رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 26 ايار( مايو ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2216

الفلسفة العضوية

الاثنين - 8 نيسان( ابريل ) 2019

جواد كاظم الدايني

مر الآن أكثر من قرن ونصف وما زالت الماركسية تمارس سطوتها على طبقة المثقفين والمفكرين وبالرغم من انزوائها أيديولوجيا، إلا أنها حاضرة في ضمير الإنسانية وفي فكرة المعرفة والوجود التي غيرت شكل العالم بعدها، وهي تكاد تكون الفلسفة الوحيدة التي ارتبطت عضويا بواقعها وفيلسوفها العبقري كارل ماركس، تلك الشخصية صاحبة التوليفة الخلابة لانموذج الإنسان الثوري والمثقف والفيلسوف. وبعبارته الشهيرة " لقد قام الفلاسفة حتى الآن بتأويل العالم في حين أن المهم تغييره"، فهو قد أخذ على عاتقه إثبات عبثية الفلسفة التي لا تؤدي بالإنسان إلى السعادة والتحرر فكانت سيرته الذاتية انشغالا كاملا بقضية بؤس الاغتراب الإنساني الذي تسبب فيه النظام الرأسمالي الجديد وهو أول من تصدى فلسفيا وعمليا لغرور وغوغائية الرأسمالية، وما زالت الماركسية تمارس هذا الدور المهم والتذكير بخطورة الإفراط الخطير في الاعتماد على الرأسمالية، وهي لهذا الغرض تستخدم ضمنيا في السياسة الاقتصادية لكثير من دول العالم.

 قد تكون الماركسية الآن في حالة من التقهقر السياسي والاقتصادي إلا أن جوهرة تاج الماركسية والتي غيرت بالفعل طريقة التفكير بالعالم، كانت فكرة ماركس عن المعرفة والتطور التي أدت لظهور فروع عديدة في العلم والمعرفة وهي كانت ثورته الحقيقية التي سوف تدين الإنسانية له بالفضل مع شريكه انجلز الذي هو الوجه الآخر للماركسية.

في الحقيقة لقد ادار ماركس عجلة الوجود بالاتجاه المعاكس تماما وسيكون اول فيلسوف يخرج الآلهة من معادلة الإنسانية والوجود وبالتالي الوقوف على حقيقة مادية الإنسان الذي يستوعب العالم من خلال علاقة عقله وفكره بالطبيعة والبيئة (المادة) التي ستكون الأساس الذي يستند إليه الفكر بدلا من إحالته للقوى الخارجة عن الطبيعة وهذا سيكون جل العمل الفلسفي والعلمي للقرن العشرين.

لقد تهدمت تابوهات العالم أخيرا وذهب المطلق والثابت فما نراه (ليست أشياء تامة الصنع بل مجموعة من العمليات التي يطرأ فيها التغير والتحول على الاشياء رغم أنها تبدو ثابتة، فليس هناك أمر نهائي مطلق وليس ثمة شيء قادر على الصمود سوى الحركة التي لا تنقطع وهذا هو الديالكتيك ...انجلز) وهذا هو أحد أهم الأفكار العبقرية للماركسية.

إن مواكبة هذا الديالكتيك يحتم علينا النظر دائما بعين النقد والمراجعة لكل شيء كأساس للبقاء ضمن دائرة التطور والتقدم وبالأخص نقد الثوابت التي تخالف طبيعة هذا.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي