رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 23 تموز( يوليو ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2242

تاريخ التجسس الإسرائيلي على أميركا

الاثنين - 11 شباط ( فبراير ) 2019

بغداد ـ العالم

إبان خمسينات القرن الماضي، وبينما كانت الحرب العالمية الثانية تضع أوزارها، كان اليهود يؤسسون دولة لهم على ساحل البحر المتوسط، كانت الحرب الباردة في أوجها، وخلال ذلك أيضا كان أوج الصعود الأمريكي لزعامة العالم.

لعبت إسرائيل على وتر الحرب الباردة كأفضل ما يمكن، وقدمت للاستخبارات الأمريكية فروض الولاء والتبعية، فأتاحت لهم معلومات تفصيلية عن الترسانة العسكرية للغريم السوفيتي، مما وقع في أيديهم من حروبهم مع جيرانهم العرب، وكان هذا واضحا عندما انشق طيار سوري عام 1989 في واحدة من النماذج المتقدمة من «ميج 23» الروسية، وسُمح للأمريكيين بتفقد الطائرة وفحصها برعاية إسرائيلية.

اتّكلت الاستخبارات الأمريكية أكثر على نظيرتها الإسرائيلية بعد 1979، إذ فقدت الولايات المتحدة شُرطيها على المنطقة جراء هروب الشاه محمد رضا بهلوي، وجاءت تفجيرات بيروت 1983 لتعصف بالوجود الأمريكي المباشر في المنطقة، إذ قتل 241 جنديا أمريكيا من قوات حفظ السلام خلال هذه التفجيرات، في هذه الأثناء زودت الولايات المتحدة إسرائيل بصور الأقمار الاصطناعية، وبدأت تمدها بالتقارير الاستخبارية المهمة.

العلاقة بين دولتين طموحتين، إحداهما في قمرة القيادة والأخرى ناشئة تسعى لتوسيع نفوذها وضمان بقائها بين جيران لا يكنون لها مشاعر طيبة، لا يمكن أن تسير على هذا النحو من الهدوء والتسامح، فالولايات المتحدة سعت لاختراق النظام الأمني الإسرائيلي للوقوف على حقيقة قدراتها العسكرية والنووية، وكذلك إسرائيل سعت لتطوير منظومتها التسليحية والاستخباراتية وكسب الشرعية الدولية، لذا ورغم العلاقات التاريخية الدافئة بين البلدين، نمت بعض الضغائن، وسُجلت عمليات تجسس بين البلدين:

«يسرقون» التكنولوجيا

البنتاجون ووزارة الخارجية هما القناتان اللتان تتدفق إليهما آلاف الرسائل السرية يوميا، يقول مسؤول في الخارجية الأمريكية "لو أن شخصا أراد إبلاغ وزير الخارجية بأمر ولم يرد للإسرائيليين أن يعرفوه، يتوجب عليّ الانتظار حين لقائه وجها لوجه".

قدمت وكالة الاستخبارات الوطنية تقريرها للحكومة الأمريكية عام 2013 عن التهديدات السيبرانية التي تتلقاها الولايات المتحدة، وقالت إن إسرائيل تأتي في المرتبة الثالثة، من حيث التهديد لأمن الولايات المتحدة الإلكتروني، فقط بعد روسيا والصين، تأتي إسرائيل، أوثق حلفاء أمريكا.

تصب إسرائيل اهتمامها بالقاعدة الصناعية الأمريكية، ومن المحتمل أنها حصلت على اليورانيوم اللازم لبرنامجها النووي من مفاعل بنسلفانيا، كذلك ألقي القبض على عملاء إسرائيليين وهم يسرقون تكنولوجيا لصناعة أنابيب الأسلحة المدفعية، ويقال إن هناك آخرين متهمون بسرقة نماذج لطائرات استطلاع من متعهدين أمريكيين وغيرهم، متورطين بسرقة مواد عالية التقنية تُستخدم في مجالات تطوير الصواريخ.

تتعلق إحدى الحالات الشهيرة بشركة «Recon Optical»، ومقرها ولاية إلينوي الأمريكية، وهي تنتج معدات مراقبة جوية حديثة جدا للبنتاغون ومجتمع الاستخبارات الأمريكي. في عام 1986، قام حراس الأمن في «ريكون» بالقبض على ثلاثة من ضباط سلاح الجو الإسرائيلي، سرقوا 50 ألف صفحة من الوثائق الفنية المتعلقة بالمعلومات الخاصة بالشركة.

لمدة عام تقريبا، كان هؤلاء الضباط يستغلون حقوق الزيارة المنصوص عليها تعاقديا ويمررون وثائق «ريكون» إلى شركة إسرائيلية منافسة هي «El El Electro-Optics Industries».  وفي النهاية أمرت هيئة التحكيم إسرائيل بدفع مبلغ 3 ملايين دولار لـ«ريكون» مقابل ما وجدته من أعمال غير قانونية «غادرة».

عانت «ريكون» من أضرار فادحة وبالكاد نجت من الإفلاس، غير أن تكنولوجيا البصريات المسروقة من «ريكون» قدمت على ما يبدو عناصر حاسمة من «أفق-3»، أول قمر استطلاع دائم في إسرائيل.

بحسب الاستخبارات الأمريكية، فإن المساعي الإسرائيلية للتجسس على الولايات المتحدة كانت مدفوعة بثلاثة أغراض؛ أولها بناء قاعدة صناعية إسرائيلية، لتوطين الصناعة في الدولة الناشئة، وثانيها، بيع أو تبادل هذه المعلومات مع دول أخرى ذات طموح صناعي وعسكري كالصين، وأخيرا، لأن هذه المعلومات السرية من شأنها أن تساعد إسرائيل على بناء علاقات قوية أخرى مع دول أخرى.

الجاسوسية السهلة

بدأ بولارد عمله في البحرية الأمريكية كمحلل استخبارات مدني، وهناك تعرف على أفيم سيلا، من كبار ضباط الجوية الإسرائيلية، وكان لتوه قد تقاعد للحصول على درجة الماجستير في علوم الكمبيوتر، أخبره بولارد بطبيعة عمله وعن معلومات تحجزها الولايات المتحدة عن إسرائيل، ومن ثم إمكانية عمله جاسوسا لإسرائيل.

توجس سيلا من أن يكون ذلك فخا من أحد عملاء «مكتب التحقيقات الفيدرال لاستئصال شبكة التجسس الإسرائيلية في واشنطن، لم يتوقع أنه بهذه السهولة يمكنه تجنيد عميل مهم لبلاده، اتصل سيلا بقيادته في البحرية الإسرائيلية، وتلقى تعليمات بضرورة التواصل مع بولارد، لكن مع كثير من الحذر.

خلال أيام، وفي يونيو (حزيران) من عام 1984 بدأ بولارد تمرير معلومات سرية لسيلا، وفي المقابل تحصل على مبالغ مالية وصلت لعشرة آلاف دولار، ومجوهرات ثمينة وياقوتة زرقاء، عرضها على صديقته فيما بعد لمّا تقدم للزواج منها. قال بولارد أمام المحكمة إن المال كان دافعه الأساسي لخيانة بلاده، لكن قضية بولارد كشفت أن إسرائيل بالفعل لديها لجنة استخبارات علمية، جندت فيها عددا من الجواسيس، كان بولارد أحدهم.

لم يكن العميل بولارد أول من تعاون مع تل أبيب من داخل الأراضي الأمريكية، تاريخ طويل من الجاسوسية سلكه آخرون قبله، حتى قبل أن تظهر إسرائيل للعلن عام 1948؛ جون دافيت، رئيس الأمن الداخلي لدى وزارة العدل الأمريكية بين عام 1950 و 1980، صرح بأنه خلال فترة عمله رُصدت الأنشطة الاستخباراتية الإسرائيلية أكثر من أي دولة أخرى عدا الاتحاد السوفيتي ألدّ أعداء الولايات المتحدة في ذلك الوقت.

وقد شهد مطلع الألفية الحالية سقوط العشرات من العملاء الإسرائيليين في شباك الأجهزة الأمنية الأمريكية، ليكونوا شاهدين على أكثر أعمال التجسس عدائية من دولة تجاه حلفائها، وهو الشيء نفسه الذي أكده تقرير الحكومة الأمريكية بعد أحداث 11 سبتمبر(أيلول) 2011، حتى أن اثنين من أعضاء «آيباك» (أقوى اللوبيات الداعمة لإسرائيل) اتُهموا بالضلوع في عملية تهريب وثائق حكومية أمريكية غير متداولة لصالح الحكومة الإسرائيلية، دارت فحوى هذه الوثائق حول التعاطي الأمريكي مع قضايا الشرق الاوسط.

تظاهرات إسرائيلية للمطالبة بالإفراج عن بولارد

وخلاصة الأمر، فيما يخص التجسس الإسرائيلي على الولايات المتحدة الأمريكية أنه اتخذ منهجين، يتعلق الأول بالمسؤولين الإسرائيليين رفيعي المستوى، وهو ما أقرته مذكرة قدمتها وزارة العدل الأمريكية في تسعينيات القرن الماضي حول تحويلات مالية مشبوهة قام بها عسكريون إسرائيليون رفيعو المستوى، يُعتقد أنه بغرض تغطية التكاليف الباهظة لعمليات التجسس، والمنجية الثانية اعتمدت على بعض القنوات الرسمية، من خلال البعثات التجارية الإسرائيلية، التي تنحرف عن مسار أعمالها الطبيعي والمتعارف عليه، كذلك الذي حدث مع شركة «ريكون».

كانت البلدان قد اتفقتا عام 1951 على عدم التجسس على بعضهما البعض، ضمن إطار تعزيز العلاقات، لكن أي منهما لم يلتزم بما ورد في هذه الاتفاقية، ومع ذلك فإن العلاقات بينهما لم تتأثر كثيرا، وربما مرد ذلك الاختراق الإسرائيلي للبيروقراطية الأمريكية من خلال جماعات الضغط، وكذلك كون إسرائيل هي الشرطي الأكثر وفاء لأمريكا في الشرق الأوسط، والأجدر على اختراق الأنظمة العربية والإسلامية، حتى تحولت علاقات هذه الدول بإسرائيل بوابة لنيل الرضا الأمريكي، وتأسيس علاقات جيدة مع الولايات المتحدة.

الولايات المتحدة ترد الاعتبار لأمنها القومي

عام 1996 صفعت الولايات المتحدة الأمريكية النظام الإسرائيلي على وجهه بقوة، فقد فُضحت خيوط عملية التنصت الأمريكي على نظام الاتصالات الإسرائيلي التابع لسفارتها في واشنطن، وتبيّن أن المكالمات الهاتفية التي تدار من داخل السفارة جميعها تمر أولا على وكالة الأمن الأمريكية، بعد أن قامت الأخيرة بالتوصل عبر عملاء لها إلى الكود الإسرائيلي المستخدم من قبل السفارة.

لم تكن عملية التجسس على سفارة إسرائيل الكائنة في العاصمة الأمريكية واشنطن هي عملية التجسس الوحيدة التي نعرفها، أواخر عام 2004، دخلت غواصة أمريكية للمياه الإقليمية الإسرائيلية، 18 كيلو مترا قبالة ساحل حيفا، لم تكن الغواصة بحسب التقارير الإسرائيلية في مهمة معروفة أو جرى التنسيق بشأنها سلفا، ولم تعرف الإدارة العسكرية الإسرائيلية عن سبب وجودها شيئا، لكن تقارير استخباراتية تحدثت فيما بعد عن عملية تجسس اضطلعت بها الغواصة لاعتراض إشارات عسكرية إسرائيلية والتعرف على مدى جهوزية الأسطول الإسرائيلي وقوة الردع لديه.

امتنعت القيادة العسكرية في إسرائيل عن الهجوم على الغواصة لكونها تابعة لدولة صديقة، حتى هربت وتبعتها حملة تمشيطية واسعة النطاق. ثم كانت «الفضيحة» الأكبر من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، تلك التي كشفها إدوارد سنودن، التقني الأمريكي والعميل السابق لـ«وكالة الاستخبارات الأمريكية، قال سنودن إن الولايات المتحدة وبريطانيا قامتا عام 2009 بالتجسس على البريد الإلكتروني لرئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إيهود أولمرت، وراقبتا رسائل إلكترونية جرى تداولها بين وزير الدفاع الإسرائيلي حينئذ إيهود باراك ورئيس أركانه، يوني كورين.

حاولت الولايات المتحدة من خلال التنصت على «كلبها الوفي» إسرائيل، التأكد من تبعيته لقيادتها للعالم، وأنه بعد لم يخرج عن هذا المسار المحدد لعلاقة البلدين، وتعتقد الولايات المتحدة بأن إسرائيل يمكنها أن تخفي بعض المعلومات السرية التي لديها عن الاستخبارات الأمريكية إذا ما رأت حاجة لذلك، ما يعني أن التوافق في الرؤى والحاجة المزدوجة لدى كل منهما للآخر لا تعني أبدا توحد المسار والمصير.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي