رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 23 ايار( مايو ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2204

"قادسية" صلاح أبو سيف

الاثنين - 11 شباط ( فبراير ) 2019

مالك خوري*

(الجزء الأول)

في 22 سبتمبر 1980 شن العراق هجوما عسكريا ضد ايران تمخض عن بدء حرب دامت أكثر من ثماني سنوات وانتهت عندما وافق البلدان على وقف لاطلاق النار برعاية الأمم المتحدة عام 1988. الآلاف من جنود البلدين توجهوا الى جبهات الحرب بين الدولتين الجارتين. وشهدت الحرب استعمال اسلحة محرمة دوليا وسقط فيها من الجانبين حسب بعض التقديرات حوالي المليون شخص بين العسكريين والمدنيين. في موازاة ضراوة الأسلحة التي جرى تسخيرها للاستعمال بين جيشي البلدين وحتى ضد المدنيين، كانت الحرب الدعائية التي شكلت أساسا بين الأدوات التي سعى من خلالها كلا من الطرفين الى شيطنة الطرف الآخر. قبل بداية الحرب بمدة قصيرة، باشرت الجهات العراقية الرسمية المسؤولة عن صناعة السينما بانتاج ما هو على الأرجح أكثر الأفلام تكلفة في تاريخ السينما العربية، وبالتأكيد اكثرها طموحا في تاريخ صناعة السينما في العراق. والفيلم كان ليروي قصة المعركة التاريخية الضخمة عام 636 ميلادية والتي استدعي فيها الصحابي سعد بن أبي وقاص ليستنفر جيشا ويقود المسلمين في مواجهة الفرس الذين كانوا في انتظاره بجيش قدره مؤرخون ب 120 ألف جندي ونحو 30 فيلا. فيلم القادسية الذي ظهر عام 1981 لم يبدأ مع المخرج صلاح أبو سيف، وذلك على الرغم من أن قدراته وخبرته الابداعية هي التي استطاعت أن تؤمن للفيلم استمرار العمل به وبالنهاية تمخضت عن خروجه الى النور. فالناقد المصري الراحل سمير فريد يشدد على ان المؤسسة العامة للسينما والمسرح في العراق والتابعة للدولة هي التي باشرت الى عرض مشروع انتاج الفيلم على أبو سيف، وأنه قبل بذلك من غير تردد.

في هذه الدراسة أتناول بالبحث كيف تفاعلت مكونات ثيمية داخل فيلم القادسية مع المتغيرات الخاصة بالتوجهات السياسية السائدة في المنطقة في الفترة التي خرج فيها الفيلم الى الوجود، وكذلك في الفترات الأقرب ليومنا هذا. وفي هذا السياق، تصف الدراسة محاكاة الفيلم لدلالات وتناقضات داخل الأطر العامة للخطاب القومي في العالم العربي والتوجهات الحداثية التي كانت تطغى على خطاب النظام العراقي في حينه، وتفاعل تلك المتغيرات مع الخطاب الطائفي المعبر عن الانقسام السني الشيعي وكلاهما في اطار العلاقات العربية الايرانية خلال تلك الفترات. وفي هذا الاطار أحاول هنا أن أرسم صورة عامة قد تساعد في فهم الظروف التي ساهمت في تحويل الفيلم، ومنذ البداية، الى عمل يطغى على قراءته كل ما شحن ويشحن عالمنا العربي من تشنجات ايديولوجية وسياسية خلال العقود الأربعة التي تلت انتاج الفيلم وعرضه في الثمانينات من القرن الماضي.

الفيلم ضمن الاطار العام للخطاب السياسي للحرب العراقية الايرانية

بعد بدء الغزو العراقي مباشرة، بدأ النظام في ايران بقيادة آية الله الخميني يستنفر البلاد للحرب رافعا شعار الدفاع عن الاسلام: أحد المساعدين في لجنة الاعلام الحربي في حينه يقول أنه في حين كانت الدعاية الحربية الايرانية تقوم من وقت لوقت باستعمال خطاب قومي، لكنها كانت تميل أكثر وبشكل أوضح وأكثر ثباتا الى محاولة اظهار ايران بصورة المدافع عن الاسلام.

وهذا كان يضيف الى تأييد الموقف الايراني على الصعيد الشعبي الداخلي خصوصا لجهة استنفار الدعاية الايرانية لمحاربة ما كانت تعتبره نظاما عراقيا علمانيا "معاديا للدين الاسلامي". وشكلت مرجعية أحداث كربلاء التاريخية في هذا السياق، بما تمثله من الاعتبار بقصة القتل الوحشي لحفيد النبي محمد والأغاني التقليدية التي تقترن بهذه المناسبة أساسا مكونا ضمن الجهود الاعلامية الدعائية الايرانية في تلك المرحلة. (حجار2010).

 

أما حزب البعث الحاكم في العراق في حينه فكان جزءا من حركة تصف نفسها بالقومية العربية والاشتراكية. وكان زعيم الحزب في العراق صدام حسين يحاول جاهدا للاضفاء على الجيش العراقي صفة المدافع عن الجبهة الشرقية للامة العربية. بيد أن الدعاية الاعلامية للحكومة العراقية لم تكن فقط وببساطة تركز على موضوع الهوية العربية القومية، بل أنها كانت تعمل بشكل متوازي على ابراز الحكم العراقي كعامل تطوير حداثي وتقدمي داخل المنطقة العربية. وجري التشديد على هذا الطرح ضمن مقارنة النموذج العراقي مع النموذج الايراني الذي كان يوصم بالرجعية وبالهوس والتطرف الديني وبمعاداة حقوق المرأة. وكان لهذه الدعاية وقعا ايجابيا بشكل عام في شرائح وأوساط الطبقات الاجتماعية العراقية الوسطى في حينه. بيد أن المكون الأهم في الخطاب الاعلامي الشعبوي للحكومة خلال هذه الفترة كان التركيز على الوطنية العراقية والدفاع عن الوطن ضد العدو الفارسي. (خوري 2013)

بعد عام واحد من بدئه الحرب ضد ايران بدأ الرئيس العراقي يطلق عليها توصيف "القادسية الثانية" وذلك بالعودة الى المعركة التي جرت عام 636 بعد الميلاد والتي انتهت بأفول الامبراطورية الفارسية بعد هزيمتها أمام الجيش العربي. وكان يعني هذا أنه حتى لو كان المخرج صلاح أبو سيف مهتما باخراج فيلم تاريخي وحسب، فان الخطاب الذي سيشكل هوية الفيلم وتلقيه سوف يتخذ حياة خاصة به تذهب الى ما وراء ما كان يتوقعه أو يهدف اليه مخرجه. ويقول سمير فريد بما معناه أن أبو سيف أخرج الفيلم كعمل تاريخي، وأنه أسر له شخصيا بعدم رضاه عن استخدام الحكومة العراقية للفيلم في الدعاية السياسية لحربها ضد ايران، خصوصا بعد اطلاق هذه الحكومة على الحرب توصيف "قادسية صدام". ويتابع فريد، أن لا أبو سيف ولا أحد آخر كان يعرف أو يتوقع شيئا عن الحرب حين كان الفيلم قيد الاعداد أو التنفيذ، (فريد 2007).

الفيلم تم الانتهاء من العمل به في صيف 1980، أي قبل اندلاع الحرب العراقية الايرانية في خريف السنة نفسها. وجمع الفيلم التاريخي ذي الطابع الملحمي فريقا متميزا من الممثلين النجوم والأهم من مصر والعراق مثل عزت العلايلي وسعاد حسني وليلى طاهر ومحمد حسن الجندي وسعدية الزيدي وطعمة التميمي وغيرهم. أما أبوسيف نفسه فكان واحدا من رموز السينما المصرية والعربية ومن أكثرهم شهرة على الصعيد العالمي. ومنذ ظهوره، اعتبر الفيلم رمزا لفكرة الاتجاه العربي القومي الذي كان في أساس الخطاب السياسي لحزب البعث العربي الاشتراكي الذي كان يحكم العراق في حينه، كما جرى تصويره من قبل الكثيرين على أنه لم يكن أكثر من أداة للدعاية السياسية لهذا النظام. ومع انتهاء العمل بالفيلم، كانت مرجعيات الاسم واللحظة التاريخية التي يتناولها قد اضحت جزءا من الخطاب العلني والرسمي للحكومة العراقية بالنسبة للحرب مع ايران. كما أن الاعلام العراقي الدعائي كان يلجأ بصورة مستمرة الى المقارنة ما بين الأهداف التي وصف العرب بها حربهم في القرن الخامس، والتي رأوا فيها "حربا دفاعية" ضد الامبراطورية الفارسية، وبين الأهداف المعلنة للحكومة العراقية في الحاضر والتي كانت تعتبر الحرب جزءا من المواجهة ضد محاولات النظام الايراني لزعزعة الاستقرار في العراق وفي العالم العربي.

القادسية في اطار النوع السينمائي التاريخي

حتى ذلك الحين لم يقم صلاح أبو سيف باخراج الا فيلم واحد من النوع التاريخي المكلف نسبيا وهو فيلم فجر الاسلام عام 1971 والذي كان بدوره قائما على ثيمة تاريخية تستند الى خلفية دينية. أما كل أفلام أبو سيف الأخرى فكانت معتدلة أو منخفضة الميزانية بشكل عام. وفي حين تناول فجر الاسلام المراحل الأولى لانتشار الدين الاسلامي، ركز فيلم القادسية على فترة زمنية مفصلية تزامنت مع فترة حكم الخليفة الثاني في التاريخ الاسلامي عمر بن الخطاب ، والقيادة العسكرية لسعد بن أبي وقاص. بدأ انتاج الفيلم في نهاية عام 1979 وجرى تصويره في منطقة الحبانية، حوالي مئة كيلومتر غرب مدينة بغداد، وعرض للمرة الأولى في 1 يوليو 1981.

يعتبر فيلم القادسية أحد أكثر الأفلام كلفة في تاريخ السينما العربية، حيث جرى تقدير ميزانيته بحوالي أربع ملايين دينار عراقي (آنون، 2010) ، وهو ما كان يعادل في حينه حوالي 15 مليون دولار أميركي، وهذا رقم ضخم لكنه معقول ضمن أي تقييم للشكل العام للفيلم. بيد أنه من الصعب توثيق هذا الرقم من أي مصدر كان له علاقة مباشرة بحسابات الفيلم المالية. وقد شارك في الفيلم أكثر من 300 ممثل عربي بما في ذلك نجوم من الصف الأول في مصر والعراق، كما جرى توظيف مواهب مهندسين وموسيقيين وفنانيي تصميم وديكور وتقنيين كبار من دول عربية عديدة. كما قامت الحكومة العراقية بتوظيف عدد كبير من الاختصاصيين الاسبان لتصميم وبناء الديكور وانتقاء وتنفيذ مشاهد المعارك الكبيرة في الفيلم، بما ذلك استيراد وادارة استخدام مجموعة من الفيلة الهندية والتي جرى توظيفها في تصوير المعارك الأساسية في الفيلم. وشارك الفيلم في عدد من مهرجانات السينما في العالم بما فيها "كان" كما جرى ترشيحه للجائزة الذهبية في مهرجان موسكو السينمائي الدولي.

يتبع..

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي