رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 16 ايار( مايو ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2202

أقام العلماء صلة بين الأصولية الدينية وتلف المخ

الأربعاء - 17 نيسان( ابريل ) 2019

بوبي آزاريان*

 

 

AddThis Sharing Buttons

Share to FlipboardFlipboardShare to FacebookFacebookShare to TwitterTwitterShare to LinkedInLinkedInShare to MoreMore86.1K.

أظهرت دراسة نشرت في مجلة " Neuropsychologia" إن الأصولية الدينية هي، في جزء منها، نتيجة لضعف وظيفي في منطقة دماغية تعرف باسم قشرة الفص الجبهي. وتشير نتائج الدراسة إلى أن الضرر الذي يلحق بمناطق معينة من قشرة الفص الجبهي، يعزز بشكل غير مباشر الأصولية الدينية من خلال تقليص المرونة المعرفية والانفتاح - وهو مصطلح في علم النفس يصف السمة الشخصية التي تنطوي على أبعاد معينة مثل الفضول والإبداع والتفتح الذهني.

يمكن اعتبار المعتقدات الدينية ما هي إلاّ تمثيل لعقلية منقولة اجتماعياً تتكون من أحداث خارقة وكيانات يُفترض أنها حقيقية. وتختلف المعتقدات الدينية عن المعتقدات التجريبية، والتي تستند إلى كيفية ظهور العالم وتحديثه بتراكم أدلة جديدة أو عند ظهور نظريات جديدة تتمتع بقوة تنبؤية أرقى. ومن ناحية أخرى، لا يتم تحديث المعتقدات الدينية في العادة كاستجابة للأدلة الجديدة أو التفسيرات العلمية، وبالتالي فإنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بنزعة محافظة. فهي ثابتة وجامدة، في حين أن المعتقدات التجريبية تساعد على تعزيز القدرة على التنبؤ والانسجام مع قواعد المجتمع بين الأفراد داخل المجموعة.

تُعزى الأصولية الدينية إلى أيديولوجية تؤكد على النصوص والطقوس الدينية التقليدية وتثبط التفكير التقدمي حول الدين والقضايا الاجتماعية. وتعارض الجماعات الأصولية عموماً أي شيء يشكك أو يتحدى معتقداتهم أو طريقة حياتهم. لهذا السبب، غالباً ما يتسموا بالعدوانية تجاه أي شخص لا يشاركهم في معتقداتهم الغيبية وتجاه العلم، حيث يُنظر إلى هذه الأمورعلى أنها تهديدات لوجهة نظرهم حول العالم بأسره.

بما أن المعتقدات الدينية تلعب دوراً هائلاً في التحكم بالسلوك البشري والتأثير عليه في جميع أنحاء العالم، فمن المهم فهم ظاهرة الأصولية الدينية من منظور نفسي وعصبي.

ومن أجل البحث عن المنظومة المعرفية والعصبية المرتبطة بالأصولية الدينية، أجرى فريق من الباحثين - بقيادة جوردان جرافمان من جامعة نورث وسترن - دراسة استخدمت بيانات من قدامى المحاربين في حرب فيتنام التي تم جمعها سابقاً. وتم اختيار الأطباء البيطريين على وجه التحديد لأن عدداً كبيراً منهم أصيب بأضرار في مناطق من المخ يشتبه في قيامها بدور حاسم في الوظائف المتعلقة بالأصولية الدينية. تم تحليل الأشعة المقطعية لـ119 طبيبا بيطريا يعانون من تلف في الدماغ إوتمت مقارنتها بأشعة مقطعية من 30 طبيبا بيطريا سليما بدون أضرار. وأجري مسح لتقييم الأصولية الدينية. في حين أن غالبية المشاركين كانوا مسيحيين من نوع ما. وإن 32.5 ٪ لم يحددوا دينا معينا لهم.

بناءً على الأبحاث السابقة، توقع القائمون بالتجارب أن تلعب مقدمة القشرة المخية دوراً في الأصولية الدينية، حيث من المعروف كون هذه المنطقة مرتبطة بشيء يسمى "المرونة المعرفية". ويعود هذا المصطلح إلى قدرة الدماغ على الانتقال بسهولة من التفكير في مفهوم معين إلى آخر، والتفكير في أشياء متعددة في وقت واحد. وتسمح المرونة المعرفية للكائنات بتحديث المعتقدات في ضوء أدلة جديدة. ومن المحتمل أن تنشأ هذه السمة بسبب ميزة البقاء الواضحة على قيد الحياة التي توفرها هذه المهارة. إنها خاصية ذهنية حاسمة للتكيف مع بيئات جديدة، لأنها تتيح للأفراد تقديم تنبؤات أكثر دقة حول العالم في ظل ظروف جديدة ومتغيرة.

أظهرت أبحاث التصوير الدماغي أن المنطقة العصبية الرئيسية المرتبطة بالمرونة المعرفية هي مقدمة قشرة الفص الجبهي - وتحديداً منطقتين تعرفان باسم مقدمة القشرة الجبهية الظهرية (dlPFC) والقشرة البطنية الأمامية البطنية vmPFC) . وبالإضافة إلى ذلك، كان vmPFC موضع اهتمام الباحثين لأن الدراسات السابقة كشفت عن صلتها بالمعتقدات الأصولية. وعلى سبيل المثال، أظهرت إحدى الدراسات أن الأفراد المصابين بآفات vmPFC قاموا بتصنيف البيانات السياسية الراديكالية على أنها أكثر اعتدالًا من الأشخاص ذوي الأدمغة الطبيعية، بينما أظهرت دراسة أخرى وجود صلة مباشرة بين تلف vmPFC والأصولية الدينية. لهذه الأسباب، وفي الدراسة الحالية، نظر الباحثون في المرضى الذين يعانون من آفات في كل من vmPFC و dlPFC ، وبحثوا عن الارتباط بين التلف في هذه المناطق وردود الفعل على استبيانات الأصولية الدينية.

وفقاً للدكتور غرافمان وفريقه، نظراً لأن التطرف الديني ينطوي على تقيد صارم بمجموعة جامدة من المعتقدات، فإن المرونة المعرفية والانفتاح تمثل تحدياً للأصوليين. على هذا النحو، توقع الباحثون أن المشاركين الذين يعانون من آفاتvmPFC  أو dlPFC سيحرزون درجات منخفضة في مقاييس المرونة المعرفية وسمات الانفتاح وارتفاعاً في مقاييس الأصولية الدينية.

لقد أظهرت النتائج، كما هو متوقع، اقتران الضرر الذي لحق بـ vmPFC و     dlPFC  بالأصولية الدينية. وكشفت اختبارات أخرى أن هذه الزيادة في الأصولية الدينية نتجت عن انخفاض في المرونة المعرفية والانفتاح الناتج عن ضعف قشرة الفص الجبهي. وتم تقييم المرونة المعرفية باستخدام اختبار تصنيف البطاقة النفسية القياسي التي تضمن تصنيف البطاقات بالكلمات والصور وفقًا للقواعد. وتم قياس الانفتاح باستخدام مسح شخصي واسع الاستخدام، يُعرف باسم جرد NEO Personality Inventory . وتشير البيانات إلى أن الأضرار التي لحقت بـ vmPFC  تعزز الأصولية الدينية بشكل غير مباشر، من خلال قمع كل من المرونة المعرفية والانفتاح.

هذه النتائج مهمة لأنها تشير إلى أن ضعف الأداء في قشرة الفص الجبهي - سواء من صدمة في الدماغ أو اضطراب نفسي أو إدمان مخدرات أو كحول أو ببساطة صورة وراثية معينة - يمكن أن يجعل الفرد عرضة للأصولية الدينية. وربما في حالات أخرى، يلحق التلقين الديني المتطرف الضرر بالتطور أو العمل السليم لمناطق الفص الجبهي بطريقة تعيق المرونة والانفتاح المعرفي.

يؤكد المؤلفون أن المرونة والانفتاح المعرفي ليسا الأشياء الوحيدة التي تجعل العقول عرضة للأصولية الدينية. في الواقع، أظهرت تحليلاتهم أن هذه العوامل لا تمثل سوى خمس التباين في درجات الأصولية.

إن اكتشاف هذه الأسباب الإضافية، التي يمكن أن تكون أي شيء يتراوح بين الاستعدادات الوراثية إلى التأثيرات الاجتماعية، هو مشروع بحثي مستقبلي يعتقد الباحثون أنه سيشغل الباحثين لعقود عديدة قادمة، آخذين بنظر الاعتبار مدى التعقيد الديني والتعقيد وسعة انتشار الأصولية الدينية. وستظل على الأرجح قائمة لفترة من الزمن.

من خلال البحث في الأسس المعرفية والعصبية للأصولية الدينية، يمكننا أن نفهم بشكل أفضل كيف يتم تمثيل هذه الظاهرة في الاتصال مع الدماغ، والتي قد تسمح لنا يوما ما بالتلقيح ضد أنظمة المعتقدات الجامدة أو الراديكالية من خلال أنواع مختلفة من التدريبات العقلية والمعرفية.

 

ـــــــ

* الدكتور بوبي آزريان، هو عالم أعصاب إدراكي في جامعة جورج ماسون، وصحافي مستقل، نشرت أعماله في صحيفة الأطلنطي، وصحيفة نيويورك تايمز، وفي بي بي سي فيوتشر، وأميركان ساينس وسلايت وهافنجتون بوست، وكوارتز وغيرها. نُشر بحثه هذا في مجلات مثل الإدراك والعاطفة ورسم خرائط العقل البشري.

** يشير الباحث مونيتا كاناي إلى أنه توجد اختلافات جوهرية في الأساليب المعرفية لليبراليين والمحافظين حول التدابير النفسية. إن التباين في المواقف السياسية يعكس التأثيرات الوراثية وتفاعلها مع العوامل البيئية. لقد أظهرت البحوث الأخيرة وجود علاقة بين الليبرالية والنشاط المرتبط بالصراع. وتقاس بالاحتمالات ذات الصلة بالحدث الذي ينشأ في القشرة الحزامية الأمامية. ويظهر هنا أن هذا الارتباط الوظيفي للمواقف السياسية له نظير في بنية الدماغ. في عينة كبيرة من الشباب، قمنا بربط المواقف السياسية المبلغ عنها ذاتيا بحجم المادة الرمادية باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الهيكلي. ولقد وجدنا أن زيادة الليبرالية كانت مرتبطة بزيادة حجم المادة الرمادية في القشرة الحزامية الأمامية، بينما ارتبط المزيد من المحافظين بزيادة حجم اللوزة اليمنى. تم تكرار هذه النتائج في عينة مستقلة من المشاركين الإضافيين. وتمتد نتائجنا إلى ملاحظات سابقة مفادها أن المواقف السياسية تعكس الاختلافات في مراقبة الصراع ذاتية التنظيم، والتعرف إلى الوجوه العاطفية من خلال إظهار أن هذه المواقف تنعكس في بنية الدماغ البشري. على الرغم من أن بياناتنا لا تحدد ما إذا كانت هذه المناطق تلعب دورًا سببيًا في تشكيل المواقف السياسية، إلا أنها تتلاقى مع البحوث السابقة، وتوضح وجود صلة محتملة بين بنية الدماغ والآليات النفسية التي تبرز في المواقف السياسية. م.

*** في سؤال طرح على الدكتور عزيز الشيباني الاخصائي في الاعصاب والذي يعمل الآن في الولايات المتحدة، يجيب: "هناك دراسات كثيرة عن إختلاف أدمغة البشر وتأثيرها على السلوك، والاختلاف بينها موجود، لكن المختلف عليه هو هل الاختلاف تكويني أم مكتسب؟ يعني المحافظ لا يطالع الا ما يتفق مع أفكاره، وبالتالي يغذي الشبكة الدماغية المناسبة، كالنواة اللوزية التي تدير الخوف من الآخر والانفعالات المشابهة. هذه الدراسة التي ارسلتها لي مشكوراً تستخدم المفراس وهو أداة غير دقيقة لفحص المناطق الدماغية المشار إليها على عكس المرنان. تحياتي. م.  

ترجمة: عادل حبه

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي