رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 17 نيسان( ابريل ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2183

توازن الحكومة وشوكية المرور

الخميس - 17 كانون الثاني ( يناير ) 2019

عبدالعظيم البدران

في الطريق المؤدية الى وزارة التعليم ثمة حكاية تتكرر فصولها مع كل صباح، ففي تلك الطريق الواصلة بين تقاطع ساحة الواثق وجسر ملعب الشعب تزدحم السيارات ذهابا وإيابا وعلى بعد امتار من مدخل الوزارة المحاط بالصبات الكونكريتية تقف رافعة شوكية تابعة لشرطة المرور تقطع الطريق الذاهبة باتجاه الجسر، دون ان تعرف الاسباب الموجبة لذلك بعد!! ولا احد يجيب ان خامرك السؤال عن سبب القطع وعلة الازدحام، فرجل المرور الذي يقود العجلة تلك قد ترجل الى مكان بعيد مستمتعا بمنظر السيارات المزدحمة وابواقها المنفرة.
المشهد المتكرر في ساعات الذروة كل صباح، يجبر الموظفين ممن تقع دوائرهم على بعد امتار من الشوكية الى العودة واتخاذ طرق بديلة تستنزف الوقت والجهد، فيما قد تفتح ابواب القطع على وفق المزاجات والقناعات التي تتركها طبيعة العجلة والشخصية التي تستقلها!!
مشهد كهذا لا يجد مبررا فعليا او منطقيا وراء ممارسته، وقد لا يكون المشهد اليتيم في العاصمة بغداد او المحافظات الاخرى، فثمة ممارسة اخذت طريقها لتأسيس ما يشبه العرف الاجتماعي ومن ثم صارت موضع قبول وإذعان المواطن حتى وان خالف ذلك ابسط حقوقه وناقض التعاريف المنطقية لوجوده كمواطن او الاجهزة الخدمية التي يفترض ان يكون وجودها طوعا لخدمته!! فالشرطة او اجهزة الامن عموما تلك التي ترفع شعار كونها في خدمة الشعب وأنها العين الساهرة على حمايته قد تتخذ من ذلك مبررا لممارسة سلطات علوية في السلوك توجب ان يقوم المواطن نهاية الامر برعاية وتوفير الحماية اللازمة في ادوار معكوسة تماما، ومثال ذلك قد ينجر تباعا الى تبرير مختلف السلوكيات المؤسسة تحت هذا العنوان.
الامر هنا، يبدأ  من رؤية المجتمع لطبيعة الادوار السلطوية ومكانتها ومن ثم شكل الانظمة الادارية المترتبة على وفق ذلك، فنموذج الاب الصارم المسيطر القاهر واجب الاحترام والتبجيل لا يجد مصداقه في العائلة وحسب، بل هو نظام حياتي عام يتعرض له مختلف قطاعات الشعب بشكل يومي، فالمراجع على سبيل الفرض يجد نفسه مديونا للموظف خاضعا لسلطته مع ان الاخير يؤدي تلك المهمة مقابل اجر معين، ومثل ذلك سلطة المسؤول مقابل الموظف نفسه الذي يتنازل عن دوره الابوي العلوي، وكذلك مختلف المهن والطبقات والشرائح التي تراها تدين لبعضها البعض على وفق سلطة ابوية قاهرة.
من هنا بدأت حكاية العجلة الشوكية وعدم القدرة على الاستفهام عن مضمون وجودها، فبعد ان تعرض افراد حماية احد المسؤولين لشرطة المرور اثناء تأدية واجباتهم وجاء موقف الحكومة السابقة بانزال العقوبة بالمعتدين وتكريم الشرطة بالنحو الذي عكسته وسائل الاعلام، وبدل ان يكون ذلك حافزا على الالتزام بالقانون وتطبيق مفرداته والمحاسبة على ضوئها، باتت كل الممارسات الرسمي منها والشخصي ضمن دائرة القانون، فقد اسهمت تلك المسألة في اعادة تكوين النظام الابوي وتركيب مجاله على نحو اخر مختلف تحولت بموجبه الطبقات وتبدلت الادوار، وبات من الصعب جدا الاستفهام  عن بعض السلوكيات التي فرضوها ويفرضها رجال المرور.
الامر برمته يشير الى ان الدولة حتى الان غير موفقة في ايجاد حالة التوازن في الدعم، ومنح الصلاحيات ورسم الادوار والوقوف وراء حمايتها، فهي غالبا ما تقع ضمن فخ التفريط او الافراط، الامر الذي يستتبع تلك السلوكيات بتكوين نظام ابوي صارم يؤسس لطبقات ويسحق اخرى وهو ما ينعكس على صورة الدولة وحالة القبول والرضا الاجتماعيين. وتبعا لذلك يبدو من غير المجدي ان تسأل من شرطي المرور –إن اتيحت لك فرصة السؤال وهي تكاد تكون معدومة- عن السبب وراء قطع الطريق وايقاف عجلتهم الشوكية بالشكل المنفر هذا!!

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي