رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 23 تموز( يوليو ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2243

مسودَن العراق

الاثنين - 13 ايار( مايو ) 2019

د. زهير ياسين شليبه*

أجلسُ أمام منضدتي، أنقرُ عليها بإصبعي متطلعاً إلى هاتفي متوقعاً رنينه في أي لحظة. أنتظرُ مكالمةً هاتفيةً. لن تأتيني هذه المخادثةُ بالتأكيد من أخ أو صديق أو قريب أو حبيب. هؤلاء الأصدقاء والأحبة تبخروا ولم يعد لهم وجود. و لا من الأهل، هؤلاء بعيدون كما لو أن سور الصين العظيم يفصلني عنهم. متى سأجتازه؟ هذه أمنية محالة كما تبدو لي بعد هذه الغربة الطويلة، التي بدأت تقارب الثلاثين. ُعمر وتعدّى الثلاثين! لستُ متشائما ولكن هذا هو الواقع. أتصفّحُ الأوراقَ الموضوعة أمامي، ثم أتركها لأقلب أفكاري، أقرأها واحدةً تلو الأخرى حتى أنتهي ببلادي ألتي بتُّ أخشى عليها من نفسها والآخرين أكثر من أي شيء. كم هي كثيرة المرات، التي ملأت الدموع فيها مآقي عيني، كم مرة من المرات، التي راودتني فيها أفكارٌ سوداويةٌ وحالات ونوبات هستيرية ولكني كثيرا ما كنت أمنّي نفسي قائلا لها " هذا العراق ليس سهلا، إنه مثل العراقيين الإنفعالين، الطافحين بالمشاعر والإحساسات مثل دجلة والفرات، يا ترى ماذا سيكون مستقبله لو تخلص من حكامه المسودنين و الرعناء ".

هل يمكنك أن تتصور عراقا بدون "مسودنلغية"؟ بالتأكيد أنه سيكون صورة نورانية لجمال أخاذ ليس له نظير، بهاء من نوع السمو الجمالي، فهؤلاء العراقيون زاخرون بكل شيء متدفق، تلقائي، عفوي، وقد يصممون المدن الفاضلة و يقيمون الضمان الإجتماعي ويستقبلون اللاجئين والمضطهدين من كل العالم، ويؤسسون العالم الطوباوي ويعيدون أمجاد الفلاسفة المشّائين والمفكرين الباطنيين والصوفيين وسياحة الفكر، لكن لا أحد يتركهم يعملون ذلك، هذا أمر مستحيل، سيحرمون من بلادهم الجميلة وسيبقى الأطباء والمحللون النفسانيون هنا يستقبلون العراقيين الهاربين من الحروب والأزمات وأنا أترجم لهم "مصائب قوم عند قوم فوائد".

أحد المرضى العراقيين قال لي قبل عدة ايام " العراق يحتاج إلى ثمانية عشر مليون طبيبا نفسانيا، وقال آخر: إلى إثنين وعشرين مليونا، بينما أصر ثالث على خمسة وعشرين مليونا، قالها صارخا في أذني " أخي أنت واهم إذا كنت تعتقد أن العراقيين يصير براسهم خير، هذوله كلهم مسودنين، صدقني هذا مخبلنا موجود في كل شخص عراقي!! أنت إنسان متفائل وما شفت العراق، طلعت منه في عزّه وعشت مع هذوله الأوربيين الأوادم، أنت أصلا مو عراقي، بس والله بربي ووجداني أقول الحق أنت إنسان شريف لأنك تركت العراق من بداية سرطان المسودِنين، أنت عملياً تنبأت بمستقبل هذا البلد وهربتَ منه، أنت لو كانت نفسك دنيئة وتركض وراء المال لقاء اي عمل لبقيت في العراق، كان ممكن أن تدخل بالحزب لكنك ما سوّيت هذا الشيء لأنك شريف، العراقيين إذا ما تجلدهم يجلدوك، هذه حقيقة لازم تعرفها وتتذكرها ودير بالك وتغلط وتروح للعراق، خليك هنا إذا كنت فعلا تحب العراق ...".

اذكر أني مقتُّ هذا اللاجىء العراقي، أو في الحقيقة لم أعد أطيق الإصغاء إليه، كان صعبا وقاسيا للغاية، مليئا بالتشاؤمية والسوداوية وجلد الذات لكني لا أشك بصدقه وحبه لبلاده وتجاربه القاسية. 

لا أزال أجلس منتظرا الإتصال الهاتفي. قرأت في مفكرتي: ترجمة هاتفية للدكتور النفساني نيلس من مركز اللاجئين، حجزني لكني لم أكتب تفصيلات عنها لا رقم هاتفه ولا إسم الشخص ولا العنوان الكامل. هيّا يا نيلس، أنت تسأل ونحن نترجم على وزن الشعب يسأل والحزب يجيب! هههه!

صديقي العزيز

أجلسُ وعيناي تتلصصان بين الأوراق بحثاً عن رسالة كتبتها لك قبل مدة بدموع عينيّ. كان المفروض أن أبعثها إليك ولم أستطع بسبب إنشغالاتي الكثيرة. أجلسُ منتظرا تلك الترجمة الهاتفية وأفكر بالرسالة الضائعة. وفي الحقيقة أن الإنتظار طال وإنشغلت في البحث عنها. المهم ما في الأمر ليس الهاتف بل الرسالة المفقودة، التي تعبتُ في كتابتها بل تأليفها، والشيء الآخر الذي قد يكون أكثر أو أقل أهمية هو: لماذا وكيف تختفي الرسائل والأوراق والوثائق من مكتبي وفي بيتنا. هذا أمرٌ غريبٌ، بل  إنه أمر خطير للغاية. هذه موضوعة هي الأخطر شغلت كلّ فكري في الآونة الأخيرة وأنا مشغول بالعراق ومستقبله، مهموم به. إذا كانت الرسالة تضيعُ، تختفي من مكتبي فلا عتب على الآخرين المتهالكين على العراق، هؤلاء سيستبيحونه وسيخفون كل شيء منه، سيغدو خراباً يباباً. سيسرقونه!

سبقَ لي وأن كتبت لك رسالةً جميلةً، لكنها ضاعتْ. أين؟ لا أدري. و لا أعلم إن كانت الرسالةُ قد فُقدتْ فعلا أم أني أرسلتها لك بالبريد العادي أو ببريد الأحلام أما البريد الإليكتروني أو ما يسمى بالإيميل فانا اعلم أنك لا تتعامل به. لكني على أية حال لا أذكر بأني حقا أرسلتها لا في الحقيقة والواقع ولا في أحلام اليقظة والخيال ولا الرؤى والمنامات، و أنا كثيرا ما أخلط بينها كلها.

يا ويلي! يا ويلي!

طبعا ثرتُ لضياعِ الرسالةِ، أو نقلها وإختفائها أو إخفائها أو فقدانها أو سرقتها أو بالأحرى وئدها قبل ولادتها، هجتُ هيجاناً كالثور وخرجتُ عن طوري، عقدتُ العزمَ على أن أقوم بأشياء كثيرة: منها التهديد والوعيد والخ من هذه الأمور التي يعرف ربعي بأنها مجرد بالونات هوائية فارغة أو زوبعة في فنجان، كما يقولون.

نصحني إبني الصغير بأن أكتبَ الرسالة مرةً ثانية وأنهي المشكلة. يقصد طبعا أن أعيد كتابتها. زجرته على طريقة أي مسودَن عراقي قائلا :"هذه مو فكرتك، هذه فكرة أمك، أنت سمعتها من أمك !". والدته تتصور أن إعادة كتابة الرسالة أمرٌ في غاية السهولة والتفاهة. لَمْ تكتبْ رسالةً في حياتها! كيف لها إذن أن تشعر بصعوبة الكتابة ومعاناتها؟ بينما أنا أعتبرُها، أقصدُ إعادة الكتابة في غاية ِالصعوبة والمسؤولية بل الخطورة لأنها توقعنا في المفسدة والتزوير والتزييف ولولا خوفي من تهويل الآخرين وإتهامهم إياي بالمبالغة والتهور لقلتُ إنها، أقصد إعادة كتابة الرسالة، أمر مستحيلٌ و إنها أصعب من إعادة كتابة التاريخ، الذي أراد مسودَن العراق أن يدونه من جديد في جرة قلم مثل قوانينه و ..

هناك أمر مهم، بل خطير للغاية ولا أريد أن أجهره أو أفشي به وأعلنَه على الملإِ، بل أهمسُ به إليك وحدك وهو أني أعدتُ كتابةَ الرسالة! أجل، يأستُ من البحث عن الوثيقة الأصل، هذا هو الواقع، يئستُ، كتبتُ لك رسالةً ثانيةً، نسخةً أخرى لكنها ضاعت أيضا مثلما تضيع أهم الأشياء و أجملها في حياتنا! ضاعت كما تضيع القوانين وتفاصيل التاريخ اليومي والأرواح كقطرة في البحار والمحيطات.

لا أدري إن كنتَ تتفقَ معي في خطورة هذا الأمر أم تعتبره شيئا تافهاً. أنا في الحقيقة بدأتُ أشك، بدأت أقلق لما يمكن أن يحدث وأنه سيكون الزوبعة أو العاصفة أو الأعصار أو القيامة أو اي أمر كبير، ضخم، عظيم، مهول، هائل أكبر من الديناصورات وآلهات العصور الأسطورية، إنه شيء مرعب سيجرف كلّ شيء معه: رسائلي المفقودة والضائعة وغير الضائعة، أموالي المنقولة وغير المنقولة، أسمائي وكلماتي المنحولة وغير المنحولة، كلها يمكن أن تذهب سدى، أدراج الرياح الغربية العاتية، إلا حبي وكياني، بل كل الجغرافية والتاريخ العراقيين إلا دجلة والفرات. أجل، هذه هي المرة الأولى التي بدأتُ أشكُ بها في أشياء كثيرة لكن ليس كلها والحمد لله. أشكُ في نفسي وفي الذين يتحركون حولي وبدأت أشعر أني حسن النية أكثر من اللازم و أن الماء يجري من بين رجليّ وأن العالم من حولي يغلي وإلا فلماذا تضيعُ الرسائلُ والوثائقُ وتختفي ويتغير التاريخ بل يتبعثرُ هنا وهناك. هذه هي الرسالة الثانية التي أكتبها لكي أرسلها إليك وتختفي في فترة قصيرة للغاية من بين جميع أوراقي. الطامةُ الكبرى هي أني لا أعرف بالضبط هل كتبتُها حقا أم أن ذلك ضرب من الخيال و إذا كنتُ فعلا قد كتبتها فهل ضاعت فعلا، فقد أكون أرسلتها إليك وقد تكون إستلمتها وتنعم بقراءتها وتسخر مني الآن عندما تقرأ وساوسي هذه.

يتبع..

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي