رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 21 تموز( يوليو ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2240

داعش والاستقواء الاميركي

الأربعاء - 6 شباط ( فبراير ) 2019

مازن الزيدي

تصاعدت التحذيرات الامريكية مؤخراً من مخاطر عودة داعش الى المدن العراقية، مع تأكيد المتحدثين الامريكان على استمرار المخاطر التي يشكلها التنظيم الارهابي على الاستقرار في المناطق المحررة مرة اخرى.

وتأتي موجة التحذيرات الممنهجة والمنسقة متزامنة مع المساعي التي يبذلها البرلمان العراقي لإخراج القوات الامريكية وتنظيم استقرارها ونشاطها في البلاد.

في هذه الاثناء يرى كثيرون ان عودة الخطاب الامريكي لاستخدام فزّاعة داعش يندرج ضمن جهود واشنطن لاعطاء تواجدها في العراق شرعية ومبرراً فقدته بعد قرارها الانسحاب من سوريا. كما تهدف التحذيرات الامريكية من جهة اخرى الى زيادة الضغط على الحكومة من خلال ترهيب العراقيين واهالي المناطق المحررة بوجود خطر داهم ووشيك، وكسر طوق الرفض الشعبي للتواجد الامريكي كما تريده ادارة ترامب.

ذهبت التحذيرات الاميركية بعيداً في حديثها المبالغ عن تهديدات التنظيم الى الحدّ الذي احصت فيه البنتاغون التحاق 50 مقاتلا بتنظيم داعش الذي يتمركز على الحدود السورية العراقية!

وبعيداً عن التصريحات المتناقضة، فإن المعطيات تشير الى ان ادارة ترامب كانت تراهن على تشكيل حكومة عراقية مقرّبة ومنحازة لرؤيتها في محاربة داعش، وكان التعويل كبيراً على التجديد للعبادي الذي وفّر مظلة واسعة لزيادة عديد القوات الامريكية بالشكل الذي كشفته زيارة الرئيس الامريكي الى قاعدة عين الاسد، وتصريحاته الاخيرة عن النفقات الكبيرة التي خصصت لتأهيل هذه القاعدة القريبة من الحدود السورية.

لكنّ تشكيل حكومة من رحم تقارب طيف سياسي مناهض للتواجد الامريكي يتكوّن من الفتح – سائرون، وجّه ضربة قاضية لكل خطط التموضع التي رسمتها ادارة ترامب بعد سحب قواتها من الشرق السوري. ويرى مراقبون ان الموقف المناهض للقواعد الاميركية سيعزّز من التقارب بين الفتح بقيادة هادي العامري، وسائرون بقيادة مقتدى الصدر لصياغة مواقف اكثر راديكالية من بينها تشريع قانون يلزم حكومة عبدالمهدي بإخراج جميع القوات الاجنبية من الاراضي العراقية، خلافاً لخطط واشنطن باحتواء الصدر واللعب على وتر انتقاداته المكرّرة لايران. وكان التقارب الفتحاوي / الصدري اقرب الى المستحيل سياسياً لولا مواقف ادارة ترامب التي ضغطت لابقاء قوات عسكرية في العراق ومنحها قواعد كبيرة، وتصاعد تحركاتها الاخيرة من دون تنسيق مع السلطات العراقية.

ولايخفى على المتابع لسياسة ادارة ترامب في الشرق الاوسط حجم المأزق الذي تواجهه لتسويق هذه السياسة. فبينما يصرّح ترامب ان إقامة قواعد في العراق او الحصول عليها يهدف الى مراقبة ايران وانشطتها، لكنه يعود هو واركان ادارته الى استعارة فزاعة داعش من جديد لشرعنة هذه القواعد وضرورة تواجد قواته.

وفي الوقت الذي تحذر فيه ادارة ترامب من عودة تهديدات داعش في العراق، فإنها تقرر الانسحاب من آخر جيب في الشرق السوري الذي يسيّطر عليه التنظيم الارهابي، ويعتقد انه بات يشكل ملاذا لزعيم التنظيم.

من هنا فإن التحذيرات الامريكية من عودة مخاطر داعش الى الاراضي العراقية لم تعد تتمتع بالكثير من المصداقية. كما ان ذلك يعزّز النظرة التي تكونت حول حقيقة الموقف الاميركي من انبثاق التنظيمات الارهابية في المنطقة لاسيما داعش وقبلها القاعدة. ويعزز ايضا النظرة التي تتحدث عن التوظيف الاميركي للتنظيمات الارهابية كأدوات في صراعات التوازن الاقليمي والدولي من افغانستان الى سوريا والعراق.

وكلنا يتذكر كيف منعت واشنطن اي استهداف لفلول داعش المنسحبة من الموصل والرقة ودير الزور والتي تمركزت مؤخرا شرق الفرات. ومؤخرا اسهم الفيتو الامريكي باجهاض عمليات مشتركة خطط لها في كل من بغداد ودمشق طيلة الاشهر الماضية لتصفية ما تبقى من الجيب الداعشي على جانبي الحدود.

واذا ما اضفنا الى الخبرة العسكرية والامني الكبيرتين التي اكتسبتها القوات العراقية التي شاركتها في هزيمة داعش طيلة اربع سنوات، والمناعة الاجتماعية التي حرمت داعش من استعادة حواضنها، فإن كل ذلك تشكل معطيات حقيقية وواقعية ان العراق بات يتمتع بمناعة ضد داعش وعودتها.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي