رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 21 تموز( يوليو ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2240

العراق بين كَيديَن والموقف الصحيح منهما

الاثنين - 11 شباط ( فبراير ) 2019

علي الشرع

طرفا هذا الكيد (الذي سنوضحه بعد قليل) هما قطر وتركيا من جهة، ويقابلهما السعودية والامارات من جهة أخرى، وانحازت مصر للطرف الثاني اضطراراً حيث كانت هي مركز هذا الكيد واللعبة الخطرة التي دفعت الشعوب العربية ثمناً باهضاً لها من دماء ابناءها ومستقبلها. فمصر التي يتواجد فيها الاخوان المسلمين بكثافة يشكلّون تهديداً للنظام السياسي المصري الحالي اكثر من تهديد السلفية؛ لكون السلفية ترعاها وتمولها وتسيطر عليها الحكومة السعودية، وبمجرد إيقاف تدفق هذا التمويل والدعم لها، فأن خطرها يضمحل، وتهديدها يزول، فلا خوف على النظام السياسي المصري منها، على عكس حركة الاخوان التي يميل لها الشعب المصري اكثر من السلفية، وخطرها قائم.

اما الكيد القطري فهو ناجم من قلق العائلة الحاكمة الدائم ان تجتاحها السعودية وتزيحها من السلطة من طريقين: الطريق الأول، من جهة الرغبة في الضم والهيمنة من خلال الاجتياح العسكري للأمارة من قبل السعودية وهذا سبيل قد يكون من الصعب تنفيذه بسبب ضغط المجتمع الدولي، اما الطريق الثاني فهو بث ونشر الفكر الوهابي السلفي في صفوف اهل قطر مما يجعل إمكانية إزالة العائلة الحاكمة امراً ميسوراً، وليس فيه اية استفزاز للقوى الكبرى. فتولّد من هذه المخاوف الكيد القطري الذي أراد ان يقوّي شوكة الاخوان المسلمين في المنطقة كلها، وينشّط عملهم حتى في السعودية والامارات من اجل صدّ الكيد السعودي المتجسد في التخطيط المستمر في ازاحتهم عن سدة الحكم. ولذا ترى ان حكومة قطر دعمت بقوة اخوان مسلمين مصر وليبيا وتونس ثم تمددت لسوريا والعراق. وارادت من خلال هذا التخطيط الكيدي ايضاً ان تتلاعب بمصير كل هذه الدول، فيكون الاخوان المسلمين سوطها الذي تبتز به الحكومات، وتهددهم وتفرض عليها من خلاله اجنداتها. ولربما لتكون هذه الدول التي ستقع تحت سياط قطر حائط صد تجاه ايران وحلفائها عن اسرائيل، حتى وان كانت العلاقة مع ايران ظاهريا جيدة، فقطر لا تريد ان تخسر حليف مثل ايران له خصومة مستمرة مع السعودية وتخلق لها أعداء جدد فتكون صيدا سهلاً للسعودية وهي في طريق تنفيذ كيدها و بعده لا زال في اطواره الاولى لم يكتمل. ولربما ان نجح الكيد فسوف يمهد ذلك الى جر المنطقة وشعوبها الى تطبيع شامل مع إسرائيل.

وانضمت تركيا لاحقا الى الكيد القطري وفضّلته على الكيد الاخر المقابل السعودي الاماراتي؛ لأن السبيل الوحيد لأردوغان حتى ينصب نفسه سلطان على أبناء السنة ( لأنه لن يتمكن مهما بلغ من قوة في ان يعيد فرض نفسه على أبناء الشيعة ولذا هم ركزوا على فصل السنة في إقليم خاص بهم كخطوة في هذا الاتجاه) هو عن طريق احياء حركة الاخوان المسلمين في المجتمعات السنية، ولأن قطر لديها نفس المخطط الذي يتناغم مع أهدافه الخاصة فقد انحازت تركيا بعد ان كانت جميع الأطراف متفقة في سوريا لإسقاط حكم بشار الأسد على الوقوف في صف قطر ذات التوجهات والميول الاخوانية حصراً من اجل هذه الغاية. ولربما أيضا يشترك اردوغان مع حاكم قطر بنفس النية في تسليم بلاد المسلمين طوعاً للتطبيع مع إسرائيل بعد ان يهيمنوا على القرار فيها، ويعزلوا ايران والقوى الشيعية بعيداً بحيث لن تمتد ايديهم الى إسرائيل فيهددوها.

اما الكيد السعودي الاماراتي فهو يمتلك أهدافاً معكوسة لكيد الطرف القطري التركي حيث تخشى الحكومة السعودية من تمدد الفكر الاخواني في بلادها وتقلص الفكر الوهابي الذي يهمين على مؤسسات الدولة مما يهد بقاءهم في الحكم. وقد تهدف الحكومة السعودية ايضاً ان تضع جميع أبناء السنة العرب بما فيها قطر تحت هيمنتها من خلال التلويح بالعصا الغليظة عبر نشر وترسيخ الفكر الوهابي. ولربما لدى هذا الطرف ايضاً هدف ضمني هو من اجل تجميع ودفع الدول السنية للتطبيع مع إسرائيل، وعزل ايران والشيعة بعيدا من اجل هدف اخر وهو صد المد الشيعي الذي يهدد الحكومة السعودية فيما لو تقلص الانتماء الى الفكر الوهابي في داخل المملكة.

طرفا الكيد كشف الخطط الخفية لبعضهما البعض فخرج الخصام الى العلن، وليس لهذا الخصام من حلّ كون كل طرف لديه مخاوفه التي قدّرها كما يبدو الوسيط الأمريكي ورجع من دون حصيلة في محاولاته لتقريب وجهات النظر، وحلّ الخلاف بين الدول الخليجية المتخاصمة داخل طرفا الكيد. والى الان الطرفان يتبادلان الاتهامات من ان هذا الطرف هو كان وراء دعم الإرهاب في العراق، اما في سوريا فلم يتهم احد الطرف الاخر بجريمة دعم الإرهاب في هذا البلد، لأن هذا شيء معلوم لا يمكن اخفاءه ولكن انسحبت الطرف السعودي الاماراتي من دعمه للمجموعات الإرهابية بعد ان وجدت السعودية والامارات ان سوريا ستسقط بيد الاخوان الذي يخافون تمدده وتهديده. اما في العراق، فالواقع ان كليهما دعم الإرهاب في العراق سواء انكروا كليهما او اتهم احدهم الاخر.

ولا نستغرب ان يصل اليوم صراعهما وكيدهما الى الاعلام بعد ان فشل التمويل والدعم العسكري والمالي. فالسعودية ستطلق قناة تلفزيونية محتوى برامجها الرئيس (او كله) من العراق، واذا لم يكن هذا كيداً جديداً بوجه اخر فأنه يسعى على الاقل الى تحييد العراق اذا لم يكن هدفه جذب العراق الى صف الطرف السعودي الاماراتي. كما يشاع ان قطر تحاول ان تقوم بنفس الخطوة وتطلق قناة تلفزيونية، والمهم بالنسبة للمجتمع العراقي ان لا يقع في فخ الانقسام من جديد، فيشايع قسم القناة الطرف السعودي، وينحاز القسم الاخر قناة الطرف الأخر، ثم تنتقل الى الشارع ولو بشكل محدود بعد التضحيات الجسيمة التي دفعها أبناء القوات الأمنية والحشد الشعبي من اجل إعادة اللحمة الوطنية وانهاء حالة الانقسام بين أبناء المجتمع.

وفي الختام علينا ان نلاحظ امراً مهماً انه بعد ان تخاصم طرفا الكيد تنفست المنطقة الصعداء. صحيح ان العراق لا ينتفع كثيرا من وجود خصومة بين البلدان العربية، ولكن العراق والعرب بل والعالم انتفع وسينتفع كثيرا من بقاء هذه الأطراف متخاصمة مالم يُزال من انيابهم سم الكيد الذي غرزوه في أجساد الامة، وشوهوا به تاريخها.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي