رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 11 شباط ( فبراير ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2144

جان لوك غودار الابن الشرعي للثقافة السينمائية

الاثنين - 4 شباط ( فبراير ) 2019

الثقافة السينمائية عبرت عن نفسها بأجلى صورة في مجلة "دفاتر السينما" الفرنسية التي اظهرت من خلال كتابات عرابها (اندريه بازان) والكتاب الآخرين (فرانسوا تروفو وغودار واريك رومر) وغيرهم عن فهم آخر لطبيعة السينما وصناعة الفيلم السينمائي وبلورة مفهوم للمؤلف الحقيقي للنص الفيلمي، ذلك ما سموه "نظرية المؤلف"، وبعد رحلة طويلة في التنظير بدأ (غودار) في صناعة الافلام وكان فيلمه الأول "على آخر نفس" له صدى غير اعتيادي على الوسط السينمائي لأسباب عدة منها: ان الفيلم لم يضع حدودا بين الواقع الذي تتوجه له الكاميرا بالتوثيق وبين إعادة خلق الواقع كانشغال اساسي لاي فن من الفنون، فالشخصية الرئيسة وهي منشغلة باداء دورها انما كانت تؤدي وسط اناس حقيقيين لا يعلمون بوجود كاميرا، وكذلك ينطوي الفيلم على سخرية عميقة من اساليب السينما السائدة في التمثيل والتكوين والحبكات.

ان مشهد موت البطل في نهاية الفيلم كان استعراضا ساخراً من عمل الممثل المحترف امام الكاميرا وهو يموت، حيث كان المشهد كوميديا والمشهد في شارع عام ذي عمق واضح، البطل تصوره الكاميرا من ظهره بقميص وبنطال بيده حقيبة ويبتعد في عمق الشارع.

تظهر شرطة بملابس مدنية، يقوم الضابط باطلاق النار على الاتجاه الذي يهرب فيه البطل، يتلقى البطل (ميشال) الرصاصة في ظهره، يواصل الهرب متعثرا فيتكئ على السيارات الواقفة في جانب الطريق، وتفلت حقيبته، الفتاة باتريشا (صديقة البطل) التي وشت بالبطل تمشي مسرعة في نفس الشارع تحافظ الكاميرا عليها، البطل يواصل الابتعاد في عمق الشارع يعاني من الرصاصة يتعثر يتكئ على السيارات ثم يسقط على ظهره والفتاة تركض باتجاه البطل الكاميرا فوق البطل المستقر على الارض بحيث يبدو نصفه في الكادر ونصفه خارج لكنما السيجارة ما زالت في فمه.

تدخل اقدام الرجال تقف عند راسه ثم تدخل اقدام الفتاة، تنسحب الكاميرا الى الوراء فتكشف عن الفتاة وقد غطت نصف وجهها بيدها اليمنى، ثم تنزل يدها، وتنظر للبطل الملقى عند اقدامها، البطل ينظر باتجاه البطلة يصنع حركات مبهمة كما لو أنه يريد الصراخ ثم يتراجع، ثم يفتح فمه كأنه يضحك، ثم يزم شفتيه كما لو كان يتالم، الفتاة تنظر باتجاه أقدامها حيث البطل ملقى وتضع يدها على رأسها من دون تعبير واضح، البطل على الارض، يبدو متألما ينظر نحو الفتاة ويقول: يا لك من قملة (وسخة، رديئة، مؤذية).

ان طريقة (غودار) في صناعة الافلام تتراوح بين الاحترافية العالية بادارة المشهد، وبين لعب الهواة كما في المشهد الاخير، وهو المحترف البارع عندما يدير مشهداً في غرفة بطلة (على آخر نفس) وهو يستغرق حوالي اثنتي عشرة دقيقة، ورغم المكان الضيق وحوار البطلين الا اننا ننتبه للدرجة التي لا يفوتنا شيء في المشهد، ودائما هناك ما هو خارج الكادر البطل والبطلة المدخنين يرميان اعقاب السيجار خارج الكادر باستمرار.

هنالك مذياع يعمل وهنالك ملصق فيه لوحة لرينوار تعلق، وهناك رواية لـ (وليم فوكنر) تقرأ. مجلة مختصة بالأزياء يعلق على صورها، فالسينما هنا اخذت بالمعنى الفلسفي العميق، ليس بموضوعات هامشية، بل استخدمت تلك الموضوعات التي شكلت اساس الفلسفة الغربية مثل الوجود والعدم وإلايديولوجيا.

ولعل قيام بطل "على آخر نفس" بقتل الشرطي على الطريق السريع يذكرنا بثيمة رواية "الغريب" للكاتب (ألبير كامو) عندما يقتل البطل المواطن الجزائري لا لسبب اطلاقا، إنه العدم الذي يحيا به الانسان المعاصر.  واذن ما هي التجريبية عند (جودار)؟ لا نستطيع ان نقول إنها ابتكار جديد في اشتغالات اللغة السينمائية او الشكل الفيلمي، انها تأسيسات على ما التقطه من السينما بمواصفات (جودارية) صحيحة، ما اشارت اليه السينما قام بتعميقه، شأنه شان (كيرا ساوا) في العزف على التداخل مثلا بين اللوحة في فن الرسم ومعادلها الموضوعي في التكوين السينمائي وبخاصة في فلمه (الحالمون) عن (فان كوخ).

كذلك (جودار) فهو يستلهم (بريخت) مثلا في محاولته لمخاطبة وعي المتلقي عبر قطع الايهام، وافهام المشاهد أنه يرى لعبة لا يجوز له ان يستغرق فيها بل ان يرى الى ماذا تقود، ولعل مشهد النهاية في "آخر نفس" مثال حي لذلك، في السخرية من موت الابطال سينمائيا. ناهيك عن المبالغات التي يلجأ اليها في طول المشاهد، فمدة مشهد الغرفة مثلا اثنتا عشرة دقيقة، ولكن مشهد بيع السيارة اقل من نصف دقيقة. وهذا الايقاع الذي يصنعه (غودار) يظهر فيه تناقضات الحركة الحيوية والسكون المطلق، بين المشهد الحواري والمشهد الصامت بين اللقطة الطويلة جدا  واللقطة الخاطفة.

و(جودار) في فلمه "بيرو المجنون" يبدو وكأنه يعود ليؤكد أنه محترف تماما، سواء في السرد الفيلمي او في استخدامه للغة السينمائية ويعود الامر للامبريالية كونها تحول البشر الى قطعان من الماشية، وتحول القيمة الانسانية الى مجتمع استهلاكي ليس همه سوى اشباع غرائزه، حتى وان لم يحتج الى ذلك، بالاضافة الى هذا فإن الفيلم يؤكد على الثيمة المتكررة عنده وهو القتل دون سبب، موضوعة (كامو) المعروفة في روايته "الغريب".

وهكذا نرى ان التجريب وهو ينطلق من فرادة الاستخدام لعناصر الوسيط والشكل الفيلميين، إنما يوحي ايضا بأفكار داخل التجريب نفسه، ولكن هذه المرة اشتغل كحداثة تشبع ما انفرد به التجريب، وتناوله على انحاء مختلفة.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي