رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 11 شباط ( فبراير ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2144

ثلاث رسائل من الحرب

الأربعاء - 6 شباط ( فبراير ) 2019

ترجمة وإعداد: رنيم العامري

هناك كلمات تُكتب الى جوار النار، عندما يمعن الليل في ظلامه، ويقف الموت حارساً على بوابة الأيام، هائلاً مرعباً يسحق بأقدامه الحديدية على الفتوة والأحلام، فلا يعود من اعتبار سوى للنجاة. هذه الرسائل لم تكتب لكي يكون مصيرها ان تُنشر، إنها خطابات حميمية كتبت في أوقات حالكة من تاريخ البشرية. كتبها جنود الى أحبائهم، بصدق خالص بلا مواراة وتواضعٍ، بأصابعهم التي أحرقتها نيران المدافع، وبأظافرهم التي أكلها طين الخنادق، كلمات عاشت على العرق والدم والتراب. وثمة أيضاً رسائل قادمة من الوطن، من مكان ما، أصبح بعيداً الآن عن الجبهة، هناك حيث لا يسمع صوت القنابل، تجلس على كرسيها الزوجة والأم لتكتب الى الجندي عن الأيام العادية للحياة التي تركها خلفه، الأيام البسيطة الآمنة، عن أبناء الجيران مثلاً أو عن حيوانات المزرعة، بتفاصيل تألفها عينا الجندي، تلك الحكايات وحدها تميمة حظه في الحرب.

رسائل من الحرب العالمية الأولى

".. أتمنى لو تنتهي هذه الحرب، يا حبيبي، وعدنا سوية مرة أخرى. اعتقد بأن ذلك سيكون يوماً واحداً. لا تعتقد بأن قلقي عليك بلا داعٍ، لأنني أؤمن بأن الله سيرعاك أينما كنت، وإذا شاءت إرادته يا حبيبي، فستعود اليّ. هذا هو شعوري يا عزيزي، نحن لو وضعنا ثقتنا بالله، أنا متأكدة من أنه سوف يستجيب دعواتنا. أتساءل عن أحوال أبناء عمك، نحن نشعر بقلق شديد بشأن (جورج)، فليس من أخبار ترد عنه الى الآن. ولا نفهم لماذا لا تكتب إليه زوجته. كيف هي يداك الآن يا حبيبي؟ يداي تؤلمانني بشدة، متشققة جداً، لقد تقرحت أصابع يدي اليسرى.. هل وصلتك الكتب التي ارسلتها عزيزي؟ يسرني جداً أن أبلغك يا عزيزي بأني بحال جيدة، وأتمنى أن تكون انت كذلك. كان هناك بعض الجدل حول آرثر هذا الأسبوع. كان يحاول الالتحاق بالجيش دون علم والديه، لكن السيدة (ت.) اعتقدت بأن والديه يجب أن يكونوا على علم بالأمر، لذا فقد كتبت لهم وأخبرتهم عنه لذا فقد كان عليه العودة إلى المنزل بسرعة الليلة الماضية. أظن أنهم قد أنبوه بشدة.. إنه بائس تماماً. حقيقة يا (ويل)، لم أر مثل هذا الصبي من قبل. أخشى أن يقوم بعمل سيء العاقبة. لا أعرف ما إذا كانت السيدة (ت.) ستبقيه معها أم لا. فهو يقول بأن عليه الالتحاق في غضون أسبوعين، ولكن لأنه ما يزال قاصراً فأفترض أن بإمكان والديه منعه. لا أعرف ما إذا كانوا سوف يفعلون أم لا. من ناحيتي أتمنى أن يذهب، لأن في ذهابه خلاصه، فليس هناك سوى الخصام والخداع. حسناً عزيزي، لا يوجد لدي ما أخبرك عنه أكثر، لذا سأختم بمحبتي الخالصة والقبل، من حبيبتك الصغيرة ايميلي"

هذه كانت رسالة (ايميلي كيتيكس) الى خطيبها الجندي (ويليام مارتن)، وكتبتها الى ويل قبل ان تسمع بالأخبار المحزنة عن مقتله في معركة. (ترجمة عن البوستال ميوزيام)

رسائل سيسيل ودورا:

"لقد جئت إلى تلك الغابة الصغيرة، وأجلس الآن تحت شجرة تبعد عشر ياردات من المكان الذي جلسنا فيه معا وطلبتني للزواج. لقد كانت مفاجأة شديدة وصدمة عندما أخبرتني أنك تحبني، كيف ولم يكن لدي أدنى فكرة بأنك كنت ستخبرني بكل ذلك؟ لقد أخبرتني (بيتي سويربوتس) في (بينروز) أنك كنت معجباً بي، ولكني للأسف لم أكن أفكر فيك على هذا النحو، عندما تركت المدرسة كنت أحبك كما أحب أصدقائي الآخرين، حتى أصبت في العام الماضي وجئت الى منزلنا ولعبت التنس، عندها أعجبت بك. هل لاحظت أنني كتبت معجبة بك ولم أقل أحبك، هذا لأنني لم أفكر في الحقيقة ما إذا كنت أحبك أم لا، أعرف أنك معجب بي، ولكني لسبب ما لم أفكر بأنك تحبني.. أتذكر أنني حلمت في ليلة ما بأنك تزوجت من فتاة أخرى، فاستيقظت وأنا أشعر باليأس والإحباط. قبل أن أقول أي شيء آخر، أريدك ان تكون متيقناً هل أنت تحبني فعلاً، وأنك عندما طلبتني للزواج لم تكن تحت تأثير اللحظة، إذ أنك لم تكن قد قابلتني منذ فترة طويلة أو لأنك كنت راحلاً للحرب. فكر في الامر، وفكر فيما لو كنت ستتزوج الفتاة الخطأ كم سيكون الأمر فظيعا، سيكون مأساوياً. عندما ذهبت إلى النوم سمعت بالصدفة أبي يخبر أمي بأن ذهابك الى الحرب فيه مخاطرة كبيرة، ثم بدأت أفكر وأدركت إذا لم تعد ولم أرك مرة أخرى، فماذا يجب أن أفعل وماذا أنا يجب أن أشعر. إنه لأمر فظيع أن أتحدث بهذا الشكل ولكنني أبوح لك بما داخلي، وهذا جعلني أدرك بأنني أحبك (سيسيل)، أوه، لو أستطيع رؤيتك مرة أخرى الآن، ولكن لا أستطيع أن أعرف ما إذا كنت تحبني أكثر مما أحبك، كم تحبني يا (سيسيل)؟ أود لو أتعرف عليك بشكل أكثر، وبعد ستة أشهر إذا كنت متأكدة تمامًا من قراري وكنت أكن لك هذا الحب المقدس، الحب الذي يجمع رجلاً وامرأة، عندها أعدك بأني سـأكون زوجتك. أما إذا كنت قد غيرت رأيك عمّا أخبرتني به يوم الاثنين، فكن صريحاً معي وستستمر علاقاتنا كما كانت من قبل، كأصدقاء. وداعاً (سيسيل)، تذكر بأنني أكن لك الحب، دورا،7جون،1916

الجواب: "عزيزتي (دورا)، كنت أفكر بالأمور عميقاً لفترة طويلة قبل أن أطلب منك الزواج، وكنت وما زلت واثقاً من مشاعري تجاهك. لكنني الآن أشعر بأني شخص سيء لأنني طلبت يدك. كان عليّ أن أنتظر انتهاء الحرب، وأتروى حتى أكوّن فكرة كاملة عن مشاعرك. لأنني على ما يبدو سببت لك صدمة وأوقدت مشاعر لا ينبغي إثارتها. أنا آسف ومع ذلك أنا سعيد. لقد سألتني عما إذا كنتُ على يقين تام من مشاعري وأنني لم أتأثر بحماسة اللحظة، كلا، لقد أحببتك منذ أن كنت في (ريدال)، وكان حبي آنذاك لك حب طالب مدرسة، وغالبا ما يقع في هذا الحب طلاب المدارس ثم يأخذ فترة ويموت، لكن حبي لم يمت. سألتني كم أحبك. كل ما أقدر على قوله هو أنني أحبك بكل قلبي. أحبك وأحب أمي وأبي وشرفي، ولكن لكل واحد منكم درجة. هناك شيء ما أود أن أذكره قبل أن أنسى، وهو، إذا حدث وأن أصبت في المعركة، سألغي كل شيء، لأنني لن أحلم بالزواج إذا لم يكن لدي جسد سليم. هذا هو أحد الأسباب التي تجعلني أشعر بأنني شخص سيء، لأنني طلبتك للزواج في الحرب. ربما سيكون من الأفضل لو تراجعنا عن كل شيء لفترة حتى تتوقف الحرب وداعا مع حبي.. سيسيل"

وكما اقترحت دورا، فقد انتظرا لفترة ستة أشهر لكي يتأكدا من حقيقة مشاعرهما. نجا سيسيل من الحرب وتزوجا في 1919. (ترجمة عن موقع تيليغراف)

الرسالة الخامسة عشر للجندي (كون)

"أمي الحبيبة: للتو وصلتني قلادتك، علقتها حول جيدي مع صليب (م) هل كان الصليب الذي أهدتني إياه (م) هو ما جلب لي الحظ؟ كنت في حفرة حين هبطت قنبلة وقتلت رجلاً على بعد قدم مني وجرحت ثلاثة آخرين، كنت انا والرقيب الوحيدين اللذين خرجا سليمين. الرجال الذين كانوا هنا قبلي لديهم الكثير من القصص المشابهة.. ستكونين مسرورة حين تعلمين بأنه أصبح لدينا قسّ، وأنني أقمت صداقة معه. تناقشنا معاً في الأدب والدين حين كنا نشعر بالسأم، تحدثنا في إيماننا الذي يُختبر، إن المرء ليبدأ في التساؤلات الغريبة هنا حين يرى ما سمحت به القدرة الإلهية أن يفعله للآخرين. وهكذا إنه لمن الحسن أن يكون المرء على صلة وطيدة بقس ذي قلب كبير، يخاطر بحياته يومياً كيما يحادث الجنود البريطانيين -الذين يموتون- عن الحياة الأبدية. وددت لو أخبرتك عما أفعل لكن ذلك ضد الأوامر. ربما تقرئين في الصحف عن الأحداث التي شاركت فيها وقد لا تدركين أنني كنت هناك. عشنا أغلب الوقت على طعام المعلبات ولكن شهيتنا تجعل كل شيء لذيذاً. العيش والنوم في العراء يجعلنا من المرء كائناً مفترساً جارحاً، ويتعلم المرء النوم رغم زئير المدافع.. وفقكم الله جميعاً. المخلص دوماً، كون".

أرسلت بتاريخ 24 سبتمبر 1916، وهي واحدة من سلسلة رسائل عن كتاب: رسائل من الحرب العالمية الأولى، لـ(كونينجسبي داوسن)

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي