رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 11 شباط ( فبراير ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2143

شباك التذاكر وتأثيره على صورة المرأة فـي الفلم السينمائي

الأحد - 20 كانون الثاني ( يناير ) 2019

بغداد ـ العالم
ان الاصوات المنادية بأهمية اقتصاد السوق تشتغل على شعار "انك تروج لبضاعتك حتى لو حملتها ميزات ليس فيها حتى تجعل المستهلك يقتنيها دون حاجة لها ونظرة فاحصة الى خزائن الملابس في بيوتنا وملابس النساء على وجه الخصوص فسوف ترتاع من كمية الملابس الزائدة التي لم تستعمل إلا مرة او مرتين وبعضها لم يستعمل إطلاقا والدافع الاساسي لشراء هذا الكم من الملابس الزائدة كان اقتصاد السوق بما فيه من دعاية زائدة وإعلانات مبهرجة تضاف اصلا الى سعر المنتج. ان هذه الخزانة التي تفحصناها موجود مثلها في كل بيت يستطيع الشراء وبأسعار في مقدور كل طبقات المجتمع، فهناك ملابس (الشموا) الاصلية التي يستهلكها الاثرياء وهنالك (شموا) للفقراء وهي قطعا مصنوعة من مواد كيماوية متعددة رخيصة الثمن". 
ما مدى انطباق مثل هذا الكلام على السينما وكيف تسترجع الشركات السينمائية العملاقة ما استثمرته من اموال في أفلامها لاشك ان الجواب على هذا السؤال هو من الاتساع والتفاصيل مما لا يسعنا المجال هنا ولكن الملاحظة الرئيسية هنا كيفية ترويج هذه الشركات لبضاعتها ألسينمائية وفي الترويج تفاصيل كثيرة لا يمكن ان تخطر على بال ولكن الاساسي منها كيفية تلميع صورة النجم السينمائي وجعله وثناً معبودا من قبل ملايين المستهلكين على جانب خط الاستقراء في الكرة الأرضية ولن نتطرق الى النجم الذكر ولكننا سنتقيد بموضوعة البحث ألا وهي ثيمة المرأة. ويبدو ان طبيعة الانتاج بنمطية معالجاته للشخصية النسوية قد قيد نفسه بنفسه بحيث اصبح اسيرا لجمهوره، لان الجمهور نفسه استوعب ان ثيمة المرأة في الفلم السينمائي لابد ان تكون حسب مواصفات شركات الانتاج التي صنعته، لانه اي الجمهور قد ادخل انماط المرأة - الفلم في القالب الاستهلاكي الذي صيغت بموجبه.
 ويؤكد ادغار موران : ان هذا الواقع مرتبط بتطور واتساع الجمهور السينمائي ولقد عززه السعي نحو اقصى درجات الربح: كان زيادة عدد الموضوعات (الحب، المغامرات، الهزل) داخل الفلم الواحد تنحو للاستجابة الى اكبر عدد ممكن من المتطلبات المتفرقة، بمعنى انها كانت تتوجه الى جمهور شمولي، وشيئا فشيئا بدأ نظام النجوم يقفل نفسه على نفسه، واصبح هذا النظام يهيئ ويعيد ويقترح صورة المرأة في الافلام، وهو نظام مرتبط اساساً بالنظام الرأسمالي، وخصائص هذا النظام خصائص اقتصادية أساسا فلا مكان للأفكار النبيلة او المرأة النموذج وإذا وجدت فإنها تكيف لتبقى في حدود هدف الرأسمالية في السيطرة على اقتصاديات السوق، وإذا رأينا ان صورة المرأة في الفلم السينمائي تخضع لعملية تصنيع بمعنى الكلمة، فهنالك نماذج لا بد ان تكون في المرأة النجمة اولا ومن ثم تصنع الثيمات لتتوافق مع النجمة وليس العكس وكلنا يتذكر كيف ان الموسيقار محمد عبد الوهاب طلب من مخرج افلامه ان يضع له فلماً اسمه الوردة البيضاء لان هذا العنوان أعجبه وليس مهما ما سوف يكون عليه الفلم. ومن هنا فان المعادلة عكسية فليس هنالك احلام لدى الفرد يريد ان يحققها ولكن هناك احلام السينما وأحلام النجم وأحلام الثيمات الموجودة داخل هذه الأفلام وما على المتفرج إلا ان يدخل في حالة من التخدير الشامل.
ليسمح للآخرين ان يحلموا بدلا منه ولذا فان المجتمع الاستهلاكي لا يريد منا مفكرين بل جمهورا امتثاليا يبتعد عن التفكير والحلم والتعبير طالما ان النموذج- كما في بحثنا- هي المرأة المشتهاة التي من الممكن تعميمها لكي تسكن اذهاننا وتصيح هدفا لنا في حياتنا، وبما ان جمهور السينما في اغلبه من الشباب فان هذه القيمة المستهلكة تنتزع منه امكانية الوعي والتغيير واصبحت صورة المرأة في الفلم هي صورة بضاعة، للاستهلاك السريع، فاكبر قدر من العري! والعنف هو الذي يملأ خزائن صانعي الفلم نفوذاً، فالسينما الشائعة كانت مدفوعة ان تصنع وجدان الجماهير الواسعة بما يناسب ما تريد تركيزه في العقول. هذا التركيز الذي يجاوز الهموم الحقيقية للعموم، وخلق وجدان عاطفي موهوم، محصور باشباع الغرائز الدنيا للجمهور، فاصبحت الغريزة الجنسية البهيمية هي المسيطرة في تقديم ثيمة المرأة في الفلم السينمائي ولكن بكيفيات مختلفة، فهي تندرج من مشاهد الحب البسيط الى ما هو اعقد من هذا، ويجري التاكيد على المرأة هنا كما لو كانت لا تصرف سوى فنون المرأة واغراءاتها بلا قضية او افكار او مثل لا بل ان السينما لا تألو جهدا ان تقدم هذه المرأة حتى في ادوار العنف، فهي "المرأة القطة" وهي "مصاصة الدماء" وهي "الساقطة" ونحن كباحثين لا نعرف ما الغاية في تقديم هذا العري كله للمراة في الفلم الغربي، اللهم الا ان يكون سلوك اقرب الطرق لإغراء جمهور السينما. ولا بد للسينما هنا وهي تتطور بتطور الاوقات لا تستطيع ان تبقى على نمط واحد من تقديم الانثى في الفلم، واصبحت معادلة الفلم تتجاوز الحبيبة العذراء الى الحبيبة المشاركة لحبيبها في احداث الفلم، ومن ثم فان ما كان جاذبية جنسية اساسا، اصبح يغلف بانسانة محبة، متفاعلة ولكن جاذبيتها اساس. وحتى مسألة مقدسة مثل الزواج، فان الفلم السينمائي الشائع قد بناه على اساس الجاذبية الجنسية وليس لبناء مجتمع.
إن الفلم السينمائي في الغرب قد اكد على التماهي بين المتفرج والبطل، فالمتفرج الذكر يتقمص شخصية البطل الذكر، والمتفرج الانثى تتقمص شخصية البطلة الانثى من خلال تشيد (أنا) مثلى تتماهى مع ذات المتفرج وتطمح اليه بحيث تنشأ عملية اسقاط من ذات المتفرج الى صورة البطل، وشيئا فشيئا يصبح المتفرج مسلوب الإرادة وما يسمى بمصطلحات علم النفس (مخصي) تجاه بطل او بطلة فاعلة تقوم بكل العمليات (بدلا من)، واننا لواجدون امثلة متعددة في واقعنا اليومي المعاش في محاكاة ابطال السينما في الهيئة والشكل والازياء والتزيين (الماكياج) والسلوك والكلام والمطلع يعرف عن هذا الشيء الكثير، وبالتدريج اصبح مرأى الذكر على الشاشة ذا حدود متعينة ومعروفة، اما صورة المرأة فاخذت تصبح لغزا شيئا فشيئا بحيث ان المتفرج وضمن تراتبية التدرج الذي ذكر فيما مضى، اصبح يصاب بالتوتر بمجرد ما يرى ساقا عاريا او جسدا عارياً، يقول (ستيفي كوهان): اننا لا نزال نتكلف الحشمة في اللحظة التي تظهر فيها راقصة نصاب بانقباض في العضلة وانغلاق في العقل بنفس انكبابنا المعتاد على الخجل من الجسد، اننا لا نزال نصدم من رؤية الساق العارية، ولان المشاهد قد تدرب فانه يرى اللحظة التي يبالغ فيها صانعو الفلم بابراز اكبر مجموعة من النساء على الشاشة ويعرف ما الغرض من وجوده، وخاصة في مشاهد الرقص او مشاهد العنف ضد النسوة، ولكنه أي المشاهد ينتظر حتى في خضم العنف الذي فيه النساء ما هو ممنوع او مثير.
بل ان السينما اصبحت مدربا للرقص على انواعه للنساء، وبالتالي اصبح يشكل جزءا من الذاكرة الحسية للنساء، وبدلا من ان يقوم الرجل بتنميط صورة المرأة في السينما في بواكير وجودها، اصبحت المرأة الان في السينما المعاصرة تعيد نمذجة الرجل الذي تحبه النساء، وقد يكون هذا الرجل رياضيا او من جنس غير الجنس الشائع في اوربا وامريكا، ولا تستغل صورة الرجل لقيمته الانسانية وإنما تستغل لفحولته وجاذبيته الجنسية، وبالتالي فان المرأة هنا ثيمة تستهلك اكثر مما هي ثيمة انسانية او إبداعيه، فالسينما المعاصرة قد تطورت في تعاملها مع المرأة حتى جعلتها بغير حاجة الى رجل يشاركها الحياة، فهي تقدم مرأة مسترجلة مستقلة شاذة وتقدمها كونها النموذج الامثل لاحظنا هذا في فلم "الساعات" بشكل غير صريح وعابر في حين ان هنالك افلاما ترسخ هذا الشذوذ وتجعله اساس الفلم مثل فلم "دكتورتي" لا بل ان من الافلام ما يقدم البطل - الذكر بصفات انثوية مثل افلام (انتوني باندرياس) وبخاصة فلم "فيلادلفيا" مع (توم هانكس) بمعنى اخر ان الثقافة التي تصنع صورة المراة كثيمة استهلاكية هي ثقافة زائفة، لا تعطي شيئا للانسان بقدر ما تمسخه وتوجهه كآلة تستخدم لمارب نفعية حصرا، وقد ميز (سابير) ايضا بين ما اسماه ثقافة اصيلة وثقافة زائفة، وتمتاز الثقافة الاصيلة بالتنوع الوفير وان كانت مترابطة ومتجانسة فلا شيء يخلو من مغزى روحي، واذا عرفنا ان الاستهلاك موجه اساسا الى الغرائز والمظهرية والزيف، عرفنا كيف ان الضرب جعل من المرأة لعبة لدر النفوذ، وتسطيح المجتمعات وتحويل المرأة عن دورها المهم في المجتمع من كونها مشارك في البناء والابداع الى عنصر مسلوب الارادة لا هم له سوى الجري وراء الازياء والمظاهر، وفي سبيل هذا تسلب انسانيته منه 

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي