رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 17 نيسان( ابريل ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2180

عن عيد الأم أكتب.. وذكريات الطفولة والحرب

الأربعاء - 20 اذار( مارس ) 2019

تمارة عماد

ما تزال كلمات أنشودة ريمي، عالقة في ذاكرتي. نحن جيل التسعينات نذكرها ونُرددها ونبكي معها!

كانت تقول الكلمات بذاك الصوت العَذب:

"أنتِ الأمان

أنتِ الحنان

من تحت قدميك لنا الجنان

عندما تضحكين

تضحك الحياة

تزهر الآمال في طريقنا

نحس بالأمان

أمي

أمي

أمي

نبض قلبي

نبع الحنان

أنتِ الأمان

أنتِ الحنان

من تحت قدميك لنا الجنان

من عطائك تخجلي

أبداً لم تتململي

يا شمعة دربي

يا بلسم الزمان

أمي

أمي

أمي

نبض قلبي

نبع الحنان..".

وهكذا كَبرنا والحنان يُحيطنا من كل جانب؛ حنان لا يخلو من القسوة احيانًا والحزم احيانًا أخرى. كَبرنا ولم نكن نعلم أن قسوة الحياة اشد وطأة من قسوة أمهاتنا. كان الدلال يُحيطنا لكننا كُنا نكبر كل عام. ونُغادر منطقة الدلال نحو عالم مختلف فيهِ من الناس الكثير؛ فيهِ من الأصحاب والأصدقاء؛ فيهِ من اللعب والمزاح وأيام الامتحان وفرحة النجاح.

ما زلت أذكر كيف غَادرت عالم الدلال الأول بعد ان اخذت مسؤولية واجباتي المدرسية بالكامل، وأنا في الثالث الابتدائي. كانت أمي تراقبني فحسب؛ تتابعني فحسب؛ توجهني نحو ماهو الصحيح، وما هو الخطأ، الذي قد يتسبب في حرماني من شراء مجلة ماجد التي كانت أكبر أفراحي، وأكثرها سرورا عندما أقتنيها، وكأني أحمل بين ذراعي كنزا ثمينا، يملأ قلبي الشغف، بينما أقرأ موزة الحبوبة وكسلان جدا، واشعر بالنصر عندما أجد فضولي جداً من المرة الأولى التي أبحث فيها عنه.

كانت طفولتي تحمل الكثير من الألوان والأوراق والأقلام والقصص؛ العديد من القصص التي تحكي حكايات طُبعت في ذاكرتي لأقصها على أطفالي مستقبلاً.

مرت السنوات، كَبرنا، أنا وكل من كان يردد اغنية ريمي بفرٍح وبهجة وسرور..

كَبرنا، ومازلت حتى اللحظة لا أعرف كيف حصل ذلك..!

أذكر أني مازلت على مقاعد الدراسة، أنتظر الإمتحان وجرس الفسحة، ورائحة العُشب، واصواتنا ونحن ننشد النشيد الوطني ونحتفي بالعراق العظيم!

كَبرنا يا أمي كثيراً.. إنها الحرب

لا شيء غير الحرب

اذكر أن المدفعية استوطنت مدرستي. أذكر أن أمي كانت تطهو الطعام، وتنشر الغسيل بينما أصوات القصف الصاروخي تتعالى وتقترب. أذكر أن لون بغداد تحول للأصفر والضباب الأحمر. ثم تلاه ليل قاتم، لا ضوء فيهِ سوى دوي القذائف والحرائق التي تشتعل، وهي تستهدف الأماكن الحيوية الحكومية في بغداد على جانبي الكرخ والرصافة، تعكس صورة بغداد على نهر دجلة فيبكي النهر؛ بينما نترقب نحن الأطفال في حيرة وقلق بانتظار مستقبل مجهول قادم إلينا!

بدأت الحرب منذ ذلك الحين

ولم تنته. ما زالت حتى يومنا هذا قائمة، تأكل أحلامنا، تأكل طفولتنا، شبابنا.. خوفي أن نشيخ نحن وما يزال هذا الوطن في حرب!

بدأت المقال كي أكتب عن الأم بمناسبة عيدها، لكن ها أنا ذا وجدت نفسي وسط الحرب..

بين الأيتام..

بين الخِيام..

لا أم، لا أب، لا بيت، لا عائلة

اجهش في البكاء على أطفال لم ألدهم؛ على اخوة لم تنجبهم أمي؛ على آباء رحلوا قبل مجيء أطفالهم؛ على بيت قصف تحت الحرب ليس بيتنا؛ على عائلة لا تعرفني ولا أعرفها، لكني أفكر بها وبمئات العوائل وملايين النساء اللواتي أخذت الحروب منهن ما أخذت.. وما خفي خلف الواقع ومأساته هو أعظم!

كنت أطمح لأن احتفي بأمي في عيدها عبر هذه السطور، لكني شعرت بأن هناك أمهات منسيات، يأكل القهر في قلوبهن وتعشش الغصة في صدورهن، ويستوطن الخوف في أعينهن. من أجلهن يجب أن نكتب. وبصوتهن يجب علينا أن نصرخ ونكسر جدران الصمت والخوف تلك، فقط لأن للأم مكانة عظيمة في قلب كلّ منّا.

عيد أمٍ سعيد لأمي الحبيبة التي سأبقى أتعلم من صبرها كل يوم... لكل المقهورات والفَرحات والقويات والصامدات والصابرات والحارسات على راحتنا من الأمهات، لأمهات الشهداء والمعتقلين والمفقودين.. لكل امٍ سهرت وعلمت وجاهدت كي نكون حيث نحن الآن.

أمي...

كنا أطفال حين بدأت الحرب.. وأصبحنا آباء وأمهات وما زالت الحرب مستمرة.. أكلت أيام عمرنا، ولم تكتف منا، ولن تكتفي!

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي