رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 21 تموز( يوليو ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2240

مسرحية البوابة رقم 7 و البحث عن المتهم

الأربعاء - 6 شباط ( فبراير ) 2019

ظفار احمد المفرجي

القسم الثاني

وبهذا فإن كل اطراف النزاع على هذا المنوال هم خاسرون ولا يوجد منتصر الا من يتفرج عليهما، انه يتفرج على القتال، وما ان يشعر بقرب حدوث صلح ما حتى يفجر الازمة من جديد وهكذا يتفرغ هو لضرب المنتصر كي يتخلص على الأرض من الطرفين كما حصل مع طرفي حرب الخليج الأولى العراق وايران.

وليست حادثة البوابة رقم 7 سوى فعاليات لوبي او مخابرات عالمية لنفس الغرض ولتوفير الذرائع لضرب بؤر الارهاب المفترضة كما حصل في العراق في الخمسينات والأربعينات، وفي اوروبا في الحربين العالميتين الأولى والثانية، ويمكن القول ان الدول التالية ( ايران وتونس واليمن وربما المغرب ) وكلها تعاني من مشاكل بطريقة ما تبرر تهجير اليهود منها فكيف بأكبر دولة تؤوي اليهود بعد امريكا وهي فرنسا ( واغلب الحوادث حسب الأخبار ضد يهود او قرب كنيست يهودي .. الخ ) وهو نفسه الأمر الذي يبرر المشاكل في اوكرانيا اليوم. وفي الحقيقة ان هذا ما اعتقده شخصيا لأن العرض لم يتهم احدا على نحو صريح ، ولكنه يخبرنا علنا بوجود قوة اكبر تسيطر على كل شيء وممنوع البوح باسمها رغم انها واضحة تقريبا. 

ويلاحظ استخدام النص الرمز بشكل مكثف والرمز عادة يحمل معنى مضمرا مثل الماء والحمام ورائحة الدم والتعرية والملابس . ان الحاجة الى الماء ( وهو رمز النظافة والتطهير ) يعني عدم وجودها جميعا او الحاجة الى كمية اكبر، ويؤكد هذا الكلام حاجة الداعشي الأخ الأصغر اليها ليتخلص من احساسه بالأثم ومن الرائحة التي تلاحقه، كما ادى فعل التعرية المتكرر من الملابس فعلا رمزيا هو اكتشاف مكنون الشخص ( تعريته ) المعنى والفعل المباشر ايضا فهنا ينزعون ملابسهم عنهم لاكتشاف ما اذا كان هذا هو المتهم الذي يخفي قنبلة او حزاما ناسفا مثلا، ولكن تكرارها يمنحها المعنى وينبهنا الى حقيقة ان كل المتهمين هنا يخفون شيئا اخر في صميمهم، ويمارس الشخص الذي يقوم الآخرون بتعريته شتى الوسائل لاخفاء ما في داخله، واخيرا نجد ان مشاكلهم تجمعهم بدلا من ان تفرقهم في النص ليتحولوا بفعل التعرية الى كل واحد، وبدل ان يدافع المرء عن نفسه صار الكل له رأي واضح بعد محاولة كشف الحقيقة التي تجعلهم يصطدمون بالقوة الأكبر التي تسكتهم.

كما استخدم النص رائحة الدم العالقة في جسد القاتل الداعشي الطائفي وهو يتذكر توسلات الضحايا من الشباب وهو يبحث عن الماء للتخلص من الرائحة، وكانت الملابس رمزا ايضا، فهي تدل على الهيئة التي تنزع كقناع، وهذا بالفعل يشبه ما يمارسه المهاجر، فهو ينزع هيئته الأصلية من العادات واللغة والذكريات احيانا واشياء اخرى قديمة ويحظى بغيرها.

ويتخذ العرض من جدل الشخوص في النص وسيلة للبناء، كما يساهم اختلاف المرجعيات في دفع الجدل الى التنوع،  منها ما هو محسوس مثل اللغة و اللهجات المختلفة ومنها ما هو يدرك بالعقل مثل ايقاع الشخصية والنتيجة صراع واضح يبرر عدم الفهم في صراع الحضارات، مثل جدل الفرنسية التي  ارادت رسم السورية عارية بينما السورية ارادت ان ترسم بالحجاب وكلتاهما رفضت الرضوخ للأخرى وظل سوء الفهم مستمرا.

ونلاحظ ان كل شخصية جلبت تاريخها معها، فنحن نرى المصري محملا بوقائع الثورة المصرية والتونسي كذلك، والعراقيين يتحدثان عن الأحداث العراقية من الحروب المتلاحقة وداعش في الجانب العراقي وتداخله مع سوريا وبذلك نفهم موقف الأنثى السورية لأنها وقعت في اسر داعش وصارت ضحية السبي.

ويعد العراقي الأخ الأصغر هو المجرم والسورية هي الضحية، والمغربي الذي يعاني من الظروف الاقتصادية السيئة، والفرنسية التي تقدم شخصية مستقرة لا تفهم كثيرا الجانب الآخر من الشخصيات العربية المتوترة. ولم يتعلق الأمر بالانتماءات، فهم على الأرض يمثلون انفسهم فقط، رغم ان العرض يتخذ من انتمائهم وسيلة للتفريق بين الشخصيات، فالشخصية التي تتحدث باللهجة المصرية لا بد ان يكون المصري والمتحدث باللهجة العراقية هو العراقي وهكذا السورية والتونسي والمغربي وايضا المتحدثة باللغة الفرنسية هي الفرنسية.

ويبقى هذا التعميم يؤدي الى مشكلة، فالاشارة الى الصفة والهوية يؤدي هنا الى التباس فليس كل المغاربة يشبهون هذه الشخصية ولا العراقي والتونسي والسورية والمصري والفرنسية ايضا كذلك، و كان لا بد من وسيلة لفض الالتباس المشار اليه.

اما الشخوص المقصودين فهم:

المصري: شخصية المتدين السلبي من الاخوان، ولا ادري شخصيا ان كان الاخوان يحملون نفس الصفات، يخرج من مصر لأنه تحول الى ملاحق كما هو الحال مع الهجرات العراقية المتلاحقة تأتي ثورة فتزيح كل من هو ضدها بالهجرة ، ويؤدي الشخصية الممثل (ياسر قاسم) الذي ادى عدة ادوار متميزة خلال السنوات القليلة الماضية، شخصية مسلم شعارات بينما الاسلام ممارسة، وفي سعيه لتلافي المشاكل يضطر لفعل بعض الأشياء التي تعاكس منهجه املا في ان لا يصطدم بأحد، لكنه يمارس بعض فعاليات الترهيب مثل صبغ كاريكاتير النبي بلون الدم الأحمر مع ترديده اية من سورة الكوثر "ان شانئك هو الأبتر"، ويصطدم مع التونسي بسبب علمانيته، يجلب الكثير من الأمثلة من الايات القرانية كحجج للفعل.

التونسي: يؤدي الشخصية الممثل (علاء قحطان) الذي اجاد اللهجة التونسية بسبب زياراته المتواصلة الى تونس، شخصية تؤمن بالفرص واستغلالها، يعلن انه نموذج العلماني الذي يهرب من تونس بسبب سيطرة الاسلاميين على الثورة وينتقدهم، يصطدم مع المصري بسبب تدينه، وفي الحقيقة ان العلماني الوطني لا يهرب من وطنه، ممثل جيد، يمتلك استرخاء عاليا، يمكنه من مساعده شريكه الممثل على المسرح وبالتالي يساعد العرض.

المغربي: وهو شخصية متلونة، لديها بعض الدهاة، نكتشف لاحقا انه يهرب كل شيء ابتداء من البشر البغايا الى الخليج في السابق، ثم السلاح، ومن يريد ان يفجر نفسه مع داعش في الحاضر، ويبرر ذلك بضغط الظروف الاقتصادية الصعبة وضعف الحال، ادى الشخصية الممثل (حيدر خالد) ممثل متمكن، ادى العديد من الأدوار المتميزة في معهد الفنون الجميلة فترة الدراسة وادوارا قليلة خارجه، يمتلك حضوره الخاص، وكان للمخرج (سنان العزاوي) الفضل في اعادته الى المسرح، منح الدور معالم من شخصيته فهو جريء وهادئ في ان واحد ما يجعل مردوده يعاكس التوقعات، يضطر الى العنف للدفاع عن نفسه ولكنه في دخيلة نفسه يبرر تصرفاته الحادة بالسعي خلف الرزق، ويفعل اي شيء من اجل المال.

الفرنسية : قدمت الدور الممثلة ( اشتي حديد )، صحفية مؤمنة بنفسها، تريد ان يعيش الجميع كما تعتقد، تهزأ بالدين الاسلامي لأنها عانت من مقتل العديد من زملائها في حادث سابق حقيقي وموثق وبالتالي فهي نموذج للأوروبي المسالم الواقع تحت ضغط الدعاية الاستعمارية التي تقلل من شأن العرب والمسلمين والتي غايتها التبرير لتصفية المسلمين وعدم احترام العرب، والدليل انها تتعاطف مع انسانية السورية بوصفها ضحية لكنها لا تتفق مع استخدامها الحجاب او عدم رضاها على رسم النبي الذي استعاره العرض من الاساءة لصورة النبي في الرسم الكاريكاتيري الذي نشرته مجلة ( شارل ابيدو )  الفرنسية قبل سنين، والشخصية نتاج الثقافة الفرنسية المستقرة ولا تعجبها التصرفات المتسرعة والانفجارية العاطفية التي تصدر عن المسلمين والعرب على وجه التحديد، فتنتقدهم علانية، ولكنها تتهم ايضا بالارهاب بسبب تعايشها مع اللاجئين العرب، وهي ثابتة على مبادئها رغم التهديد بالخطر. والممثلة (اشتي حديد ) قدمت دورا جريئا لأنه ينطق باللغة الفرنسية وهي لغة اخرى غير لغتها الأم ويتطلب هذا اجادة وتمرينا منحا الشخصية المزيد من التميز.

العراقي الأخ الأكبر: يمارس دور الحامي الذي يخفي جرائم اخيه، يعرف الحقيقة ولا ينفذها ، يحرس اخاه حتى على بوابة الحمام، لم يمارس القتل الطائفي لكنه شارك في الحروب، والأخ الأكبر هو رمز لحاضنة تحتضن الارهابيين على الأرض هم ليسوا قتلة ولكنهم يتسترون عليهم وهم مخلصون لمبدأ خاسر وغير مجدي، وهو يلوم اخاه على جره واهله الى حرب جديدة لا يعرف عاقبتها، ورغم ان الجريمة لا تغتفر فان كثرة مشاهدة الأخ للحروب ومشاركته فيها جعل الاستمرار بالحياة عادة وامرا سهلا وكأن شيئا لم يكن، لذا ينصح اخاه بالقول: "ربي اني مسني الضر وانت ارحم الراحمين"، تظهر صورته كمجرم عندما يسرق الماء من السورية لمساعدة اخيه، الذي يتمنى له الموت علنا قبل موته،  لأته يختار الحياة بدل الموت الذي يجره اخوه اليه جرا، كي لا يقضي عمره الباقي خجلا، يؤدي الشخصية الممثل ( نظير جواد) الذي يتطور اداؤه ي هذا العرض قياسا بأدوار سابقة له، شخصية راكزة قوية بسبب وصولها الى نتائج من خبرتها بالحياة، أي انها تعرف ماذا تريد بسبب فرق العمر والتجربة قياسا بالشخصيات الأخرى من الشباب.

العراقي الأخ الأصغر: يؤدي الشخصية الممثل ( وسام عدنان ) قاتل، يائس، متوتر، داعشي، مغتصب، مارس كل انواع الجرائم التي تنسب الى داعش وشارك في جريمة سبايكر او ما يشابهها، يحاول  التخلص من جرائمه واشباح ضحاياه التي تلاحقه، فنراه يشعر ان دماء الضحايا لا زالت تلطخه، وان رائحة الدم المتعفنة عالقة به ورغم محاولته الهرب الى اوروبا للتخلص من جرائمه العالقة في ارض الوطن الا ان تلك الجرائم تلاحقه، حتى ان واحدة من الضحايا تواجهه صدفة اثناء العرض وهي السورية التي يستبدلها العرض في القصة الأصلية التي كانت لأيزيدية عراقية تواجه داعشيا في المانيا في قصة شهيرة، وفي الحالتين اشارة الى غرابة ان يتلاقا المجرم وضحيته وكلاهما حر في مكان واحد.

واخيرا يقدم النص له الموت كهدية غير مأسوف عليه حتى من ابيه، تظهر صوره في حقبة داعش على الشاشات وهو امر غريب اذ ما دامت السلطات في اوروبا تعرف كونه داعشيا فلماذا يسمح له بالدخول اليها، هو الذي يرتدي ملابس داخلية سوداء بينما يرتدي الباقون ملابس بيضاء، في اشارة الى انه المجرم الوحيد بينهما، وهو ممثل يمتلك حضورا جيدا، تمكنه جرأته من الحضور والتحرك بحرية على المسرح.

السورية: ادت الشخصية الممثلة ( اسراء العبيدي ) شخصية تحولت بسبب الظلم الذي تعرضت له الى عدوانية، وهي ضحية السبي والاغتصاب بوصفها نموذجا للنساء السبايا اللاتي اغتصبهن داعش، تتعرف على مغتصبها الأخ الأصغر الداعشي ولا حول ولا قوة لها تجاهه، ما يجعلها تطلق سؤالا حول من ينصف الضحايا فتهزأ بنصيحة الأخ الأكبر لأخيه "اني مسني الضر وانت ارحم الراحمين"، فإن كان القاتل ينسى جريمته بهذه الطريقة فكيف سينسى الضحية وذووه تلك الأفعال ؟، ومن سينصفهم ؟ وهي شخصية مركبة بسبب عمق الجريمة المرتكبة بحقها وقدرة الممثلة على تجسيد التعرية والاغتصاب وليس ابلغ من حوارها ( يا كلب شم ايات القرآن التي تخرج من انفك )، وهي ممثلة شابة قدمت دورا مهما اتصف بالجرأة والقدرة على التحكم بالعواطف، خصوصا انها صغيرة الجسد لكن اداءها عال وبالتالي فهي ثابتة ولديها القدرة على الابتكار.

ويترك العرض في النهاية ابطاله ليعبروا عن انفسهم لكنهم لا يتمكنون من اخبار الناس الحقيقة بقدر تعلق الحوار بالقضية.

ومن المهم تسجيل الملاحظة الآتية: ان النص يتخذ من وقائع الأخبار اليومية على الساحة الدولية مصدرا رئيسيا له فهو يوظف الأخبار بصفتها افعالا بسيطة تكون حجج ووقائع صغيرة داخلية ضمن الجدل داخل النص الأمر الذي يساعد التلقي خصوصا لدى المتلقي المتابع لتركيب الأحداث وما يرمي اليه العرض في عقله مثل ( السبايا، الاشارة الى سبايكر، كاريكاتير رسم النبي، مشاكل الحجاب، العنوان البوابة 7 كونه مكانا موجودا فعلا، احداث الثورة المصرية، احداث الثورة التونسية، تهريب الانتحاريين والأسلحة، لقاء المغتصب والسبية في المانيا .. الخ)، كما ان هناك استعارات مهمة استعارها النص ووظفها مثل الرائحة والاحساس بالدم الذي استعاره العرض من الليدي ماكبث ووظفه لدى احساس الأخ الأصغر الدموي.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي