رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 17 نيسان( ابريل ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2180

جرح الصبّات الغائر

الاثنين - 8 نيسان( ابريل ) 2019

عمار حميد مهدي

أشعر بالهواء يتجول بحرّية في الطرقات بعد سنوات طويلة من الاختناق الذي احدثه تواجد تلك الجدران الكونكريتية ذات اللون الرمادي الكئيب. وأنا اقف امام هذه الصبّات وهي ترتفع عن الشارع تأملت الأثر الغائر الذي تركته على الأرض كان غائرا مثل جروح آلامنا ودموعنا المتراكمة على سنوات اعمارنا طيلة فترة مكوثها. لقد كان أحد السياط التي جلدتنا وشاركت في حفلة الفتك والعذاب والتي منعت عنا الإحساس بمتعة الحياة وادامة حزننا الذي ظننا انه سيدوم فيما لم تكن انظارنا ترنو الى شيء ولم تطالع سوى هذه الكتل الصمّاء من الأسمنت والحديد كأنها كانت ترسل رسالة تقول فيها: (فقط انا سأكون معكم حتى النهاية وانا فقط الذي يصغي اليكم بصمتي وصلابتي ولوني الرمادي).

ثم رأيت اسفل قاعدة الصبّة الكونكريتية، وهي توضع برفق بواسطة الرافعة في الشاحنات، استعدادا للرحيل عن المدينة وتبادر الى الذهن كم هي بالغة النظافة عند اسفل قاعدتها التي حبست ومنعت بثقلها حتى ذرات الغبار والديدان والأعشاب ان تزحف من تحتهاِ وعدم الالتصاق بها هو رسالة رفض لما تحويه شوارع المدينة الاندماج مع هذا الدخيل الغريب، وتأملت طويلا في الشكل ذي الزوايا القاسية والحادة الذي صار رمزا للقنوط والرتابة والجمود لسنواتنا العجاف والذي فشلت فيه كل انواع الأصباغ وأنامل الرسامين وريَشهم لمحاولة اضفاء لمسة من تغيير ذلك اللون الرصاصي المفعم بسخام الحروب.

جذب انتباهي بقايا صور وملصقات ذابت على سطحك القاسي تعود الى لصوص يبتسمون ابتساماتهم المصطنعة الصفراء ويرتدون اربطة عنقهم الأنيقة المصبوغة بلون دمائنا، وارقام قوائمهم الفلكية التي وصلت مراتبها الى مراتب اعداد من استشهد وفقد في احداث عصفت بنا بكل قسوة ووحشية كأن كثرة هذه الملصقات التي تحملينها اتحاد دائم بينكِ وبينهم لإدامة حزننا.

ما زال الكثير من امثالكِ ايتها الصبَّة يطوف حول ايامنا، يسخر من مقاومتنا لأجواء وجودكِ الباعث على التوتر والارتياب ولكنني ادرك جيدا ان بقاءك كثيرا او قليلا مرتبط بتقرير مصيرنا وتفاهمنا معا كأفراد متحدين نعيش على هذه الارض، فكلما اتحدنا وشعرنا بعلاقتنا الوحيدة المشتركة بأننا ننتمي الى هذا الوطن مهما اختلفنا في الفكر والاتجاه وهو امر لن يروق لكِ، ولمن يضعك بثقلكِ على صدورنا قبل ارضنا لأنه يهدد وجودك.

وداعا.. ايتها الصبّات يا جرح روحنا الغائر. يا من تجسدت مأساتنا في شكلك وقسوة صلابتك. في الحقيقة انكِ لم تحمي ارواح الناس بقدر ما فعلتهِ من تمزيقهم، بناء على ما يعتقدون ويؤمنون وكنت سيدة التشويه لمعالم مدينتنا وملامحها. تلك الملامح التي كدنا ان ننساها بحضورك الثقيل.

وداعا دوما وابدا... اتمنى ان تغادرينا الى غير رجعة.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي