رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 11 شباط ( فبراير ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2144

ايهما اسبق: الدولة ام الامة؟

الأربعاء - 6 شباط ( فبراير ) 2019

محمد عبد الجبار الشبوط

لا يستهدف طرح السؤال: "ايهما اسبق الدولة ام الامة؟" الذهاب الى التاريخ وتعقب الخطوات التي قام بها الانسان وادت الى قيام الدولة، سواء منها الدولة القديمة كما في الدولة البابلية او الاكدية او الاشورية في العراق القديم، او الدولة الحديثة بعد معاهدات وستفاليا في عام ١٦٤٨.

انما اطرح السؤال في سياق الدعوة الى اقامة الدولة الحضارية في العراق، حيث يرى البعض ان الامة تسبق الدولة، وما لم يتم بناء الامة في العراق فلن يكون بالامكان بناء الدولة. فالدولة هي الامة المستقرة في اقليم ارضي. وقبل ان تولد الامة لا يمكن التفكير باقامة الدولة. وبما ان العراقيين لم يتحولوا بعد الى امة واحدة، كما يرى اصحاب هذا الراي، فان الدعوة الى اقامة د ح ح لا يمكن ان تتحقق.

في الاستقراء التاريخي، لا يجانبنا الصواب اذا قلنا ان البشرية شهدت الحالتين:

الحالة الاولى التي تقوم بها الامة بعد ان تستكمل عناصر وجودها ببناء دولتها الخاصة. وهذا ما حصل فعلا في اوروبا في العصر الحديث.

والحالة الثانية التي تقوم بها الدولة ببناء الامة، وهذا ما حصل في الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة. فشلت تجربة الاتحاد السوفييتي، لكن التجربة الاميركية ناجحة حتى الان، رغم ملاحظات فوكوياما المتحفظة في هذا الشان والتي شرحها في اخر كتبه "الهوية" الذي قال فيه ان المؤسسات الاميركية اخذة بالانحلال والتدهور.

الامر في العراق اكثر تعقيدا. ففي بداية تشكل الدولة العراقية في مطلع القرن الماضي اشتكى رئيسها الاول الملك فيصل الاول من عدم وجود "شعب عراقي" يوحد التكوينات العرقية والطائفية المتجاورة على الارض العراقية من شيعة وسنة وكرد وتركمان وغيرهم. ولم تفلح الانظمة المتعاقبة التي حكمت العراق الى عام ٢٠٠٣ في صهر هذه التكوينات الاجتماعية في بوتقة امة واحدة، ذات هوية وطنية واحدة ومشتركة، بل ان هذه الانظمة والحكومات زادت الطين بلّه وعمقت الانقسامات المجتمعية وخاصة النظام العرقي الشوفيني البعثي. وكانت تجربة الاعوام التي تلت سقوط النظام البعثي بعيدة عن مفهوم بناء الدولة والامة معا، لان مجموعات الطبقة السياسية انشغلت بتقاسم المناصب والمكاسب في الدولة الجديدة. وقدمت تجربة الاستفتاء الكردي  (في المناطق الكردية) وصعود داعش (في المناطق السنية) والصراعات السياسية العسيرة (في المناطق كافة) الدليل على هشاشة ما يسمى بالوحدة الوطنية. في ظل هذا التشتت والانقسام المجتمعي كثيرا ما اسمع السؤال الاحتجاجي المستسلم لليأس: عن اية دولة حضارية حديثة تتحدث؟

ومن الناحية الاولية قد اعطي الحق لاصحاب هذا السؤال. ففعلا عن اية دولة حضارية حديثة اتحدث ونحن نعاني من الخلل الحضاري الحاد، ومن التخلف، ومن النكوص والتراجع الى قيم ومفاهيم وتنظيمات ما قبل الدولة الحديثة؟ قد يجد البعض انه من المستحيل قيام د ح ح في مجتمع ريفي بدوي قليل الثقافة السياسية،  تسود في اوساطه الامية، و يعيش الكثير من ابنائه دون خط الفقر.

لكن من ناحية اخرى يجب ان نلاحظ ان اطروحة د ح ح هي دعوة للتغيير على مرحلتين: مرحلة تسبق قيام د ح ح، ومرحلة تلي قيام د ح ح.

فاما المرحلة الاولى فهي تشتمل على ولادة الانسان الحضاري الحديث (المواطن الفعال) بفعل ارادي يستند الى الوعي الذاتي للافراد، المتحصل بجهد شخصي، وولادة الجماعة الحضارية الحديثة التي ستشكل نواة المجتمع الحضاري الحديث.

واما المرحلة الثانية فسوف تشهد استثمار قدرات الدولة في استكمال بناء الامة الحضارية الحديثة. ولهذا تفصيل.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي