رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 11 شباط ( فبراير ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2143

الفيلم والدلالات المفتوحة

الاثنين - 4 شباط ( فبراير ) 2019

(كرستيان ميتنر) الذي اراد اقامة اساس علمي للسينما بفحصه المشاكل الفيلمية على ضوء هذا الاساس العلمي، فقام بشطر علم السينما الى جزأين الفيلمي والسينمائي، ولكن فات كرستيان ميتز ان يقيم تميزا بين السينما السردية التقليدية والسينما السردية التي تنتمي الى حقول مجاورة خارج ما هو تقليدي، بمعنى بين سينما سائدة بمتفرج سائد، وبين سينما غير سائدة بمتفرج مثالي، وعلى حد قول (عبد الرزاق الزاهير) ضرورة التمييز داخل اللغة السينمائية بين السينمائي بمعنى الخاص والضيق، اما الحكائي فهو فوق سينمائي ما دام يتضمن المسرح والرواية والسينما والاحداث اليومية، أي ان انظمة الحكي ظهرت قبل وجود السينما وخارجه، بل قبل الرواية والمسرح، "فالسينمائي اذن خاص، تقني نتج عن التطور التكنولوجي، اما الحكائي فهو عام، سابق، متعدد، انساني، حاضر، في كل الازمنة وفي كل الامكنة، أي عبر تاريخي، وعبر ثقافي، لكن هذا التمييز لا يعني اقصاء التقاطع بين السينمائي والحكائي الذي يعطينا نموذجاً خالصاً للسردية السينمائية وهو نموذج يتميز عن السردية المسرحية والسردية الروائية".

ان (عبد الرزاق الزاهير) لا يعلن صراحة انتماءه الى تقسيمات (ميتز) الفيلمية والسينمائية، وهو اذ يضع السردي او ما يسميه السردنية مقابل السرد الكلاسيكي انما يحاول ان يصنع نموذجا خالصا للسردية السينمائية وهو بهذا المعنى قد وقف في منتصف الطريق، فلا هو يرفض (ميتز) ولا يوافق عليه، ولو انطلقنا من خبرتنا الخاصة في فهم السينما لراينا ان هنالك مدى متسعا من الافلام التي تتراوح ما بين السردي البسيط والسردي المعقد وكذلك وفيما يخص السينما توغرافي هنالك لغة سينمائية لنسمها لغة متخصصة وهنالك لغة عامة، ولنقلب المعادلة الان ولنتحدث كسيميوطقيين ونتوقف قليلا عند (ميتز) فهو يقول: "اننا يجب ان نبدأ في فحص نوعين من الشفرات: تلك التي تضاف الى الصورة وتلك التي تتيح لنا ان نرى الصورة في مبدا الامر. يذهب (ميتز) انه ليست هنالك صورة نقية فكل منها قد اضيف اليها وتظافر معها شفرات ثقافية اجتماعية من كافة الانواع". ويبدو ان شفرة الصورة الاولية التي تتيح لنا ان نراها في شفرة اللغة السينمائية التي اعتادها جمهور السينما، اما الشفرة التي تقف وراء الصورة او المضافة اليها فهي شفرة متعلقة بمدى يجب ان يتسع له الفيلمي وليس السينمائي ذلك هو المدى الذي يحاصر منظرو الفيلم الارثذوكسيون من كلا النوعين الواقعيين والانطباعيين وبالاخص اولئك الذين يعتقدون مثلا ان الصورة "مؤسسة على استنفار للمزايا التشكلية التي تملكها الصورة المتحركة (على ان يظل مفهوما تماما ان الامر متعلق بتعبيرية سينمائية مرتبطة بوسائل محددة خاصة بالفلم السينمائي، وليس بجمالية ادبية او جمالية متصلة بفن الرسم القائمة على مبادئ مجاورة، ويقتصر الامر فيها على تسجيلها باستخدام الة التصوير). ومن تجارب في اشكالية التلقي للفيلم السينمائي الحديث نرى ابنية سردية وبصرية لم تجربها السينما سابقا وهي منقولة بالكامل من فنون مجاورة: السرديات، كشوفات فرويد، مدارس الرسم الحديث، الدراما، ومع هذا فهل نستطيع القول ان هذه التجارب السينمائية لا تنتمي الى السينما بل تنتمي الى حد قول (متري) الى جماليات ادبية او تشكلية، والتساؤل الاكبر هل بقي في عالم اليوم جماليات تختص بحقل فني معين دون ان يوظفها الحقل الاخر لنفسه وتصبح ملكا له؟ اذن يمكننا القول اننا بحاجة الى تفكيك المركز السينمائي واعادة تنظيمه من خلال اللعب الحر بالعلامات وانفتاح الدلالة والاختلاف والارجاء كما سيتبين لاحقاً.

ان منظرا مثل (مارسيل مارتن) في كتابه "اللغة السينمائية" لا يمس مجاورات فن الفيلم الا عبر عنصرين فقط من عناصر اللغة السينمائية، الا وهما "الاستعارة والرمز" و"الطرق الفرعية للسرد" وكأنه يجمل موضوعا واحدا في هذين العنصرين وهو عندما يشعر بحاجته للكلام عن السرد الروائي فإنه يضعه عند مناقشته للمونتاج كأحد عناصر اللغة السينمائية، وعندما يريد الحديث عن تشكيلية الصورة يجد نفسه مضطرا للحديث عن تأثيرات فن الرسم في المكان الفيلمي. وإذن فإن هذا الارتباك من قبل مارتن يؤكد كيف ان عدم تسمية الاشياء بأسمائها والتعصب لمفاهيم ضيقة يقود الى مثل هذا الإرباك المشار اليه، وتجاوزه باحث مثل (روي ارمز) في كتابه (لغة الصورة في السينما المعاصرة) حيث يقول: "التجربة الفعلية التي نمر بها من خلال مشاهدتنا لافلام مثل (مغامرة) او (الصمت) او (تكبير صورة) او (قناع) تختلف، فهذه الافلام ذات ثراء في الشكل الفني وبها نظام صوتي معقد واخر مرئي مركب.

اما عن الصورة والصوت فيها فيتسمان بالالتباس والغموض". ان رفض التقاليد النظرية التي قيدت فهم السينما سيتيح لنا النظر في الامكانيات الجديدة لسينما جديدة لا تتمركز حول اللوغوس على حد تعبير (دريدا) لان العالم اليوم هو عالم يتصارع باستمرار حول الدلالات المراوغة ويقدم تفسيرات لا نهائية للنصوص، لان "الحوار بين العمل والمفسر لا نهائي وانه يمكن القول باكتمال فهم النص حينما يدرك ذلك الفهم ورطته المؤقتة وان الافاق التي يمكن ان تتحقق فيه تلك الكلية totalization هو الزمن نفسه. ان عملية الفهم عملية مؤقتة لها تاريخها الخاص، لكن ذلك التاريخ يراوغ". ويفترض التفكيكيون ان النص لا يتيح تعدد المعاني بل لا نهائية المعنى. من هنا راينا كيف ان التفكيك يعني علاقات حتمية لنظريات التلقي والنقد القائم على استجابة القارئ..ان التفكيك يشجع على التعددية، بدلا من المركز المتسلط او الوحدة المتسلطة فنحن نتعدد ونختلف ونشك في المركز الواحد وبالانظمة الكلية التي اغفلت الكثير من السينمائي على الشاشة. وبهذا فإن عدم اعتراف السينمائي بالدين الذي اخذه من فنون السرد المختلفة، وعدم التنظير له وتفكيكه في كتابات منظري الفيلم يجعلنا نعيد النظر بـ"لوغوس السينما" التي كانت علاقتها مع البنى البصرية على الشاشة تستبعد من حقل اللغة السينمائية انظمة السرد المعقدة والبنى البصرية التي رجعت وكانها تستكشف ما فعله صانعو الفلم السرياليون والدادائيون والانطباعيون على استحياء في بداية ظهور السينما، فيلم "كلب اندلسي" للمخرج (بونويل) وهو فيلم عندما يذكر في التنظير السينمائي انما يذكر كطرفة او انه فيلم ادبي مثلما تذكر بافلام التعبيرية الالمانية مثل فيلم "عيادة الدكتور كاليجاري" كونه فيلما ينتمي الى فن الرسم.

وساد الاعتقاد عند منظري الفيلم ودارسيه ان التعكز على الفنون المجاورة انما يخل بالسينما توغرافي ولا يعود ينتمي اليها، والدليل ان هذه الافلام بدت ناتئة في تاريخ الفيلم وركنت في المتاحف والمحفوظات.

ان الفيلم كما مر يحاول ان يستجيب لافق توقعات قارئه الذي يعمل ضمن جماعة مفسرة بالمعنى الذي حددته نظرية استجابة القارئ، ومن هذا يصبح الغموض هو الطابع الفيلمي الذي يتوجه له التفكيك، ذلك ان "الفيلم مكون من اجتماع عدد كبير من القطع المسجلة في اماكن شديدة الاختلاف وفي ترتيب لا علاقة له بسير الاحداث. وفن الفيلم من جهة مؤسس على تقطيع الواقع الممتزج بتركيز جرى للزمن وبالوجود الحكائي الذي يكون في بعض الاحيان محيراً.

وهنا يدخل المونتاج للمشاهد الذي يحاول وصل ما انقطع وقطع ما اتصل.  ومن هنا فإن عدم الاعتراف بمركز للدلالة انما يجعل النص منفتحا على دلالات لا نهائية، وهذا اللعب الحر بالعلامة الفيلمية تتظافر عليه كل مفاهيم التفكيك، مثل التناص، والحضور والغياب وغيره، وفي التفكيك يجب ان نلاحظ ان تشابك المصطلحات بحيث يفضي كل منها للاخر، ولكن علينا ان نفهم ان التحليل ضمن احد المصطلحات يذكرنا جيداً بالمفهوم العزيز على البنيويين الا وهو العنصر السائد هنا لدينا المصطلح السائد فاذا كنا نتحدث عن الارجاء والاختلاف فانه سيصبح سائدا اما المفاهيم الاخرى فهي فعالة ولكنها ليست في المركز، وفيما يخص الاختلاف والارجاء فإن الدلالة كمدلول ستبقى تمحو نفسها طالما أُرجئ المعنى، فإن دريدا يعلي من شأن مصطلح (اختلاف Difference) لتصوير الطبيعة المنقسمة للاشارة... والتأجيل والاختلاف [الارجاء] مفهوم مكاني حيث تولد الاشارة من نسق من الاختلافات التي تنتظم داخل النسق في حين ان الاختلاف او التاجيل To order مفهوم زماني حيث تفرض الدوال عملية تأجيل لا تنتهي للحضور.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي