رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 17 نيسان( ابريل ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2180

قراءة في الفصل الرابع: الموارد المائية: الشح في المتاح والتبذير في الاستعمال

الأربعاء - 20 اذار( مارس ) 2019

الحلقة الرابعة

خص الدكتور علي خضير مرزا فصلاً في كتابه القيم للبحث في موضوع مهم جداً لحياة الإنسان ومستقبله ووجوده على الأرض. موضوع شغل ولا يزال وسيبقى يشغل بال العراقيين يومياً ويؤرقهم كثيراً، سواء أكان بالنسبة لحاجة مختلف القطاعات الاقتصادية، ولا سيما قطاعي الزراعة والصناعة، بما في ذلك صيد الأسماك، أم للاستخدام اليومي لإرواء عطش الإنسان الدائم للماء الذي يتراوح بين 70-90% من جسم الإنسان على حسب عمر الفرد، كما "يُشكِّل الماء ما يقارب 99% من الجسم الزجاجي للعين، و90% من الدم، و79% من القلب، و75% من عضلات الجسم وأعضاؤه الداخلية، و75% من العقل، و30% من العظام، و1.8% من مينا الأسنان" (أنظر: مريانا قمصية، كم نسبة الماء في جسم الإنسان، موقع موضوع، 2017).

في هذا الفصل قدم لنا الزميل مرزا جهداً مشكوراً، لمعرفتي بموضوع المياه بسبب عملي السابق كعضو متفرغ في المجلس الزراعي الأعلى، حيث ناقش المجلس هذه المشكلة مرات ومرات بحضور وزراء الري والزراعة والعديد من المختصين بشؤون المياه ومشكلات الري والبزل، كما أتباع باستمرار ما ينشر من محاضرات وكتابات الزميل الدكتور حسن الجنابي بصدد مشكلات المياه والأهوار والمياه الجوفية والسدود واتفاقيات وعلاقات المياه الدولية، إضافة إلى ترجمته الكتاب المهم عن الأهوار العراقية الصادر عن دار المدى ببغداد في 2005. وفي عام 2012 استمعت إلى محاضرة قيمة للبروفيسورة الدكتورة سلمى سدّاوي ألقتها في المنتدى العراقي بمدينة تورنتو في كندا بعنوان "ازمة مياه وادي الرافدين وتداعياتها"، حيث وصلتني نسخة منها موجودة في أرشيفي الشخصي. وفي عام 2005 أصدرت وزارة الموارد المالية "موسوعة دوائر الري في العراق- منذ شباط 1918 إلى شباط 2005"، بطباعة ممتازة وتكلفة عالية جداً، ولكن هذه الموسوعة تضمنت الكثير عن السدود ومشاريعها، ولكنها خلت تماماً من البحث في مشكلات الري والسدود في العراق وعن سبل معالجتها لصالح العراق، رغم إنها قضية ذات أهمية فائقة وترتبط بحياة وأمن وسلامة الإنسان والمجتمع.

تشير بعض الدراسات الغربية إلى أن احتمال حصول حروب مستقبلية بسبب شحة المياه، ولاسيما بين الدول المتشاطئة التي تمر عبرها مياه الأنهر الدولية، كما ورد ذلك في المؤتمر الدولي الذي انعقد في عام 1999 في مدينة كاين الفرنسية، (انظر على سبيل المثال لا الحصر: محور حروب الألفية الثالثة: هل ستقع الحرب من أجل المياه؟، موقع البيان 1999). كما جاء في مقال آخر ما يلي: "حدد باحثون هيدرولوجيون وسياسيون عددا من المناطق في جنوب آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية حيث يمكن أن تنشب في المستقبل حروب ونزاعات من أجل المياه." (أنظر: الحروب المستقبلية على موارد المياه تهدد العالم، موقع تلفزيون روسيا بالعربية، 2017). وكذلك يمكن أن تتفاقم الصراعات وتنشب الحروب بسبب التصحر والهجرة السكانية الكبيرة، ولاسيما في أفريقيا، إضافة إلى الإشكاليات المائية بين دول منطقة الشرق الأوسط. ومن هنا تحتل مشكلة المياه في العراق وفي جميع أرجاء العالم موقعاً بارزاً ضمن مشاكل البشرية الراهنة والمستقبلية.

يقدم لنا الدكتور علي مرزا في هذه الدراسة التشخيصية والتحليلية المكثفة واقع المشكلات التي تواجه العراق في مجال المياه أولاً، ثم المشكلات القائمة مع الدول التي تنبع منها المياه الدولية وسبل التعامل معها ثانياً، والموازنات المائية الآفاقية الغائبة عملياً عن العراق رغم كثرة الخبراء والخبرات المتراكمة في العراق والمبالغ المصروفة عليها ثالثاً، وأخيراً يستعرض حالة السدود الرئيسة، ولاسيما سد الموصل، ضمن مجموعة السدود ومشاريعها في العراق. ومن الصواب تأكيد التخلف الفعلي في وعي الإنسان المائي وفي المجتمع في العراق، إذ لا يزال بعيداً جداً عما يجب أن يكون عليه بسبب سوء استخدامه للماء وتبذيره المفرط به، وبسبب غياب التوعية الحكومية بمخاطر هذا السلوك غير العقلاني مع المياه، علماً بأن سياسة الدولة ذاتها تعبر عن تخلف الوعي لدى المسؤولين أنفسهم إزاء المياه ولا يتصرفون بحكمة وعقلانية مع ما هو متاح منه ولا يمتلكون رؤية واقعية لسياسات مائية مطلوبة.

ولخص الزميل علي مرزا المشكلات المحلية بتدني وسوء استخدام المياه وانخفاض إنتاجيتها، وانخفاض الحصة المائية التي تصله من تركيا ومن إيران، وعدم كفاية معدل سقوط الأمطار، وزيادة نسبة التصحر، وعجز السلطات العراقية عن وضع حلول عملية لمعالجة الصيانة وإدارة العرض والطلب على المياه، وتواضع التنسيق مع الدول المتشاطئة بسبب عدم تطبيق الاتفاقيات الدولية بهذا الخصوص، ثم قلة استثمارات العراق في قضايا الري ومشاريع السدود والصيانة والإدامة والبزل التي كلها تقود إلى نشوء فجوة متسعة بين العرض للمياه والطلب عليها. (أنظر، مرزا، الكتاب، ص 71). وهي مشكلات معقد تستوجب المعالجة الجادة. ومع اتفاقي التام مع الدكتور مرزا بتشخيصه لهذه المشكلات، أجد من الضروري الإشارة الواضحة إلى ثلاث مشكلات عصية ومهمة أخرى لعبت ولا تزال وستبقى تلعب دورها المؤذي في التأثير السلبي على الوضع المائي في العراق، وهي:

  1. ضعف الدولة العراقية وعجزها عن مواجهة مشكلة المياه مع الدول الأخرى دبلوماسيا وسياسياً عبر الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي والهيئات الدولة المختصة بهذا الشأن، لاسيما وأن التباينات السياسية بدأت، ومنذ عقود، تلعب دوراً واضحاً في التأثير على السياسات المائية وممارسة الضغط للوصول إلى أهداف معينة. نلمس هذا في سياسة تركيا وإيران ولاسيما في الثلاثين سنة المنصرمة، ويمكن أن تتفاقم هذه الظاهرة في ظل الأوضاع المتفاقمة في المنطقة وبين الدول الثلاث المتشاطئة (تركيا وسوريا والعراق). إضافة إلى التعقيدات الراهنة مع إيران.
  2. عدم الولوج الكافي والبحث في موضوعين مهمين لعلاقتهما المباشرة بالإنسان والاقتصاد، هما الأهوار، والتي يمنحها الزميل الدكتور حسن الجنابي أهمية كبيرة، وموضوع المياه الجوفية وحفر الآبار، التي حاول العراق التحرك عليها بشكل جيد في السبعينيات من القرن العشرين، ثم تراجعت منذ الحرب العراقية-الإيرانية حتى الآن.
  3. حالة التلوث الشديدة الحاصلة في مياه الأنهر، والناتجة، كما تشير إلى ذلك الكثير من الأبحاث، ومنها بحث الدكتورة سلمى سدّاوي، في البحث المشار إليه سابقاً، عن العوامل التالية: المياه المعادة الى الانهار بعد الاستخدام مباشرة وبدون عمليات التحلية، النفايات الصناعية والتصنيع العسكري والمعدات العسكرية الثقيلة التي تركت على الارض بعد الحروب الطاحنة (وهي احد الاسباب المباشرة لتلوث المياه السطحية والجوفية بسموم المعادن الثقيلة)، غرق حاملات نفط اسود عملاقة في شط العرب، رمي القمامة وبكميات كبيرة جدا في الانهار وعلى ضفافها، نمو نباتات وأشنات بكميات كبيرة في قاع الأنهر، سموم العتاد المستخدم في الحروب الثلاث والنظام السابق في العراق" أنظر: سدَّاوي، مصدر سابق)، ولاسيما استخدام السلاح الكيمياوي من قبل النظام في العام 1988 ضد البيشمركة الكردستانية والحركة الأنصارية في إقليم كردستان، وخاصة في حلبچة وباهدينان، واستعمال اليورانيوم المخضب من جانب الولايات المتحدة في حرب عام 1991. وسيبقى تأثير هذا التلوث المريع لسنوات طويلة قادمة 

صورتان لطفلين مشوهين ومصابين بالسرطان من ضحايا البصرة. من ملف البروفيسور الألماني الفقيد سيكفارد هورست گنتر على كارثة اليورانيوم في الجنوب، 1995

ومشكلة التلوث هي التي قادت إلى أكبر الاحتجاجات أخيراً في محافظة البصرة التي نتجت عن حصول حالات تسمم بلغت 111 ألف حالة. (انظر: تقرير عن " ارتفاع حالات التسمم جراء تلوث المياه في البصرة إلى 111 ألفاً، رووداو، أربيل، 14/10/2018). ليست مياه العراق وحدها تعاني من التلوث الشديد، بل إن الأرض والهواء في العراق يعانيان من التلوث الشديد، ولاسيما جنوب العراق ووسطه، إضافة على بغداد، حيث برزت أنواع هائلة من التشوهات الخلقية والأمراض السرطانية بسبب استخدام الولايات المتحدة الأمريكية للعتاد المخضب باليورانيوم 38 والذي استخدم في اصطياد الإنسان والدبابات والمدرعات والعراق كله في حرب الخليج الثانية لتحرير الكويت وفي المنطقة الواقعة في الصحراء بين الكويت وصفوان، الذي أدى إلى قتل الآلاف من أفراد القوات المسلحة العراقية والذي أعاد العراق إلى ما قبل التصنيع، كما هدد بذلك جيمس بيكر، وزير خارجية الولايات المتحدة في اجتماع مع طارق عزيز في جنيف عام 1991، وفي التدمير اللاحق للبنى التحتية في حرب الغزو والاحتلال عام 2003 للإطاحة بالدكتاتورية. (أنظر: محمود سعيد الطائي روائي عراقي، صيد البط البري، رواية عن حرب 1991، دار ضفاف للنشر- الشارقة – بغداد، طبعة أولى 2013).  

وكان الزميل مرزا محقاً في تأكيده ضعف اهتمام المسؤولين في العراق بالبحث عن معالجة المشكلات مع الدولتين الجارتين وبالاستناد إلى القانون الدولي في توزيع المياه بين الدول المتشاطئة من جهة، وإلى غياب التخطيط والتنسيق لاستخدام المياه معها، وهو أمر يقع ضمن طبيعة الدولة وهشاشتها وعجزها عن معالجة المشكلات التي يعاني منها المجتمع، والتي لا بد من ذكرها، لأن الاقتصاد، ومنه اقتصاد المياه واقتصاد النفط وعموم الاقتصاد، ليس هدفاً بذاته، بل وسيلة لتحقيق هدف أساسي هو إشباع حاجات المجتمع وتطوره وازدهاره وإسعاده. وللبرهنة على هذا الواقع يورد الدكتور مرزا الموقف من خطط التنمية وحصة العراق المالية والموازنة المائية بعيدة المدى والتي يقول فيها بعدم ارتياح واضح "لقد تكررت ذات الأهداف والتوصيات المائية تقريباً في خطتي التنمية الوطنية 2020-2014 و2013-201، من ناحية، ولم تخرج عن الأهداف والتوصيات المبينة أعلاه، بما في ذلك الدعوة لإنجاز الموازنة المائية بعيدة المدى، (والتي لم تكن منجزة عند إعداد الخطة)، من ناحية أخرى" ويقدر الزميل مرزا، إلى إن العراق سيواجه ازمة مائية، إذ يشير في مكان آخر، بأن الخطة لا تحتوي على "موازنة إضافية بديلة لتلافي هذا العجز الكبير المتوقع في الموارد المائية..." وينهي ذلك بقوله: " ويعكس ذلك، بالإضافة للظروف المضطربة في المنطقة، عدم وجود استراتيجية واضحة أو إدراك عام لدى الدولة، على المستوى الرسمي. (أنظر: مرزا، الكتاب، ص 89). كما يمكن أن نلاحظ هذا الموقف غير المسؤول والعبثي في قضايا المياه والسدود العراقية، وخاصة سد الموصل، الذي تسبب برعب شديد لدى سكان بغداد، الذي ذكرهم بفياضات دجلة السنوية وآخرها كان عام 1954، والكوارث التي كان يتسبب بها، حين أشير إلى احتمال تخريبه من قبل تنظيم الدولة الإسلامية المجرم (داعش) والمشكلات التي بدأت فيه منذ اختيار المنطقة وطبيعة الأرض أو التربة التي أقيم عليها السد والإصرار على ذلك رغم معرفة ما يمكن أن يحصل له مستقبلاً. إضافة إلى المشكلات المرتبطة بشط العرب التي خلقها النظام الصدامي السابق في مساومته المخزية والخيانية مع نظام شاه إيران لضرب حركة التحرر الكردية المسلحة في العام 1975 بتقسيم شط العرب بين العراق وإيران، في حين كل الاتفاقيات السابقة اكدت "إن شط العرب جزءٌ من العراق". ولا بد من إعادة النظر بهذه الاتفاقية السيئة بما يعيث للعراق حقوقه المشروعة في شط العرب.

إن الدراسة التي بين أيدينا، ورغم كثافتها الشديدة، توضح لنا بجلاء واقع العراق المائي المعقد والمبرمج منذ سنوات لإنتاج مشكلات كبيرة وجديدة قادمة، إذ يتوضح ذلك من خلال التمعن فيها وفي الجداول الملحقة بالدراسة والتي لا بد من الاطلاع عليها لتتوضح الصورة على حقيقتها وعلى دور وسياسات دول الجوار في تعقيد أوضاعنا المائية.            

انتهت الحلقة الرابعة وتليها الحلقة الخامسة: قراءة في الفصل: المشهد النفطي 1921-2002، الامتيازات النفطية والإدارة الوطنية

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي