي تمنع ولوج النساء إلى حقل الفن عموما والسينما خصوصا ، وهذه الوصاية مردها الحمولات المتواترة الراسخة للوعي الجمعي لدى رجال القرية والتي وضعت الظهور الاجتماعي والفني للمرأة تحت طائلة العيب والحياء ، وهنا يوجه الفيلم رسالة إلى كل المتزمتين بضرورة كسر هذا (التابو) المهيمن في الوعي الجمعي ، فبسببه اضطرت الفتاة إلى تمثيل كذبة الانتحار ، وهذا ما تجسد بصريا في المشهد الثامن الذي شاهدنا فيه وصول المخرج والممثلة إلى القرية وسؤالهما عن الفتاة ، فقد جوبهوا بالرفض والسخط بل تطور الأمر إلى الشتيمة من قبل شقيق الفتاة حينما قال (هذا  معهد دراسة قذرة). 
في حين كشف المخرج التسلط الديني المرتبط بالخرافة في المشهد السادس الذي نرى فيه السيدة العجوز نائمة في القبر وهي تضع قربها الفانوس ، وحين سألها المخرج عن سر نومها بالقبر مع الفانوس ، ترد عليه من اجل أن أنير قبري كي تهرب الثعابين التي تفترس الجسد المذنب بعد دفنه ، وحين يسألها المخرج عن ذنوبها ترد بعدم علمها بالذنوب التي قامت بها ، أن هذه الأفاعيل التي روج لها رجال دين منتفعين غير واردة في الأدبيات الإسلامية ، وأن الغرض من جعلها تصرفا جمعيا جاء من اجل مركزيتهم المرتبطة بكل شيء ولابد للإنسان أن يكون تحت هذه الوصاية مهما كانت طروحاتها اللاهوتية .
 وقد تجلى التسلط الحكومي في عدة مشاهد أبرزها السرد الفرعي لحكاية المطربة (شهرزاد) التي عانت من الإهمال والسخط من قبل الحكومة التي تنظر إلى الغناء ممارسة مرفوضة اجتماعيا ودبنيا ، فكيف وهي التي كانت تغني في العديد من الأفلام والحفلات قبل الثورة ، وقد تجسد رفض شهرزاد المهمشة للأخر المتسلط من خلال حوارها الذي تنقله الممثلة (جعفري) حينما تصف كل الرجال بأنهم اقصائيين للأخر بما فيهم المخرج (بناهي) بعد أن علمت بوجوده (الجميع يشبهون بعضهم البعض) كما يتضح ذلك في المشهد السابع عشر ، وقد تحول هذا الرفض والتمرد إلى فعل مضاد تجسد من خلال عزلتها وميلها إلى الرسم ، فالرسم هنا دلالة فاعلة ، تشتغل على أنتج صيرورة جديدة لعالم وحشي تحاول المغنية (شهرزاد) أن تشذبه من خلال إعادة صياغته بواسطة الرسوم المتنوعة كما نلحظ ذلك في المشهد السابع والعشرين. 
فيلم ثلاثة وجوه عبر عن تجليات الرفض والاحتجاج بشكل مائز ، وظف به المخرج (جعفر بناهي) طروحات السينما المتقشفة وهي تصرخ بالكوجيتو الذي اجترحته لنفسها (انا اصور أذن أنا موجود) الذي سيصبح ذات يوم (أنا اصور أنا اصنع الثورة) كما ردد ذلك قبله رواد السينما الثالثة قبل عقود.
* ناقد وأكاديمي

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي