رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 16 ايار( مايو ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2203

بصرتهم وبصرتنا

الأحد - 24 شباط ( فبراير ) 2019

حسام السراي

بمعزل عمّا تملكه من نفط وموقع جغرافيّ ومكانة تاريخيّة، للبصرة سرّ كيان مقهور ومُنهك تنجيه من الموت في كلّ مرّة قدرة إلهيّة خارقة.

قالوا عنها إنّها "أمّ الخير"، وغنّتها مواويل وأغانٍ كثيرة بأنّها "أم العود"، وهي كلّ ذلك وأكثر، لأنّها مدينة الأدب أيضاً والشهداء والروح العراقيّة الصبورة.

في ذاكرتنا مع الحروب، حازت البصرة مكانة خاصّة، منذ كانت إحدى أهمّ ميادين الحرب العراقيّة الإيرانيّة، وبالتحديد بعد سقوط الفاو.

وعادت لتتصدّر الأحداث في العراق، أيّام الانتفاضة الشعبانيّة 1991، بعدما تعرّضت له من قصف أميركي، جعل آبار نفطها مجرّد آثار من دخان يتصاعد فوق المدينة.

في العام 1999، تكرّرت قدرة هذه المدينة على أن تكون حدثاً مركزيّاً في البلد، بعد اغتيال السيّد محمّد صادق الصدر، وما تلاها من قمع واعتقالات.

وكان الاجتياح الأميركي للعراق قد أعلن عن وجوده بعد انتهاء معركة أم قصر 2003، ومرّت سنوات لتنتفض البصرة على هذا النظام وممثّليه في المحافظة وتقدّم قافلة من الشهداء الذين أشروا- في العام 2015- ظهور نَفَس جديد في الاحتجاج العراقيّ ككل.

في 2018، سجّل شبابها منازلة مهمّة هزّت الطبقة السياسيّة برمتها، يوم خرجوا وقالوا: "نريد وطناً محترماً".

وفي كلّ زيارة لهذه المدينة، يلاقينا هذا المشهد، الدخان يرتفع من آبار نفطها، وهو يتوجّه إلى رئات البصريّين ويلوّث مدينتهم، والشارع والحياة في أحياء هذه المحافظة في تراجع مستمرّ، وما من دلائل- وإنْ كانت بسيطة وعابرة- على إفادة الناس هناك من هذه الثروة الكبيرة القابعة تحت أقدامهم.

مظاهر عدة بائنة للزائر، تقهقر في مستوى الخدمات، ولا دور للبلدية يجعل الشوارع نظيفة ولائقة، شيء واحد مزدهر هناك هو "الاشتباكات العشائريّة" التي يعلو صوت نيرانها ليلاً.

كانت هذه هي مظاهر بصرتهم، بصرة الأحزاب الحالية والبشر الذي يستسلم للوضع القائم برميه النفايات في كلّ زاوية، وبصرة المتاجرين بخرابها الذين يريدونها معبراً للبضائع والنفط والقومسيونات والمخدرات والسرطانات.

أمّا بصرتنا، فشكلها آخر، وتبدأ من الوجوه البصريّة المُحبّة التي تتفاءل وتتعالى على كلّ ما حولها من تردٍ، حيث أعداد من الذين أطلّوا على تجارب الحياة للتوّ.

هناك في "بصرتنا"، نخلة راسخة عبرت عقوداً من تدمير الذات العراقيّة، لتبقى هذه النخلة شاخصة وثابتة باسم محمّد خضير.

وفيها أيضاً شارع الفراهيدي، الذي هو منبر أسبوعيّ للكتب وللقاءات المعرفيّة التي ستترك بصمتها فيما بعد.

وفي أحد شوارعها، نلتقي "فيروز" في مقهى جديد استقدم سيرة هذه الأيقونة الفنيّة التي دخلت تاريخ العرب، وأحاط اسمها بالعديد من الأعمال الغرافيتيّة والكتابات، ليسهم هذا المكان المؤنث- وإنْ بعد حين- في التخفيف من قبح ما فعله الفحول في المدينة.

بعد الذي رأيناه، يحقّ لنا القول: الفرق كبير وشاسع بين بصرتهم وبصرتنا.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي