رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 17 نيسان( ابريل ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2183

المولات فـي بغداد.. مقياس للمظاهر الزائفة

الثلاثاء - 22 كانون الثاني ( يناير ) 2019

عقيل العبود

ها أنذا أتسخف حقا بما يسمى بحسب البعض بالعمران، المولات، وعلى غراره هذا النمط من الأغاني الهزيلة، مقاهي المعسل، الملابس الفاخرة، الاثاث، هذا البذخ الذي تحتويه المظاهر الفارغة، والإعلام التلفازي الرديء. 
الذائقة تماما كما يبدو تعرضت للانهيار، هي هجمة شرسة تستهدف بضم التاء فيها، مكونات التركيبة الاجتماعية والإنسانية للمجتمع العراقي. 
ومن باب التشبيه، تركيبة العقل البشري كما أرض قابلة لأن تزرع فيها ما تشاء، لكي تنبت بناء على ما زرعت، فإن احببت زراعة الحنطة والشعير والرز، ستجد ذلك، وإن كنت ترغب في زراعة الفواكه، ستجد ذلك ايضا. أما اذا أردت ان تزرع تفاحة آدم، وهذا من باب القرينة، فستجدها كذلك. 
والمعنى انه بعد إسقاط النظام الدكتاتوري في بغداد، منظومة الحياة وتركيبتها تم تفكيكها، بما في ذلك المؤسسات الادارية والعسكرية والتي تم تأسيسها قبل ان يأتي ذلك النظام، وبفعل هذا التفكيك، تمت أدلجة وزراعة قيم ومعايير لا تتناسب تماما مع  حقيقة المجتمع. هذه القيم تشبه نباتات صناعية تم ترتيبها مثل الـ decoration، دون ان يكون لها ثمر.
وإلا أين ثقافة الصناعة والإنتاج. أين ثقافة الفن والمسرح الذي كان زمن رواد المسرح العراقي؟ أين وزارة الثقافة والإعلام من مقولة "أعطني خبزا ومسرحا، اعطيك شعبا مثقفا"؟ أين العراق من ثقافة الاعلام الملتزم؟!
لقد تم تأسيس ثقافة مرتبكة تتبنى انتزاع الثقافة الحقيقية للمجتمع العراقي. هذه الثقافة تم توطينها وتوليفها بطريقة تشبه ولادة الخدج، حتى توهم معظم الناس بأنها ولادة من نوع جديد. وان الثقافة الغربية قد فرضت نفسها في عصر ما تمت تسميته "بالديمقراطية"، او ثقافة "الربيع العربي"، حتى صار البعض من الجيل الجديد يلتجئ الى ارتداء البنطلون الممزق، او زراعة التاتو، او ثقب الإذن، أو الاستماع الى كاسيت أغاني اجنبية دون الالتفات الى حقيقة هذا المعنى، او ذاك.  
نعم، هذه الثقافة أنتجت حالة مختلَّة في المجتمع، وهذه الحالة نمت بناء على البرامج التي وضعتها، ورتبت لها الطبقة المنتفعة سياسيا، وهذه الطبقة بدورها مجردة تماما من ثقافة الانتماء الحقيقي الى الوطن. 
لذلك وبفعل تأثيرها، تم تسويق قيم ومتبنيات رخيصة توهمُ البعض بأن الحياة في بغداد، او في المحافظات العراقية الاخرى قد استوفت شروط بنائها العمراني، وكذلك النهضوي. 
اما حقيقة الأمر فهي تختلف تماما، حيث تعرض العراقي الى الخذلان، وانتهكت حقوقه الإنسانية، فما عاد المواطن بقادر ان يطالب بحقه في التعيين والاختراع والبناء والتعبير عن رأيه. 
الحكومة بأطيافها الدينية والسياسية أسقطت مكونات الثقافة الصحيحة بفعل ترويج هذه الأشكال الزائفة والتي آلت الى تعاطي المخدرات، وتوسيع رقعة المقاهي والكازينوهات والملاهي، ذلك بغية اشغال الناس وإبعادهم عن حق الإبداع، والالتزام الحقيقي بالقيم النبيلة. 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي